الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 88، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الإسلام العام يشمل كل ما جاء به الأنبياء، بينما الإسلام الخاص يشير إلى شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي نسخت الشرائع السابقة. يجب اتباع شريعة النبي محمد والإيمان برسالة الإسلام النهائية.
رسالة النبي محمد عامة للناس جميعًا وتعتبر الدين النهائي والناسخ للشرائع السابقة. من لم يؤمن به لا يعتبر مسلمًا أو مؤمنًا، وقد أخذ الأنبياء السابقون العهد على أقوامهم لاتباعه.
الإسلام بالمعنى العام يشمل كل شريعة سماوية، لكن بعد بعثة النبي محمد، أصبح الإسلام محصورًا بما جاء به. كما تطورات أحكام مثل الزنا، حيث نسخت الأحكام السابقة لتصبح وفق الشريعة الإسلامية.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، الذي بين فيه رحمه الله أن الشرع هو الذي جاءت به الرسل من عباد الله تعالى وحده، وأن هذا هو الإسلام الذي دعا إليه جميع الرسل، وأن الله جل وعلا لا يقبل دينًا إلا بهذا الإسلام. وبينا أن هذا هو الإسلام بالمعنى العام، وهو الذي دعا إليه موسى وعيسى ونوح وإبراهيم وجميع الرسل. قال رحمه الله: «وأما الإسلام بالمعنى الخاص، فيختص بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم». قال الله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. وقال في أمته: «هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم». هذا الإسلام هو الإسلام الخاص، هو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي لا بد من تصديقه والإقرار به والدخول فيه. فالإسلام السابق كان مقبولًا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الإسلام لا يقبل إلا بالإتيان بهذا الإسلام الخاص والتصديق بهذا الرسول عليه الصلاة والسلام. لأن الشرائع السابقة أخذ فيها الأنبياء العهود والمواثيق من أقوامهم. الله جل وعلا أخذ العهد والمِيثاق من الأنبياء أن يصدقوا برسالة النبي الذي يأتي بعدهم. وقد جاء عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن الله جل وعلا أخذ المواثيق على الأنبياء: «ما من نبي إلا أخذ الله جل وعلا منه العهد والميثاق أنه إذا بعث بعده نبي أن يصدق به، وأن يقر به، وأن يؤمن به». وشهد الأنبياء بذلك لله جل وعلا، كما ذكر مؤلفنا رحمه الله تعالى. قوله جل وعلا: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. عهد وميثاق أخذه الله جل وعلا من أنبيائه أن يصدقوا بكل نبي يأتي بعدهم. والأنبياء أخذوا العهود والمواثيق من أقوامهم أنه إذا بعث رسول بعدهم أن يصدقوا به. فموسى أخذ العهد على بني إسرائيل أنه إذا بعث بعده نبي أن يصدقه وأن يؤمنوا به. ولذلك عيسى عليه الصلاة والسلام كان مصدقًا لما بين يديه من التوراة، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة﴾. ففي التوراة الأمر باتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، وفي الإنجيل الأمر باتباع محمد عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال: ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾. فلما جاءهم بالبينات قالوا: «هذا سحر مبين». فعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقول لقومه بني إسرائيل: إنه بعث تصديقًا لما جاء في التوراة، وهو يبين لقومه ويأخذ منهم العهد والميثاق على الإقرار برسالة أحمد، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، ومن أسماء أحمد. فهذا يدلنا على أن كل نبي يأخذ العهد والميثاق من قومه على التصديق برسالة النبي الذي يأتي بعده. لأن هذا العهد وهذا الميثاق قد أخذه الله جل وعلا على الأنبياء، وأمر الأنبياء أن يأخذوا العهد والميثاق من أقوامهم على هذا. ولذلك جاء في كتاب الله جل وعلا الإخبار بأن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ذكرت في التوراة وفي الإنجيل. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾. فهذا إخبار في كتاب الله جل وعلا بأن النبي عليه الصلاة والسلام، شريعته قد ذكرت في التوراة، وقد ذكرت كذلك في الإنجيل، وأمراء اليهود والنصارى باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك جاء في البخاري وغيره، عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لما سئل هل ذكر وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال: نعم». رضي الله تعالى عنهما، قال: «هذه الآية التي في كتاب الله جل وعلا: ﴿إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ مثلها في التوراة: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به قلوبًا غلفًا وآذانًا صمًا وأعينًا عمًى﴾. فخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام: أن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام ذكرت في التوراة والإنجيل، وأمر بها اليهود والنصارى. ولذلك لا تنفع شريعة إلا باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث. فإذا بقي أولئك على شريعتهم بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها شريعة ملغاة، وشريعة منسوخة. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في مسلم: «من حديث أبي هريرة: والذي نفسي بيده، ما يسمع بي أحد من هذه الأمة، من يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار». لأنه لا بد من الإيمان برسالة النبي عليه الصلاة والسلام. بل قال عليه الصلاة والسلام: «لما رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صحيفة من التوراة، قال: أم تهوكون يا ابن الخطاب؟ والله لو كان موسى حيًا، ما وسعه إلا أن يتبعني». لو كان موسى حيًا، ما وسعه إلا أن يتبعني. ولذلك عيسى عليه الصلاة والسلام يخرج آخر الزمان، يخرج تابعًا لرسالة النبي عليه السلام. ولذلك لا يتقدم إلى الصلاة، وإنما يصلي المهدي بالناس، وعيسى خلفه. وهذا بيان بأن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يخرج في آخر الزمان نبيًا ورسولًا، يعني بشريعة يدعو الناس إليها. لأن شريعته قد انتهت التي دعا إليها، وإنما يخرج لأمر قضاه الله جل وعلا، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا النبي عليه الصلاة والسلام، وشريعة النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بها في الشرائع السابقة. والإسلام الذي بعثنا به هو الإسلام الخاص، الذي لا بد من الإقرار به. لماذا؟ لأن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام للناس كافة، كما قال جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾. وكما قال جل وعلا آمرًا النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾. فالرسول بعث إلى الجميع، إلى الإنس والجن، إلى الأحمر والأسود، كما جاء في صحيح الجابر، عن ابن عباس: كذلك فيما فضل به النبي عليه الصلاة والسلام على غيره من الأنبياء، ذكر منها: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث إلى الناس كافة». وجاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت إلى الأحمر والأسود». والمعنى كما جاء عن بعض السلف: «أي إلى الإنس والجن، والعرب والعجم». فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام بعث عامة. ولذلك هو الإسلام الخاص الذي لا بد من الإتيان به. والنجاشي رضي الله تعالى عنه لما هاجر إليه مهاجرة الحبشة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وجاء بعض كفار قريش في ذلك الزمان، منهم من أسلم رضي الله تعالى عنه. فقالوا للنَّجاشي: «يقولون في عيسى قولًا يخالفونك فيه». فسألهم: «ماذا تقولون في عيسى؟». قالوا: «نقول كما قال الله جل وعلا: عيسى كلمة الله وروح منه، كلمة ألقاها إلى مريم البتول التي لم يمسها بشر». فتناول عودًا من الأرض، وقال: «أيها القسيسون، أيها الرهبان!». فهؤلاء لا يخالفون، ولا في مقدار هذا العود. فالشاهد من هذا: أن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام جاءت مصدقة للشرائع السابقة. والنبي عليه الصلاة والسلام جاء مصدقًا للأنبياء السابقين، كما قال جل وعلا: ﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾. وقال الله جل وعلا، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، في هذه الآية التي ذكرها، وهي قوله جل وعلا: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾. فهو مهيمن بمعنى ناسخ. القرآن ناسخ للكتب السابقة. شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة للشرائع السابقة، وهو مصدق. لأن الأنبياء يصدق بعضهم بعضًا، والرسالات تصدق بعضها بعضًا. كما سمعتم: عيسى يخبر أنه أرسل تصديقًا لما جاء في التوراة. ورسالة الإنجيل مصدقة لبعثة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخبر الله جل وعلا: أن بعثة النبي عليه السلام مصدقة لما جاء في التوراة والإنجيل. ولهذا لا بد من الإسلام الخاص الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام. فمن لم يأت به، فلم يحقق الإسلام. بل لا بد من الإقرار برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «فلا إسلام بعد بعثته إلا باتباعه، بأن دينه مهيم على الأديان كلها، ظاهر عليها». شريعته ناسخة للشرائع السابقة كلها. قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. وقال: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾. هذا يعم الظهور قدرًا وشرعًا. فهذا الدين دين الإسلام، دين ظاهر وعالم على جميع الأديان، قدرًا وشرعًا. قدرًا: لأن هذا وقع، ولابد أن يقع. لابد أن يقع، ووقع. فقد ظهر هذا الدين على سائر الأديان. فبعث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدين العظيم، وهو الإسلام، وانتشر في أنحاء المعمورة. عم المعمورة هذا الدين العظيم. فتح الصحابة الفتوحات العظيمة. دخل الناس في دين الله أفواجًا في هذا الدين العظيم. وما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾. فمن تقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، إلا وبعد أن ظهر هذا الدين ظهورًا قدرًا، وعلى على سائر الأديان. وفتح كنوز قيصر وكسرى، وفتحت البلاد. ودخل الإسلام: «ما من بيت حجر ولا مدر إلا دخله، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر». فدخل هذا الإسلام كل موضع، وظهر. وهذا تصديق لقوله جل وعلا: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾. فظهر هذا الدين، وسيظهر. وإن كان في هذا الوقت ضعف هذا الظهور، لكن العاقبة لهذا الدين في الظهور. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه: في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة». وقال: «لا تقوم الساعة حتى يعلو هذا الدين ويظهر». «ولا تزال طائفة منصورة إلى قيام الساعة». ولا تزال ظاهرة. الظهور إما بالسيف والسنان، وإما بالحجة والبرهان والبيان. والظهور بالحجة والبيان والبرهان في كل زمان لا يتخلف عن الطائفة المنصورة، وعن أهل الحق. فأهل الحق هم أهل الظهور بالحجة والبرهان والبيان في كل زمان، وفي كل مكان. لكن قد يتأخر الظهور بالسيف والسنان، كما هو حاصل الآن. أهل الحق في ضعف. عندهم الحجة. حجتهم قائمة. لا حجة عالية على حجة أهل الحق. حجة أهل السنة ظاهرة، ظهورًا عظيمًا. لكن الظهور بالسيف والسنان والقوة، هذا الآن تأخر. الآن في هذا الوقت تأخر. تكالب أعداء الإسلام على هذا الدين، وتصلطوا عليه. لسبب تفريط أهل الإسلام في دينهم، والاعتزاز بهذا الدين العظيم. لكن الغلبة لهذا الدين، والظهور لهذا الدين. ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين: ﴿إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾. فلا غم على ظهور لهذا الدين. ﴿إن ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾. فهذا الدين أظهره الله جل وعلا قدرًا وشرعًا. وأظهره شرعًا: لأن الله جل وعلا أمر به، أمر بذلك بهذا الإسلام، وأن يعترف به، وأن يقر به، وأن يدعى إليه، وإلى ظهوره. فالدعوة إلى هذا الدين، وإلى ظهوره، قدرًا وشرعًا، وهو حاصل قدرًا وشرعًا. قد وقع، وسيقع متى شاء الله جل وعلا، في ذلك الوقت الذي يرجع فيه أهل الإسلام إلى دينهم، ويتمسكون به تمسكًا عظيمًا. فحين ينصرون دين الله، ينصرهم الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. يومئذ متى هذا؟ في ذلك اليوم الذي يكون فيه أهل الإسلام على تمسك عظيم بدينهم، على قوة عظيمة إيمانية. فحينئذ يتحقق لهم موعودهم الذي وعدهم الله جل وعلا به. إن الله لا يخلف الميعاد. لكن هذا لا بد فيه من الأسباب التي تحقق هذا النصر العظيم، والتمكين لأهل هذا الدين. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من من يدعو إلى ذلك، ويجعل حياته دعوة إلى ذلك الهدف المنشود. قال رحمه الله تعالى: «فمن بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمن به ويتبعه، لم يكن مؤمنًا ولا مسلمًا، بل هو كافر من أهل النار». لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة -يعني أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بي -أو ولم يؤمن بالذي أرسلت به- إلا كان من أصحاب النار». أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة برقم 153 في صحيح الإمام مسلم. وهذا تقدم الكلام فيه. قال رحمه الله تعالى: «وبهذا يعلم أن النزاع فيمن سبق من الأمم: هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟ نزاع لفظي». يعني: هل الأمم السابقة أهلها مسلمون أم لا؟ الخلاف لفظي. لا يترتب عليه شيء من المخالفة. لأن الجميع متفق على أن السابقين إذا دخلوا في دين النبي عليه الصلاة والسلام فهم مسلمون. وإذا ماتوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام فهم مسلمون. فالسابقون مسلمون إذا لم يدركوا بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، مسلمون بالمعنى العام. بل ولأن إسلامهم الذي أقر به منه الإقرار برسالة أي نبي أرسل. فإذا معنى ذلك: أن النبي إذا أرسل فهم سيقرون به؛ لأخذ نبيهم عليهم العهد في ذلك، وقروا له بذلك. فإذا المراد هنا: من قال ليسوا مسلمين، يعني إذا أدركوا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخلوا في دين الإسلام، فهم ليسوا مسلمين. وأما إذا لم يدركوا فهم مسلمون بالمعنى العام، الإسلام العام. ومن أدرك منهم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، فهو مسلم وله أجران، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الذين يؤمنون من أهل الكتاب لهم أجران، آمنوا برسالتهم وآمنوا برسالة النبي عليه الصلاة والسلام». قال رحمه الله تعالى: «وذلك لأن الإسلام بالمعنى العام يتناول كل شريعة قائمة، بعث الله بها نبيًا فيشمل الإسلام كل أمة متبعة لنبيهم، مدة شريعته قائمة غير منسوخة بالاتفاق، كما دلت على ذلك النصوص السابقة». وأما بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإسلام يختص بما جاء به. فمن لم يؤمن به ويتبعه فليس بمسلم. ومن زعم أن مع دين محمد صلى الله عليه وسلم دينًا سواه قائمًا مقبولًا عند الله تعالى، من دين اليهود والنصارى أو غيرهما، فهو مكذب يقول الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. إذا قال أحد اليوم: «دين اليهودية هذا دين صحيح»، أو «دين النصرانية دين صحيح»، هذا كفر، وهذا كفر، وصاحبه كافر إذا لم يكن له عذر في ذلك. فذلك: لأن قوله يضاد قول الله جل وعلا، وهو قوله جل وعلا: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾. هذا يقول: «مقبول». ويضاد قول الله جل وعلا: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وهذا يقول: «لا، اليهودية كذلك دين مقبول». وهذا لم يكفر بالطاغوت الذي يقول: «اليهودية الموجودة اليوم دين صحيح»، و«النصرانية دين صحيح» بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا لم يكفر بالطاغوت. وقد قال جل وعلا: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في مسلم، من حديث طارق بن أشيم رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل». لا بد من قول لا إله إلا الله، والكفر بما يعبد من دون الله. وضمن هذا يدخل الكفر بكل دين خالف دين الإسلام، خالف دين الإسلام. وذلك الآن تسمعون المأذونين في خطبة النكاح يقولون للحاضرين: «نتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام». هذا صحيح. وإن كان أصلًا ما لا داعي له في الخطبة. أصلا ما لا داعي له في الخطبة. لكن صحيح. لا بد من التبرأ من كل دين خالف دين الإسلام. لأن الإنسان دمي يتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام. فليس بمسلم. لأن الإسلام لا يتحقق إلا بالإيمان بالله، والكفر بالطاغوت. والكفر بالطاغوت هو البراءة من هذه الأديان الباطلة. فالذي يقول: «دين صحيح»، «دين يهودية»، أو «دين نصرانية»، أو «دين المجوس». هذا لم يحقق كلمة التوحيد. لأنه لم يتبرأ لم يتبرأ من هذه الأديان المخالفة لدين الإسلام، ولم يكفر بالطاغوت. قال رحمه الله: «إذا كان الإسلام اتباع الشريعة القائمة، فإنه إذا نسخ شيئًا منها، لم يكن المنسوخ دينًا بعد نسخه، ولا اتباعه إسلامًا». فاستقبال بيت المقدس مثلًا كان دينًا وإسلامًا قبل نسخه، ولم يكن دينًا ولا إسلامًا بعده. وزيارة القبور لم تكن دينًا ولا إسلامًا حين النهي عنها، وكانت دينًا وإسلامًا بعد الأمر بها. وهكذا دين اليهودية، ودين النصرانية، كانت دينًا مقبولًا قبل النسخ، قبل أن تنسخ. وقبل بعثة النبي عليه السلام كانت مقبولة. وأما بعد أن نسخت ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنها غير مقبولة. وذكر هنا أمثلة لذلك. مثل استقبال بيت المقدس قبل التوجه إلى البيت الحرام. كانت توجه إلى بيت المقدس. وجاء في بعض نسخ لشيخ الإسلام تيمية: «استقبال الصخرة». وهذا ليس بصحيح. قد علق عليه بعض العلماء: «لا، ليس استقبال الصخرة، صخرة بيت المقدس. لا استقبال بيت المقدس». فرق بين استقبال صخرة وبين استقبال بيت المقدس. الذي كان يستقبل بيت المقدس لا الصخرة. الصخرة هذه فيها خرافات تذكر عندها. ولعله ذهول من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أو أنه عبر بذلك يريد بيت المقدس. فالحاصل: أن الذي كان يستقبل بيت المقدس لا الصخرة. ليست الصخرة، وإنما بيت المقدس. هذا كان دينًا كان دينًا قبل النسخ. لكن لما جاء الأمر باستقبال بيت الحرام، لم يكن ذلك دينًا. استقبال بيت المقدس ما صار دينًا؛ لأنه نسخ. زيارة القبور كانت في أول أمر منهي عنها. نهي عن زيارة القبور. لماذا؟ لأنهم كانت لهم تعلقات بالأوثان، والتوحيد لم يرسخ في قلوبهم. فنهوا في أول أمر عن زيارة القبور. ولما تمكن التوحيد أذن لهم بالزيارة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة». كما جاء في مسلم. فزيارة القبور لم تكن دينًا في أول أمر، ثم كانت دينًا. وهكذا كل ما نسخ من أحكام، كان في أول أمر دينًا. لكن لما نسخ صار ما بعد ذلك ما صار دينًا بعد النسخ. مثلًا: العتيرة. كان في أول أمر الأمر بأنه على كل بيت أضحية وعتيرة. أضحية تذبح في عيد الأضحى، والعتيرة تذبح في رجب. دبيحة تذبح في عيد الأضحى، ودبيحة تذبح في شهر رجب. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «على كل أهل بيت أضحية وعتيرة». لكن نسخت العتيرة. هذه كانت دينًا، ثم لم يكن دينًا؛ لأنها نسخت. وهكذا مثلًا: النساء في أول أمر إذا زنت المرأة تحبس حتى تموت. والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا. والذان يأتيانها منكم فآذوهما. فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما. إن الله كان توابًا رحيمًا. فكان في أول أمر المرأة إذا زنت تحبس حتى تموت. تحبس في البيت حتى تموت. نعم وتؤذى. كذلك تؤذى بالضرب. وكذا. فآذوهما يعني تؤذى بالضرب، وغير ذلك. لا تجلد ولا ترجم. لكن هذا في أول أمر. لكن بعد ذلك نسخت. صار على الزاني، وعلى الزانية إذا زنت، إذا كانت بكرًا جلد مئة ونفثنه. وإذا كانت ثيبًا فإنها ترجم حتى الموت. قد جاء في مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، عن ابن السلم أنه قال: «خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلًا. البكر بالبكر، والثيب بالثيب. البكر جلد مئة ونفثنه، والثيب جلد مئة والرجم». جلد مئة والرجم. وأخذ بهذا بعض العلماء كعلي بن أبي طالب وغيره. فقال: «بحكم المرأة ثيب أنها تجلد مئة وترجم». لكن ذهب جمهور العلماء إلى الاكتفاء بالرجم، وهو الصواب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا، ورجم الغامدية كما في الصحيحين. ولم يجلدهما مئة. فصار هذا كالنسخ لما جاء في هذا الحديث. وهكذا في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «ذلك الرجل على ابنك جلد مئة وتغريب عام». وقال: «يا أُنيس! اغدُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». فإن اعترفت فارجمها. فدل على أن جلد مئة منسوخ، وإنما يكتفى بالرجم في حق الثيب. فأحكام كانت دينًا في أول أمر، ثم نسخت. وهكذا الشرائع السابقة: يهودية والنصرانية، كانت دينًا كانت دينًا مقبولًا. لكن قبل أن تنسخ، قبل أن تنسخ. أما بعد نسخها وبعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنها منسوخة لا تنفع. لا تنفع. فهذا يدلنا على أن من يدعو إلى توحيد الأديان، أو إلى التقريب بين الأديان، يدعو إلى خلط الحق بالباطل. فلا يمكن أن يتحد دين الإسلام مع دين منسوخ، دين منسوخ، دين اليهودية ودين نصرانية، دين منسوخة لا فائدة من العمل بها. وأحكامها قد نسخت، والعمل بها لا ينفع. كيف نوفق بينها وبين دين الإسلام، ونجعل الحكم سواء؟ هذا لا يمكن. بل هذا من المستحيل. لكن هو التقريب والضلالات، ودعاة السوء، ومن الذين يجرون وراء هذا الباطل. نسأل الله جل وعلا أن يطهر مجتمعات المسلمين من هذه الدعوات الباطلة، ومن أدعيائها. صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.