التعليق على كتاب الوصية الكبرى 7

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم مسح الرجلين وتوجيه قراءة الجر في آية الوضوء

يبيّن المقطع أن الرافضة خالفوا الإجماع بترك غسل الرجلين والاكتفاء بمسح ظاهر القدمين مستدلين بقراءة الجر، ويرد العلماء بالسنة المتواترة الدالة على الغسل وأحاديث «ويل للأعقاب من النار» ومشروعية المسح على الخفين. كما يشرح توجيهات النحويين لقراءة الجر بأنها عطف على اللفظ لا المعنى ومراد بها الغسل مع الترتيب، مستعرضاً بدع الرافضة العقدية والعبادية كتكفير الصحابة واتهام عائشة رضي الله عنها.

أسباب انحراف الطوائف المنتسبة للسنة عن الصراط المستقيم

يحدد المقطع ثلاثة أسباب رئيسة لانحراف الجماعات المنتسبة للإسلام: الغلو في تعظيم الأشخاص حتى يبلغ منزلة الألوهية، والتفرق المخالف لجماعة المسلمين، وقبول الأحاديث الموضوعة لجهل أو هوى. ويضرب أمثلة تاريخية بالرافضة والخوارج والصوفية محذراً من أن مجرد الدعوى لا تكفي دون بينة شرعية.

بداية الأذان والإقامة وافتتاحية الصلاة

يستهل المقطع بذكر تكبيرات الأذان والشهادتين بوصفها الافتتاحية الرسمية لنداء الصلاة في الإسلام. ويشير إلى مكانة الأذان كشعيرة تعبدية تسبق أداء الفريضة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ولهذا قاتل المسلمون أيضًا الرافضة الذين هم شر من هؤلاء، وهم الذين كفروا جماهير المسلمين، مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم، ويزعمون أنهم هم المؤمنون، ومن سواهم كافر، ويكفرون من يقول: إن الله يرى في الآخرة، أو يؤمنوا بصفاته وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة، ويكفرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها». سيذكر الشيخ الآن بعض بدع الرافضة، وأنهم يكفرون من خالفهم حتى في البدع التي هم عليها. قال: «فإنهم يمسحون القدمين دون الخفين، ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم، ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر، ويغنتون في الصلوات الخمس، ويحرمون الفقاع وهو نوع من الشراب يتخذ من الشعير، وذبائح من خالفهم من المسلمين لأنهم عندهم كفار، ويقولون على الصحابة أغوالاً عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هاهنا، إلى أشياء أخر». فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ذكر بعض ما عليه الرافضة من ذلك، أو من تلك المخالفات: أنهم يمسحون القدمين دون الخفين، يعني إذا جاءوا إلى الوضوء ووصلوا إلى الرجلين لا يغسلون الرجلين وإنما يمسحون عليهما. وأيضًا في المسح على الخفين لا يمسحون على الخفين، لا يرون المسح على الخفين. ولهذا ذكر علماؤنا رحمهم الله، كالإمام الطحاوي في عقيدته، المسح على الخفين، فقالوا: نرى المسح على الخفين. ذكروا هذه المسألة في كتب العقيدة لأن هؤلاء مثل الرافضة خالفوا فيها، فلا يمسحون على الخفين، بل هم يمسحون القدمين ظنًا منهم أن هذا الصواب، أو اعتقادًا منهم أن هذا هو الصحيح. وهذا ليس بالصحيح، وإن قال به بعض العلماء ممن تمسك بقوله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. وأرجلكم هذه قراءة، وهي قراءة سبعية، قراءة سبعية. ففي الآية قراءتان: وأرجلكم بالنصب، وأرجلكم بالخفض بالجر. وهذه القراءة وهي قراءة الخفض، قرأ بها أبو عمرو وابن كثير وحمزة. ولكن الذي اتفق عليه العلماء أن الرجلين تغسلان ولا يمسح عليهما إلا إذا كان عليهما الخفان. قال ابن العربي رحمه الله عند تفسير هذه الآية: «تفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبر». والمقصود به الإمام ابن جرير من فقهاء المسلمين. الطبر جنح إلى رواية الجر، وقال: المقصود به المسح، والمتوضأ مخير بين المسح وبين الغسل للرجلين. لأن السنة بينت الغسل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ويل للأعقاب من النار». حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، حديث أبي هريرة كذلك: «ويل للأعقاب من النار». فبينت السنة غسل الرجلين. وفي الآية في هذه القراءة وهي قراءة الجر، تمسك بها بعض الفقهاء كابن جرير رحمه الله. قال ابن العربي: «وما علمت من رد ذلك سوى الطبر من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم». لاحظ كلمة «من غيرهم»، أي من غير المسلمين. الرافضة ماذا؟ كفار. قال: «من غيرهم»، من غير المسلمين. الرافضة هم الذين ردوا رواية النصب، قال: «وتعلق الطبر بقراءة الخفض». انتهى كلام ابن العربي من أحكام القرآن له. وقال ابن عطية: ابن عطية تفسيره تفسير طيب، وهو يوجه قراءة من قرأ بالخفض: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فالرأس فيه المسح، وأرجلكم بالخفض على هذه القراءة ثابتة، وجهها بتوجيه. قال: «وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل، المراد بالمسح هو ماذا؟ الغسل. أن العرب من لغتها إطلاق المسح، أو إذا ذكروا المسح فإنه كذلك يريدون به الغسل». قال القرطبي: «وهو الصحيح». وهذا القول قال: «هو الصحيح أن المراد في الآية لو قلنا بقراءة الجر عطفًا على مسح الرؤوس، فإنه المراد به الغسل للمسح. فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح، ويطلق بمعنى الغسل». ثم ذكر عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: قال أبو زيد: «المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحًا». إذا أطلقت هذه اللفظة، لفظة المسح، تحتمل أحد معنيين: تحتمل المسح، وتحتمل الغسل. قال: «ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاء: قد تمسح». إذا أنت توضأت، يقال لفلان: هذا الذي غسل الأعضاء كلها، يقال: فلان تمسح. ما معنى تمسح؟ أي غسل. ويقال: مسح الله ما بك، إذا غسلك وطهرك من الذنوب. إذن هذا توجيه للآية ذكره ابن عطية رحم الله، وأيده القرطبي، أن المراد بالمسح أي في الرجلين برواية الجر المراد بها ماذا؟ الغسل. احفظ هذه الرواية، هذه إحدى الاحتمالات في ماذا؟ في هذه الآية. وحدة التوجيهات في هذه الآية. وقيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدًا لمسحهما، لكن إذا كان عليهما خفان. يقال أيضًا في هذه الرواية التي وردت خفض في الرجلين جاء مقيدًا بالسنة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على الخفض يبينه ما في السنة أن المراد بالمسح إذا قلنا بالمسح على الرجلين، فالمراد أنه إذا كان عليهم خفان. إذا كان عليهم خفان ثبت المسح كما جاءت الأدلة الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين. إذن يبين الآية فعل النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، أي وامسحوا أيضًا بأرجلكم متى؟ إذا كان عليهم خفان. لبيان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم حضرًا وسفرًا، مثل حديث المغيرة بن شعبة وغيرها من الأحاديث. وأيضًا يقال: أن الرجلين إذا قلنا بالمسح فيهما دون المسح على الخفين، فإن المسح عند العرب لا يكون إلا على الظاهر. المسح لا يكون إلا على ظاهر القدمين. فقال: «مسحت القدمين» إذا كان مسح بهما ظاهرهما ولم تمسح بواطنهما، لأنه ما يقال: مسحت الباطن، لأن الباطن يحتاج إلى غسل لكثرة الأوساخ فيه. فلهذا لا يثبت على قولهم هذا أن الرجلين فرضوهما المسح، أن الرجلين فرضوهما المسح، أي مسح الظهور دون أن يكون عليهما خفان. جاء حديث علي عند أبي داود أنه قال رضي الله عنه وأرضاه: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه». لو كان الدين بالعقل بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه. أيهما الذي يتسخ أكثر؟ أسافل القدمين أكثر من ظهورهما. ولهذا قال: «فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه». يعني هنا لو قالوا: أن الرجلين فيهما المسح فقط دون أن يكون عليهما خفان، فإنه لا يمسح إلا ظهورهما. وهذا لا يقال في ذلك: يمسح الظهور دون ماذا؟ دون البواطن. يعني تترك باطن الرجلين وليس عليهما شيء، وتمسح ماذا؟ ظهورهما. فهذا يرد عليهم كما أجاب به الإمام القرطبي رحمه الله تعالى. إذن التوجيه الثاني في قراءة الجر: أن المراد مسح الرجلين إذا كان عليهم خفان. وقيل: أي الاحتمال الثالث: إن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على اللفظ دون المعنى، معطوف على اللفظ دون المعنى. وهذا كثير في لغة العرب، بل جاء القرآن فيه ذلك، كقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. يعني أن هناك تأتي لفظة تابعة لأخرى بسبب المجاورة، بسبب المجاورة. وكقول العرب: «هذا جحر ضب خرب». هذا جحر ضب خرب، جرى خرب لمجاورتها لضبه، وحبها الرفع. وهذا مذهب جماعة من فقهاء أو من النحويين، مذهب جماعة من النحويين مثل الأخفش وأبي عبيدة. أن هذا القول يعني هذه القراءة وهي قراءة الجر معطوفة على اللفظ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مجرورة، وأرجلكم معطوفة عليها في اللفظ دون المعنى، دون المعنى. والمعنى: واغسلوا أرجلكم. لكن جرت الأرجل بسبب ماذا؟ أنها مجاورة للرؤوس المجرورة بالباء. هذا معنى قولهم. وقيل: أن رواية الجر معطوفة على اللفظ دون المعنى. ولأن الآية فيها مراعاة الترتيب، الآية فيها مراعاة ماذا؟ الترتيب. انظر إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وهنا حصل التقديم والتأخير، وفيها ماذا؟ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هنا يكون مسح الرأس قبل غسل الرجلين، بعدهما. الجواب: أنه يكون قبل، فلما كان قبل قدم على الرجلين، فالرجلين حقهما الغسل كما في ماذا؟ كما في قراءة النصب، كما في قراءة النصب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. وهذه قراءة عاصم ونافع، قرأوا وابن عامر كذلك، قرأوا ماذا؟ قرأوا بالنصب. والمعنى فيه تقديم وتأخير. وقد جاء أيضًا ذلك فيما ذكره الطبري رحمه الله من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه قال: «فيه تقديم وتأخير»، أي: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، هذا كل غسل، وامسحوا برؤوسكم. لكن لمراعاة الترتيب، وأن الترتيب واجب، والرأس مقدم على الرجلين، قدم الرأس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فالباء للإلصاق، الباء للإلصاق وليس للتبعيد. ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والغسل يكون في الرجلين. قدم الرأس للترتيب كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه. فهذه التوجيهات الثلاثة في الآية الكريمة في قراءة ماذا؟ قراءة الجر، في قراءة الجر: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهي قراءة سبعية. لكن لا يثبت شيء للرافضة في أنهم يمسحون على القدمين ولا يغسلون القدمين، ولا يرون المسح على الخفين. قال: «ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم». وهذه مخالفة أيضًا ظاهرة وموجودة في زماننا هذا، وتبعهم الصوفية، شابهوا الرافضة. فإنهم يؤخرون الفطور، يؤخرون الفطور، وأيضًا يقدمون السحور. وهذا مخالفة صريحة واضحة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. بل أنهم يؤخرون المغرب إلى طلوع النجم، الذي يقال له الشاهد، يعني في الأفق. فإذا رأوا النجم قد طلع، فإنهم يؤذنون مع الظلام. وهكذا ترى في بلادنا هذه عند الشيعة، هؤلاء يؤخرون كثيرًا المغرب، ربما بعد دخول الوقت بعشر دقائق أو بأكثر من ذلك أو بأقل. والواجب هو متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن المغرب إذا وجبت الشمس، إذا سقطت الشمس وغابت، وأقبل الليل منها هنا، وأدبر النهار منها هنا، فإنه يؤذن للمغرب، ويفطر الصائم. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعجيل الفطر، مخالفة لأهل الكتاب. فالرافضة شابهوا اليهود والنصارى، شابهوا أهل الكتاب في تأخيرهم الفطور، تعجيلهم السحور. قال: «وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ». الروافض والشيعة لهم، والشيعة عبارة عن فرق من فرق يعني الروافض. فإنهم يؤخرون، فإنهم يجمعون بين الصلاتين من غير عذر، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم في الغالب، جمع تقديم. فإنهم يقدمون صلاة العصر إلى الظهر. ولهذا تجد أيضًا في بلادنا هذه في مناطق الشمال كثيرًا ممن يعتقد هذا المذهب، وخصوصًا أصحاب التخزين، فإنهم يصلون الصلوات يعني أغلبهم وأكثرهم يصلون هذه الصلوات الأربع صلاة جمع، صلاة جمع. ولهذا إذا صليت أنت في أحد مساجدهم ربما جاء إليك القائل ويقول لك: «ظهر عصر»، ما تدري ماذا يريد، ويريد أنك أنت مثله، صليت ظهر أم تصلي عصر؟ وهل ستجيبه في الصلاة؟ وهذا من حمقهم وبلادتهم. من سيتكلم في الصلاة يأتي إلى قربك وأنت تصلي، يقول لك: «ظهر عصر»، يريدك تقول له: نعم، أم هذا ما ندري؟ فهذا من بلادة هؤلاء. يجمعون بين الظهر والعصر من غير عذر، لأجل ماذا؟ أن كيف مع ذلك؟ القاتل، والله المستعان. «وَيَقْنُتُونَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ». أيضًا يقنتون في الصلوات الخمس من غير نازلة، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما قنت في الصلوات الخمس في النوازل التي تنزل بالمسلمين. «وَيُحَرِّمُونَ الْفِقَاعَ». والقنوت هذا قنوت في الصلوات الخمس، قنوت النوازل، ليس متروكًا لكل إمام أو لطائفة معينة، وإنما يأمر به ولي الأمر. ولي الأمر إذا قال: اقنتوا لأجل مصلحة المسلمين، مصلحة الإسلام والمسلمين، يقنت في الصلوات، يطاع، لأن هذا من طاعة الله عز وجل، وهذا يقدرها أهل العلم، أهل الحل والعقد. وانظر إلى من خالف في هذا الباب، جاءت يعني حادثة في فلسطين، قالوا: قنوت، وقنت في الصلوات، وهكذا استعطاف، ما يصلح هذا. لا بد أن يكون في ذلك دليل، لا بد أن يكون في ذلك متابعة لأهل الحل والعقد، النازلة التي تنزل بعموم المسلمين أو بخصوصهم، لكن يأمر بها ماذا؟ ولي الأمر، فيطاع ذلك. أما لم يأمر ولي أمر، ولا قال أهل الحل والعقد: اقنتوا، فما بال هؤلاء يقنتون في الصلوات؟ قال: «وَيُحَرِّمُونَ الْفِقَاعَ وَذَبَائِحَ مَنْ خَالَفَهُمْ». الفقاع نوع من الشراب، الشراب الشعير، ويجوز شرب ذلك الشراب ما لم يصير، ما لم يصير مسكرًا، ما لم يسكر. وذبائح من خالفهم من المسلمين، يعني أن الرافضة لا يأكلون ذبائح المسلمين لأن المسلمين عندهم كفار، عياذًا بالله، كما قال شيخ الإسلام هنا: «لأنهم عندهم كفار». وهم المسلمون حقًا. لماذا المسلمون عندهم كفار؟ لأنهم ما يعتقدون عقائدهم الفاسدة، وهم يعتقدون أن القرآن ناقص، أن القرآن مبدل، وأن القرآن محرف، ويعتقدون كذلك في الأولياء هؤلاء الاثنى عشر، والمهدي المنتظر الذي في السرداب. بل وصل بهم الحال إلى تأليه علي بن أبي طالب. وهكذا أيضًا سب الشيخين أبي بكر وعمر، يسبونهما، بل ويكفرونهما، ويكفرون سائر الصحابة، باستثناء ستة أو عشرة أو قليل من الصحابة الذين ما يكفرهم الرافضة. وهكذا أيضًا اتهامهم المؤمنين، عائشة رضي الله تعالى عنها، بما برأها الله به في كتابه الكريم، بما برأها الله منه في كتابه الكريم. هذه عقائدهم، ويريدون أهل الإسلام أن يعتقدوا، فمن اعتقد هذه العقائد صار مسلمًا عندهم، ومن خالفهم صار كافرًا عندهم. قال: «وَيَقُولُونَ عَلَى الصَّحَابَةِ أَغْوَالًا عَظِيمَةً لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا هَاهُنَا، إِلَى أَشْيَاءَ أُخَرَ». فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله. المسلمون منذ قديم، من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، وهم يقاتلون الرافضة لأنهم كفار، ويستحلون القبائح والعظائم وما حرم الله عز وجل. قال: «فَإِذَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ مِمَّنِ انْتَسَبَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ مَرَقَ مِنْهُ مَعَ عِبَادَتِهِمُ الْعَظِيمَةِ، حَتَّى أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِمْ، فَ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ قَدْ يَمْرُقُ أَيْضًا مِنَ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، حَتَّى يَدْعِيَ السُّنَّةَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، بَلْ يَمْرُقُ مِنْهَا». وذلك بأسفال. يعني يقول لك شيخ الإسلام: لا تستغرب، ولا تستعظم، ولا تستعجب، إذا كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، القرن الأول، قرن الصحابة، هناك طوائف خرجت ومرقت، وأخبر بهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، ممن ينتسب إلى الإسلام ويسمون بالمسلمين، ينتسب إلى الإسلام وليس من الإسلام في شيء، خرجوا ومرقوا عن دين الإسلام، كالرافضة، أو كالجهمية، أو كذلك ممن نحا نحوهم من الطوائف المبتدعة، كالقدرية والخوارج والشيعة ونحو ذلك. هؤلاء قد مرقوا وخرجوا، وخالفوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فما بالك بزماننا؟ فما بالك بالعهود المتأخرة؟ يأتي ثمانمائة قرن، ثمانمائة سنة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، بل ألف وأربعمائة سنة بعد موت الرسول. فإذا كان شيخ الإسلام يحكي هذا، يقول في زمنه: أن هناك من ينتسب إلى السنة، ويدعي السنة، وهو ليس من أهلها. فليس كل الدعاوى تصح، ليس كل الدعاوى تصح. والدعاوى إذا لم تقم عليها بينات أصحابها: «أدعيه يا مدعي السنة بي، وبره لنا صدق دعواك، كيف اتباعك لسنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟» ينبغي أن يرى ذلك، تطبيقًا على الواقع، أن هذا فعلاً مقتد، وهذا أيضًا متأسن، وهذا متبع للنبي عليه الصلاة والسلام. سيبين الآن الشيخ رحمه الله تعالى الأسباب التي تجعل هؤلاء يخرجون عن سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس فقط ممن خرجوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، بل في زماننا هذا. قال: «فَمِنْهَا الْغُلُوُّ». أحد الأسباب: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ». وهو حديث صحيح، حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عند النسائي وابن ماجة وأحمد. قال: «وَمِنْهَا التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ». إذن هذان سببان. السبب الأول: الغلو، جعل بعض الناس يخرج من السنة من حيث لا يشعر، يعني من حيث لا يشعر، يخرج من السنة. يغلو في شخص، ويعظم هذا الشخص، حتى بعد ذلك يرفعه منزلة إلهية، كما فعلت الرافضة، غلت في علي، إذا سمعوا صوت الرعد قالوا: «علي، علي في السحاب». وهكذا من ترهاتهم، حتى رووا الأحاديث المكذوبة الموضوعة عن نبينا عليه الصلاة والسلام: «علي خير البشر، من أبى فقد كفر»، «علي خير البشر»، ويروون هذا حديثًا مرفوعًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. فانظروا كيف يختلقون الأكاذيب على نبينا عليه الصلاة والسلام لأجل ماذا؟ باطلهم. فهذا الغلو يؤدي بصاحبه، الغلو الإفراط والمدح والإطراء، يؤدي بصاحبه إلى الخروج من الدين، وإن قال: «أنا ماذا؟ أنا مسلم» باللسان. فانظروا إلى ذلك، الذي عظم الرسول عليه الصلاة والسلام وهو البوصيري، كما في بردته، حيث يقول ويخاطب النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِمَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثِ الْعَظِيمِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ يَوْمَ الْمَعَاذِ آخِذًا بِيَدِ فَضْلًا، وَإِلَّا فَقُلْ يَا زَلَّةَ الْقَدَمِ، فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا، الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا يَعْنِي السَّمَاوَاتِ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ، هَذَا مِنْ جُودِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا، وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ». هذا غلو في شخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أيضًا الصوفية تغلو في أئمتها، وتغلو في سادتها وكبرائها، حتى أعطوهم منزلة الألوهية، أي من خصائص الألوهية، كإحياء الموتى، وأيضًا ماذا؟ علم الغيب، وتصريف الأمور، وغير ذلك. هذا غلو وصل بهؤلاء القوم إلى ماذا؟ إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى. لأن من أعطى شيئًا من خصائص الإله سبحانه وتعالى لمخلوق من المخلوقات، فقد كفر بالله عز وجل. فهذا سبب من الأسباب التي تجعل بعض الطوائف تنسلخ وتخرج من دين الإسلام، أو من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنها أيضًا التفرق، تفرق جمع المسلمين، وكلمة المسلمين، كما فعلت الخوارج، خرجت عن جماعة المسلمين، وادعوا أنهم يريدون تحكيم الكتاب والسنة، وتطبيق الشرع. هذه كما قيل: «كلمة حق أرادوا بها ماذا؟ أرادوا بها باطلًا». فإنهم يقولون: «إن الحكم إلا لله». قال علي: «كلمة حق أرادوا بها باطلًا». كلمة حق: «إن الحكم إلا لله»، لكن يريدون ماذا؟ يريدون الخروج على ولاة الأمور. فهذا تفرق من هذه الجماعة يحصل حينما ماذا؟ حينما يكثر الجهل في واقع الناس، والناس ربما ما يدركون ذلك. قالوا: «مِنْهَا حَدِيثٌ ثُرِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُكَذَّبُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ لِلْمَعْرِفَةِ». اسمعوا: الجاهل بالحديث فيصدقوا بها لموافقة ظنه وهواه. وأضل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال تعالى في حق من ذمهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. وقال في حق نبيه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. فنزه عن الضلال والغواية، اللذين هما الجهل والظلم. فالضال الذي لا يعلم الحق، والغاوي الذي يتبع هواه، الذي يتبع هواه، هذا غاوي. والضال هو الذي لا يعلم الحق ولا يهتدي إليه. قالوا: «أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، عَنِ هَوَى النَّفْسِ، فَالْوَحْي وَحْيٌ نُوحِيَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَوَصَفَهُ بِالْعِلْمِ وَنَزَّهَهُ عَنِ الْهَوَى». نزه رسوله عليه الصلاة والسلام عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ﴿مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. قال: «وَأَنَا أَذْكُرُ جَوَامِعَ مِنْ أُصُولِ الْبَاطِلِ الَّتِي ابْتَدَعَهَا طَوَائِفُ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ لِلْسُّنَّةِ، وَقَدْ مَرَقَ مِنْهَا، وَصَارَ مِنْ أَكَابِرِ الضَّالِّينَ». وهي فصول. سيدخل رحمه الله تعالى في فصل جديد، يبين هذه الطوائف المبتدعة التي تنتسب للسنة زعمًا منها، ولكن عندها عظائم، وعندها كبائر، صارت بها من ماذا؟ من أهل الضلال، والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. الحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أننا...