الدرس في أسباب الفتور وعلاجه 2، وكان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر شوال 1431هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الوقت هو رأس مال المسلم الحقيقي وأغلى ما يملك، مستدلاً بآيات وأحاديث تحذر من الحساب عن العمر والشباب. ويؤكد على خطورة الفتور وإضاعة الأوقات فيما لا ينفع.
يسلط الضوء على وصية النبي ﷺ بالحرص على ما ينفع في الدين والدنيا، وينقل عن السلف الصالح اعتبار إضاعة الوقت علامة على المقت والغبن. ويستشهد بحديث الصحيحين عن نعمتي الصحة والفراغ اللتين يغبن فيهما كثير من الناس.
يحذر من الغبن في نعمة الفراغ والصحة، ويؤكد على طالب العلم ضرورة استغلال كل دقيقة في الحفظ والمراجعة وإتقان القرآن والسنة. ويبين أن العلم لا يُنال إلا ببذل الوسع والمداومة مستدلاً بوصية النبي ﷺ بتعاهد القرآن.
يؤكد على ضرورة مراجعة العلم ومذاكرته بشكل دوري لترسيخه وإتقانه. ويختتم المحاضرة بالدعاء إلى الله بالتوفيق لكل خير والحمد له رب العالمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم في يوم أمس الكلام على الفتور، وما ينتج عنه، وكيف العلاج. ومما أيضًا يضاف في ذلك الموضوع: أن مما ينتج عن الفتور، عن هذا الداء العضال، إضاعة الوقت فيما لا ينفع. فهذه ظاهرة وعلامة واضحة لمن هو مصاب بهذا الداء؛ تجده مضيعًا لوقته، وتجده كذلك عدم الحرص على الوقت من أبرز صفاته. وعلاج ذلك: أن يعلم المؤمن أهمية الوقت في حياة المسلم، وأن هذا الوقت وهذا الزمن هو رأس ماله، وهو أنفس ما يملك. فإن الوقت أنفس وأغلى من الذهب والفضة، ومن الجواهر الكريمة، ومن كذلك الأحجار النفيسة. فأهمية الوقت تتجلى في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن ربنا سبحانه وتعالى قد ذكر لنا في كتابه حسرات المضيعين لأوقاتهم. قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. ماذا يريد؟ يريد أن يستغل وقته فيما ينفع، يريد أن يعمر هذا الوقت بالأعمال الصالحة. قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. وهكذا أهل النار يتندمون على إضاعتهم لأوقاتهم في هذه الحياة: ﴿أَوَلَمْ نُمَعِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 37]. وهكذا مما يدل على أهمية الوقت: أن الله عز وجل قد أقسم بأجزاء كثيرة منه في كتابه. والله سبحانه وتعالى إذ يقسم بشيء، إنما يقسم به ليبين أهميته، وليبين علو قدر ذلكم المقسم به. فقد أقسم الله سبحانه وتعالى بأجزاء كثيرة من ذلكم الوقت: بالليل، وبالنهار، وبالعصر، وبالضحى، وبالضحى، وغير ذلك مما يدل على أهمية ذلكم الوقت. فينبغي عليك أيها المسلم أن تستغل وقتك فيما يعود عليك بالنفع، فيما يعود عليك بالنفع. فإنك ستسأل عن هذا الوقت؛ أي لحظة وأي كذلك ثانية تقضيها في هذه الحياة ستسأل عنها. جاء عند البزار، وعند الترمذي، من حديث أبي برزة، ومن حديث معاذ، ومن حديث ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». فأنت تسأل عن هذا العمر عامة، وعن مرحلة الشباب خاصة؛ لأن هذه المرحلة وإن كانت من العمر، وإنما خصت بالذكر بعد ذكر العمر لأهمية هذه المرحلة. فهي مرحلة القوة، ومرحلة الاندفاع، ومرحلة الفتوة، فخصت بالذكر لأن هذه المرحلة تعد من أهم مراحل العمر. فإذا إذا علم المسلم ذلك، هل تطيب نفسه أن يضيع لحظة من عمره في غير ما ينفع؟ لا والله. وهكذا جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك». هكذا يوجهك ويرشدك نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول لك: احرص على ما ينفعك. أي شيء ينفعك في أمر دينك، وهذا الأهم والأعظم الذي ينبغي عليك أن تحرص عليه. وهكذا ما ينفع في أمر الدنيا فاحرص عليه. هذه وصية نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تخيل لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أمامك ويقول لك: احرص على ما ينفعك. فهل تطيب نفسك أن تضيع لحظة من لحظات عمرك في غير ما ينفع؟ لا والله. فهكذا يرشدك نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم: احرص على ما ينفعك. وما هنا من الأسماء الموصولة التي تعم، أي: احرص على كل شيء ينفعك، سواء كان في أمر الدين أو في أمر الدنيا. ولذلك كان السلف يبغضون الرجل البطال الذي هو ليس في عمل دين ولا في عمل دنيا، بل هو في القيل والقال والتسكع في الشوارع والأسواق، وهكذا الكلام فيما لا ينفع في أمر الدنيا، وفي أمور تافهة لا ينتفع بها. فإذا إذا علم المسلم أهمية الوقت، فإنه لن يضيع لحظة واحدة من لحظات عمره من لحظات عمره. وهكذا السلف الصالح قد تكاثرت الآثار عنهم في مدى حرصهم على أوقاتهم. يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «لقد أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دنانيركم ودراهمكم». انظر كيف الإنسان يحرص على أمواله، كيف يحرص على أمواله يحرص عليها حرصًا شديدًا من أن لا تنقص أو تذهب أو تتلف أو يخسر أو إلى غير ذلك. فهكذا كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى، كانوا يحرصون على أوقاتهم أشد من حرص أحدنا على ديناره وعلى درهمه. وهكذا يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ما ندمت على شيء». انظروا إلى محاسبتهم لأنفسهم. قال: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم طلعت شمسه فنقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي». هذا أشد ما كان يندم عليه السلف عندما يأتي اليوم من أعمارهم، فتطلع الشمس وتغيب، ولم يستفيدوا شيئًا في ذلك اليوم من أمر دينهم، من أمر دينهم. وقد قال القائل: «إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى، ولم أستفد علمًا، فما ذاك من عمري». ما كان يحسبون هذا من أعمارهم. إذا مر يوم ولم يحفظ آية، ولم يحفظ حديثًا، ولم يحضر درسًا، ولم كذلك يزدد علمًا وعملًا، فإن هذا اليوم لا يعده من عمره، لا يعده من عمره. مما يدلك على اهتمام السلف بأوقاتهم وحرصهم على أوقاتهم. وقد قيل قديمًا: «إن من علامة المقت إضاعة الوقت، من علامة المقت إضاعة الوقت». إذا رأيت الإنسان يضيع وقته، فعلم أن الله عز وجل لم يرد به خيرًا، وأنه مغبون وخاسر. كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». الصحة والفراغ. وهذا الحديث يعد علمًا من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن كثيرًا من الناس قد غبن في أوقاتهم لما ترى من إضاعتهم لها. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. وأصل الغبن هو الغبن في البيع والشراء؛ بأن تشتري السلعة بثمن وتبيعها بأقل مما اشتريت، أو أن تشتري السلعة بأكثر مما تستحق. فهذا الغبن يكون في البيع، ثم نقل إلى هذا الأمر المعنوي، ألا وهو الفراغ والوقت واستغلال الوقت فيما ينفع. فإن الإنسان الذي يمر عليه الفراغ ولم يستغله فيما ينفع في طاعة الله عز وجل، فهذا الإنسان مغبون، هذا الإنسان مغبون قد غبن وخسر والعياذ بالله. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، الصحة والفراغ. فينبغي علينا، خصوصًا معاشر طلبة العلم، أن نستغل أوقاتنا، وأن نبتعد عن مجالس القيل والقال، وعن كذلك الأعمال التي لم تصل أو لم تتصل بطلب العلم، لم تتصل بطلب العلم؛ سواء أكان الجلوس على الدكك، أو كذلك كثرة الخروج إلى الأسواق، أو إلى أماكن اللهو واللعب من سواحل البحر وغيره. فطالب العلم هذه فرصة، وفقه الله عز وجل أن يجلس في مركز من مراكز أهل السنة والجماعة، فليحمد الله عز وجل، وليشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. ومن شكره لهذه النعمة أن يستغل وقته؛ فإن عنده مشاريع كثيرة علمية، سواء كان في حفظه للقرآن. وإذا حفظ القرآن فهو بحاجة إلى إتقان القرآن. إذا سئلت أيها طالب العلم: هل أتقنت حفظ القرآن؟ هل أتقنت حفظ السنة؟ هل قرأت تفسير كتاب الله؟ هل قرأت شروح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ هل راجعت دروسك التي درستها وهل أتقنتها؟ كل ذلك يحتاج منك إلى وقت، يحتاج منك إلى جهد. فإن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه. فينبغي على طالب العلم أن يحرص على وقته، أن يحرص على وقته، ولا يقول طالب العلم: أنا ما أجد الدروس، أو أنا قد درست هذه الدروس. يا أخي، طلب العلم ليس مقتصرًا على أن تجلس درسًا فحسب، بل طلب العلم هو مراجعة ومذاكرة وكتابة، وهكذا حفظ. كل ذلك من وسائل طلب العلم، ومن الوصول إلى الدرجات العلا في طلب العلم. فهل أنت قد قمت بهذه الوسائل حتى تتعذر بتلكم الأعذار؟ ينبغي على طالب العلم أن يستغل وقته، فهو بحاجة ماسة إلى الدقيقة الواحدة أن يقرأ فيها آية، أو أن يقرأ فيها حديثًا، أو أن يحفظ فيها آية، أو أن يحفظ فيها حديثًا، أو أن يراجع فيها درسًا. فينبغي على طالب العلم أن يحرص على وقته، وأن يكون دائمًا مشتغلًا بدروسه، وبإحكام تلك المعلومات التي حفظها، أن يرسخها في ذهنه، ولا يكون ذلك إلا بكثرة المذاكرة وكثرة المراجعة. يقول أحد العلماء: «حياة العلم مذاكرته». إذا أردت أن العلم يحيى في قلبك وأن لا تنساه، فعليك بكثرة المراجعة وكثرة تكرار المعلومات. وقد نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حفظ القرآن، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها». هذا في القرآن، أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نتعاهده، أي أن نكثر من مراجعته ومن قراءته. وهذا القرآن قد قال الله عز وجل في شأنه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. ومع هذا أمرت أيها العبد المسلم، يا طالب العلم، أن تتعاهد القرآن، فما بالك بغيره من العلوم التي قد حفظتها من علوم السنة، ومن علوم الآلة، ومن غيرها من العلوم؟ فهي أجدر بأن تراجعها، وأن كذلك تتعاهدها بين الفترة والأخرى بالمراجعة والمذاكرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى كل خير، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.