التعليق على كتاب الوصية الصغرى 9

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أفضل الذكر وأسباب الرزق: العلم والاستخارة والدعاء والتوكل

يبيّن المقطع أن ذكر الله يشمل طلب العلم النافع وتعليمه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع اعتبار مجالس العلم من أفضل الذكر. كما يشرح كيفية صلاة الاستخارة ودعاءها، وأهمية الإكثار من الدعاء مع التوكل على الله وحسن الظن به كأرجح المكاسب.

مشروعية الكسب بالعمل والتجارة مع التوكل على الله

يؤكد المقطع أن التوكل على الله لا ينافي السعي بالأسباب والعمل باليد، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأفعال الصحابة. ويبين أن الشرع حث على الكسب المشروع في البر والبحر، وأن أفضل الكسب ما كان من عمل اليد مع قوة التوكل.

فضل الكسب من عمل اليد وسيرة الأنبياء والصحابة

يبرز المقطع فضيلة الكسب من عمل اليد والتجارة مستدلاً بعمل الأنبياء كداود ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وسيرة الصحابة كأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وعمر رضي الله عنهم. ويذكر أحاديث تحث على الاكتساب باليد وتذم السؤال، مختتماً بطرح مسألة أفضل المكاسب: الزراعة، التجارة، أم الصناعة.

خاتمة الفيديو ودعاء التوفيق للمشاهدين

يختتم المتحدث المقطع بالدعاء لله بالتوفيق والسداد، ويحمد الله على ما تم بيانه. ثم يشكر المشاهدين على المتابعة وحسن الاستماع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فهو من ذكر الله. ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها، فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله. أيضًا يدخل في الذكر مجالس العلم؛ لأن بها تحيى القلوب ويذكرون الله عز وجل. وما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله تعالى فيه إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده. فهذا أيضًا من ذكر الله عز وجل. وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف. يعني الأولون كلهم يرشدون إلى هذا: إلى ذكر الله عز وجل باللسان، وكذلك بالقلب، أي حضور القلب عند ذكر اللسان. ولم يختلفوا أن العلم النافع أيضًا من أفضل الأعمال. قال: وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة، فما ندم من استخار الله تعالى. وليكثر من ذلك ومن الدعاء؛ فإنه مفتاح كل خير. إذن عليك بالاستخارة في أمورك المشروعة. وقد جاءت الاستخارة في حديث جابر بن عبد الله كما عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمهم الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن. فإذا أراد أحد الاستخارة فعليه أن يتوضأ ويصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعو الله عز وجل بقوله: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كان هذا الأمر» - ثم تسمي هذا الأمر الذي تستخير الله عز وجل فيه - «خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كان هذا الأمر» - وتسميه - «شرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به». هذا دعاء الاستخارة، دعاء عظيم. ما ندم من استخار الله تعالى كما قال رحمه الله تعالى، ويشرح الله عز وجل صدره. فيكثر من الدعاء في أموره؛ فإن الدعاء مفتاح كل خير. قال: ولا يعجل، لا يستعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا أحدكم فلا يعجل». كيف يعجل؟ يقول: «يقول: دعوت فلم يستجب لي». فالإنسان يدعو، فإن الله لا مكره له، ولا مستكره له. يدعو الله سبحانه وتعالى، ولعل الله عز وجل يؤخر لك الإجابة إلى يوم القيامة. وهذا كما قال العلماء أفضل: أن ترى استجابة الدعاء يوم القيامة، يصرف الله عز وجل عنك بدعائك النار، ويدخلك الجنة. فلا تعجل. فإذا هناك أمور في الدعاء بينها النبي صلى الله عليه وسلم: فإما أن يستجيب الله لك بدعائك، وإما أن يدفع عنك من البلاء والشر ما هو نازل بك فيرفعه بدعائك، وإما أن يدخر لك دعائك إلى يوم القيامة، وهذا أفضل. قال: ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي. وليتحرَ أوقات الإجابة الفاضلة: كآخر الليل، وأدبار الصلوات، وعند الأذان، ووقت نزول المطر، ونحو ذلك. يعني الداعي الذي يدعو الله عز وجل عليه أن يتحرى أوقات الإجابة، مثل السحر، الثلث الأخير من الليل، كما في حديث أبي هريرة: «ينزل الله عز وجل في الثلث الآخر من الليل فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟» حتى طلوع الفجر. هذا من أوقات الإجابة، فيدعو المسلم بما يحب من خير الدنيا والآخرة في مثل هذا الوقت المبارك. وأيضًا أدبار الصلوات، وعند الأذان، يعني عندما يؤذن المؤذن، وبين الأذان والإقامة؛ فإن الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». لا يرد. وهكذا غيرها من الأوقات الفاضلة يستغلها العبد. هناك ساعة آخر الجمعة، لا يسأل الله عز وجل عبدٌ إلا أعطاه ما سأل. ساعة آخر الجمعة يعني من العصر. ثم قال رحمه الله بعدما انتهى من هذا ما ذكره السائل في الوصية: أراد من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يبين له أرجح المكاسب، بماذا يتكسب ويعمل بيديه. قال: وأما أرجح المكاسب فالتوكل على الله، والثقة بكفايته، وحسن الظن به. هذا أرجح ما يكسبه العبد: أن يتوكل على الله، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». فالتوكل عبادة قلبية، وهو تفويض الأمور إلى الله عز وجل في أنه لا يجلب النفع أو يدفع الضر إلا الله تبارك وتعالى. هذا التوكل عبادة، فمن صرفه لغير الله عز وجل فقد أشرك شركًا أكبر، شركًا أكبر؛ لأن هذا الأمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا فوّض العبد أموره كلها لله سبحانه وتعالى وتوكل عليه حق توكله. ولهذا قرن التوكل بالإيمان: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. إن كنتم مؤمنين توكلوا على الله عز وجل. فهذا من أرجح ما يكسبه العبد. ولهذا كان أنبياء الله عز وجل وعليهم الصلاة والسلام كانوا يتوكلون على الله عز وجل في شؤونهم وأمورهم، فيرزقهم الله عز وجل من حيث لا يحتسبون. وهكذا الصالحون والمتوكلون يتوكلون على الله، فيرزقهم الله عز وجل كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. من يتوكل على الله حسبه، يعني كافيه سبحانه وتعالى من كل شيء. هذا التوكل الذي يكون في القلب، التوكل الحقيقي، الذي يعلم فيه العبد أنه لا رازق إلا الله سبحانه وتعالى، لا يرزقه أحد من الخلق، ولا يطمع في قلبه أن يناله شيء من الخلق، فإن الله سبحانه وتعالى يسر له أمور دنياه. قال: وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه، كما قال سبحانه فيما يؤثر عن نبيه - أو عنه نبيه صلى الله عليه وسلم -: «يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمتم، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم». وهذا الحديث رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه، هو حديث قدسي: «كلكم جائع إلا من أطعمتم، أطلبوا مني الطعام فسأطعمكم». وهكذا إذا أردتم الكساء، أطلبوه من الله عز وجل فيكسوكم. قال: وفيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شسع نعله إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر». وهذا الحديث كما قال المعلق وأشار إليه أنه حديث ضعيف من طريق قطن البصري. قال: «أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس». قال الترمذي: «هذا حديث غريب، والعلّة فيه قطن بن نسير». قال أبو زرعة: «روى أحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس وهو مما أنكر عليه». وقال ابن عدي: «كان يسرق الحديث ويوصله». وضعف الحديث العلامة الألباني في «الضعيفة». طيب، هذه المسألة مهمة، وهي مسألة أرجح المكاسب. ذكر رحمه الله أنه التوكل على الله عز وجل، وهذا مما لا خلاف فيه: أن من قوي توكله على الله سبحانه وتعالى فإن هذا من أفضل الكسب، بحيث يجلس يتوكل على الله سبحانه وتعالى فيسر له الله عز وجل. بقي عمل اليد، عمل اليد ما ينافي التوكل، يعني العمل بالأسباب: أنه يعمل ويشتغل بيديه. وقد جاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على العمل والحث عليه والترغيب فيه، وأن من عمل بيديه فهو أفضل ممن لم يعمل بيديه. آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل فيها ذكر التجارة، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 11]. انظر إلى هاتين الآيتين، فيهما ذكر التجارة، أن الله عز وجل أذن لعباده على أنهم إذا قضوا عبادتهم وصلاتهم وما افترضه عليهم، لا جناح ولا بأس عليهم أنهم يتجرون ويشتغلون ويتكسبون ويعملون. وهذا مما حفّ عليه شرعنا. فإذن هذه الآية فيها دليل لهذا. استدل بها البخاري رحمه الله تعالى في كتاب البيوع، وذكر هذه الآية في مقدمة الباب، فقال: «باب قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾» إلى آخر الآيتين. ثم ذكر عدة أدلة تؤيد هذا المعنى. منها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، أكثر أبو هريرة يعني من الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وإن إخواني المهاجرين والأنصار ألهاهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطن». إذن أبو هريرة كان لوحده، ما كانت معه عائلة، ما كانت معه عائلة أي من زوجة وأولاد، كان يلزم النبي عليه الصلاة والسلام على فغره. وأما المهاجرون والأنصار، قال: «ألهاهم الصفق بالأسواق». ومعنى «ألهاهم» هنا: الشغل، أي كانوا يتجرون، فكانوا يذهبون إلى السوق. وذكر أيضًا حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تأثموا في ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]». قرأ ابن عباس: «في مواسم الحج». في مواسم الحج. قرأها ابن عباس، وعدها العلماء من الشواهد، وإن كان الإسناد صحيحًا. الشاهد من هذا الدليل أن المسلمين تحرجوا، وكأنهم رأوا أن إثمًا أنهم يتاجرون في الإسلام كما كانوا في الجاهلية يتاجرون في تلك الأسواق: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز. فأنزل الله هذا، لا يعني رفع الجناح وأنه لا إثم في التجارة. قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ﴾ [البقرة: 198]. يعني كانوا يتاجرون في الحج، فلما جاء الإسلام تأثموا، فأنزل الله هذه الآية: أي لا بأس ولا جناح عليكم أن تتاجروا ولو في مواسم الحج. حجوا وتاجروا، حجوا واعملوا واشتغلوا، اقضوا العبادات وتاجروا في أوقات غير ما فيها فرائض ولا عبادات. فلا يجوز المسلم هكذا سبهللا، لا بدون عمل، بل ينبغي عليه أن يكتسب من عمل يده. وهكذا قال قتادة رحمه الله تعالى: قال كان القوم يتجرون، يعني يقصد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: «كان القوم يتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله عز وجل لم يكونوا من أولئك الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37]». يعني لم تلههم التجارة ولا البيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فهم رجال يعملون بأيديهم ويستغلون، فإذا جاء حق الله أدوه، أدوه على أكمل وجه. جاءت الصلاة قاموا بالصلاة، جاءت الزكاة أدوا الزكاة، جاء الصيام قاموا بالصيام، جاء الحج أدوا الحج. فهم يعملون بأيديهم مع أداء الفرائض: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾. يتاجرون لكن ما تلهيهم التجارة عن أداء حقوق الله عز وجل التي افترضها عليهم. فهذا وصف من أوصاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب التجارة في البز وغيره». التجارة في البز، البز معروف: الثياب. كان الصحابة يتاجرون أيضًا في البز. ثم ذكر حديث المنهال رحمه الله أنه قال: «سألتُ - سألتُ زيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، أو البراء بن عازب، وزيد بن أرقم - عن الصرف، فقالوا: لا، كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف، فقال: لا بأس إذا كان يدًا بيد، أما إذا كان غير ذلك فلا يصلح». الشاهد من هذا الحديث الذي ذكره البخاري في الباب أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا تاجرين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يتجران في بعض الأمور من البز أو من الصرف، يتصارفان. وهكذا غيرها من التجارات. وكذلك أيضًا ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى: «باب التجارة في البحر». أيضًا يجوز أن يتاجر الإنسان في البحر، يذهب في البحر ويشتغل في البحر. ذكر حديث أبي هريرة أن رجلًا كان ممن كان قبلنا خرج في البحر، والقصة طويلة، وفيها تلك أيضًا. ذكره في باب الوكالة، أنه يعني خرج هذا، وبعد ذلك استلف ألف دينار من رجل إلى آخر، قصة. الشاهد من هذا أنها تجوز التجارة كذلك في البحر. وهكذا أيضًا بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابًا فقال: «باب كسب الرجل من عمل يده». كسب الرجل من عمل يده، وأنه هذا أفضل. ذكر حديث المقدام رضي الله تعالى عنه، وليس له في البخاري إلا حديثان، هذا الحديث أحدها، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد قط خيرًا من عمل يده، وإن داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». وذكر بعده حديث بوريرة في قصة داود، أنه كان يأكل من عمل يده، ما يأكل إلا من عمل يده. إذن كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام منهم داود، وزكريا كان نجارًا، ونبينا صلى الله عليه وسلم رعى الغنم على قراريط لأهل مكة، وأيضًا رهن درعه، وكان يبيع ويشتري. دل على جواز التجارة وأنها مباحة ولا جناح في ذلك. وهؤلاء هم القدوة، وهؤلاء هم الأسوة، عليهم الصلاة والسلام. فما أكل أحد قط خيرًا من عمل يده. وقال عليه الصلاة والسلام: «من بات كالًا من عمل يده بات مغفورًا له». إذن يحصل على أجر المغفرة من الله سبحانه وتعالى من يستغل بيده ويتكسب لعياله. حتى خليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ماذا قالت عائشة عنه رضي الله تعالى عنها؟ قالت: قال أبو بكر لما ولي أمر المسلمين: «لقد علم قومي أن مهنتي أو حرفتي لا تعجز عن مؤنة أهلي، وإني شغلت بهذا الأمر فسأحترف للمسلمين». سأحترف للمسلمين. أبو بكر كان يتاجر، كان تاجرًا قبل أن يتولى الخلافة. علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، أي أنه كان تاجرًا وكانت تجارته رابحة، وكانت لا تعجز عن أداء حقوق أهله، فكان يتكسب لعياله ولأهله. ولما جاء، خرج إلى السوق، لقيه عمر وبعض الصحابة، فقالوا له: «ما هذا يا خليفة المسلمين؟» يعني عندك أمر عظيم، مثل الآن خليفة المسلمين. قال: «لقد شغلت بالعيال». قالوا: «نفرض لك من بيت المال». فاتفق الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أن يأخذ أبو بكر من بيت مال المسلمين مقابل أنه ينشغل بهم، يعني أن يتولى قضاياهم وأمورهم، ويأخذ من بيت المال لعياله وأهله. وإلا فأن أبو بكر ذهب إلى السوق مثل غيره. عبد الرحمن بن عوف لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، والقصة من حديث أنس متفق عليه، ماذا قال له سعد بن الربيع؟ قال: «هذا نصف مالي خذوه، وهذه إحدى زوجاتي أطلقها لك وتزوجها بعد ذلك إذا انقضت عدتها». قال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق». عبد الرحمن بن عوف قال: «دلوني على السوق». قال: فذهب، فاتجر، فربح، ثم تزوج. هكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتاجرون. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، والحديث في البخاري: «كان القوم يتجرون حتى يكون لهم رواح، فقيل لهم: لو اغتسلتم». يعني في النهار كله إذا عملوا بأيديهم حتى يطلع العرق، فتطلع الريح منهم، فيأتون إلى المسجد والريح فيهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم، أي بعد العمل. فإذا عمل الإنسان وطلع منه شيء من تلك الروائح، فعليه أنه يغتسل إذا جاء إلى المسجد حتى لا يؤذي المصلين. الشاهد من هذا أنها قالت: «كان القوم يتجرون». كان القوم، من هم القوم؟ صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذكر ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» أن سلمان رضي الله تعالى عنه كان يعمل الخوص، كان يشتغل في الخوص. إذا الصحابة تعددت أعمالهم: فمنهم من كان يشتغل في الزراعة، ومنهم من كان يشتغل في الصرف، ومنهم من كان يشتغل في البز، ومنهم من كان يبيع ويشتري في سائر المعاشات. حتى ابن عمر كان يبيع ويشتري في الإبل. وهكذا أيضًا سلمان في القوص، وغيرهم من الصحابة. لو فتشنا لوجدنا خيرًا كثيرًا من ذلك، أنهم ما كانوا يجلسون. عمر وهو الخليفة الثاني، كذلك لما شغل بالتجارة ذهل عن بعض حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قصة الاستئذان، وذكرها الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ذكر هذه القصة الإمام البخاري: أن أبا موسى جاء يستأذن على عمر، فما أذن له، واستأذن ثلاثًا فرجع، إلى أن قال: «حد في ظهرك، وإلا تأتيني ببينة». فلما جاء بالبينة بعد ذلك وهو أبو سعيد، وذكر له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الاستئذان ثلاث»، قال: «الله المستعان، لقد شغلني - أو قال: ألهاني - الصفق بالأسواق». الله المستعان، يعني عمر يقول: ألهاني الصفق بالأسواق، أنا أذهب للتجارة. وهؤلاء يسمعون الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يترك أصل الملازمة، وهو من الملازمين، لكن أحيانًا ما يجلس ويترك عياله بدون قوت، بل يخرج رضي الله عنه وأرضاه إلى السوق ويشتغل ويأتي، ويتكسب لعياله. فإن هؤلاء من هذه الأدلة المتكاثرة التي فيها عمل أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك عمر والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وغيرهم ممن يسمى بالزيات، وممن يسمى بالسمان، ومن يسمى بالخياط، ومن يسمى بالخباز، من السلف الصالح ممن ذكروا من المحدثين أنهم كانوا يعملون. وما عاب أحد عليهم العمل والشغل، بل الذي يجلس بدون عمل وشغل هو المذموم عندهم. فكما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إني لأبغض الرجل أراه ليس في عمل دنيا ولا في عمل آخرة». لاهٍ في عبادة وعلم وتعليم، ولاهٍ في كذلك ماذا؟ يشتغل لعياله ويتكسب لهم، عن ذل السؤال. لأن هذا فيه إعزاز للنفس، العمل فيه إعزاز للنفس عن ذل السؤال. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يأخذ أحدكم حبله» - حديث الزبير - «فيذهب فيحتطب ثم يبيعه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». والله لتذهب إلى الجبل وتأخذ لك حزمة حطب وتبيعها في السوق، خير لك من أن تقول: «أعطوني»، تقول: «ماذا؟ أنا فقير، أنا كذا»، وأنت قادر على العمل وأنت قادر على الشغل. فلا يذم العمل إلا إذا كان فيه تفريط وفيه تضييع لحقوق الله وحقوق العباد. ينبغي علينا الانتباه لمثل هذه الأدلة الكثيرة. وبقيت المسألة المهمة في هذا الباب التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهي أفضل المكاسب. المكاسب ثلاثة: إما أن تكون زراعة، وإما أن تكون تجارة، أو تكون صناعة باليد. هذه ثلاثة أمور ذكرها العلماء. فأيهما أفضل؟ هل الزراعة أم التجارة أم الصناعة باليد؟ هذه فيها خلاف بين أهل العلم في أرجحها وأطيبها وأفضلها. إن شاء الله تعالى تأخذ في الدرس القادم. نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. والحمد لله. شكراً للمشاهدة.