الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 96، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش المؤلف انتقاد تقسيم المتكلمين للتوحيد إلى ثلاثة أنواع وإغفالهم توحيد الألوهية الذي يعتبر محور رسالة الرسل ودعوتهم. يُوضح أهمية توحيد الألوهية في خلق الجن والإنس وإرسال الرسل وأنزل الكتب.
يذكر المؤلف ذم السلف لعلم الكلام ولأهله لكونه مخالفًا للشرع والكتاب والسنة، ويستشهد بأقوال أئمة مثل الشافعي وأحمد وابن تيمية في ذم علم الكلام وتوضيح غلط المتكلمين في تقسيم التوحيد.
يناقش المؤلف قول المتكلمين بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، ويبين احتمال هذا القول للحق والباطل، مع توضيح صحة نفي التجزئة عن الله وبطلان نفي الصفات عنه.
يُشير المؤلف إلى أنه سيأتي ذكر الوجوه الأخرى التي تبين غلط المتكلمين في تقسيم التوحيد والرد عليهم، مع التمهيد لذكر هذه الأوجه في سياق متصل.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال مؤلف كتاب "التقرير عن أقسام التوحيد" رحمه الله تعالى: فصل، وبهذا التقرير عن أقسام التوحيد يتبين غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد، حيث جعلوه ثلاثة أنواع: الأول أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، أو لا بعض له. الثاني أنه واحد في صفاته لا شبيه له. الثالث أنه واحد في أفعاله لا شريك له. وبيان غلطهم من وجوه: أحدها أنهم لم يدخلوا فيه توحيد الألوهية، وهو أن الله تعالى واحد في ألوهيته لا شريك له، فيفرد وحده بالعبادة. مع أن هذا النوع من التوحيد هو الذي من أجله خلق خلق الجن والإنس، لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، ومن أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، لقوله تعالى: ﴿ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، وقوله: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. وقد قام الرسل عليهم الصلاة والسلام بذلك، يدعون قومهم أن يعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، أي ما لكم من معبود حق غير الله. فجميع الآلهة سواه باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. ومن أجله قامت المعارك الكلامية والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم. كما قال الله تعالى: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾، وقال عن قوم هود: ﴿قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهد أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾. وقال في إبراهيم وقومه: ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾. وقال عن المكذبين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وقال وعجب أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدة إن هذا لشيء عجاب﴾. والمهم أن هذا التوحيد الذي هذا شأنه قد أغفله عامة المتكلمين الذين يتكلمون في أنواع التوحيد، وهو أحد وجوه غلطهم في مسمى التوحيد. ثم ذكر بعد ذلك رحمه الله الوجه الثاني والوجه الثالث، بيان غلطهم، والوجه الرابع إلى آخر ذلك. ما ذكر مؤلف كتاب "التقرير عن أقسام التوحيد" رحمه الله في هذا الفصل غلط عامة المتكلمين، وهم أهل الكلام، بعد أن سبق في الفصل السابق أن ذكر التوحيد وأنواع التوحيد التي دلت عليها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. فبين في هذا الفصل غلط عامة المتكلمين في تقسيم التوحيد، وفي فهم التوحيد. فإنهم لم يفهموا التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، والذي لأجله عصمة الأموال والدماء، وقامت المعارك الكلامية بين الرسل وأقوامهم. والمراد بالمتكلمين هم علماء أهل الكلام، وهم كما عرفهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنهم الذين يتكلمون في الدين بغير طريقة المرسلين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أهل الكلام هم الذين يتكلمون في الدين بغير طريقة المرسلين، يعني لا يتكلمون بالأدلة الشرعية وما جاهد به الرسل، ولا يتكلمون بطريقة الرسل، وإنما يقعدون قواعد عند أنفسهم وبعقولهم وما يوافق أهواء أنفسهم". فسموا أهل الكلام بأنهم غير متبعين للشرع، وإنما أهل الكلام وأهل قواعد باطلة قعدوها من عند أنفسهم. ولذلك ذم السلف أهل الكلام، ويدخل في علم الكلام وفي أهل الكلام المعتزلة والأشاعرة والماتريدية. فالمعتزلة أهل الكلام، وتأثر بهم الأشاعرة، وهكذا الماتريدية تأثروا بأهل الكلام وبكتب الفلسفة، تأثروا بكتب اليونان التي ترجمت، فتأثروا بأوضار الفلسفة وأدرانها. ولذلك ذم السلف أهل الكلام وعلم الكلام. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "حكمي في أهل الكلام أن يجلدوا بالجريد والنعم، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام". وهذا حكمه في أهل الكلام الذين أعرضوا عن الكتاب والسنة وأقبلوا على الكلام وعلى عقولهم. قال إمام أحمد رحمه الله: "مرتد أحد الكلام فأفلح، ما أفلح أحد تعلم الكلام". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضا: "فلا للدين نصر ولا لعدوه كسر، بل خالفوا السلف وخالفوا الأمة وخالفوا الشرع والعقل". وقال أبو يوسف القاضي رحمه الله تعالى: "من طلب الدين بالكلام تزندق، أي وصل به الحال إلى الزندقة، من صار يطلب الدين بالكلام وبالعقل وبما تمليه عليه شهوات نفسه". وهذا يدلنا على ذم السلف لعلم الكلام ولأهله. وذكر هنا رحمه الله تعالى في هذا الفصل غلط هؤلاء المتكلمين وعامة المتكلمين في تقسيم التوحيد، وأنهم لم يقسموه على وفق الأدلة الشرعية وعلى ما كان عليه السلف. فبين رحمه الله أنهم جعلوه ثلاثة أنواع: الأول أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، أو لا بعض له. هذه الأنواع التي ذكروها ليس فيها ذكر لتوحيد الألوهية، ولإفراد الله جل وعلا بالعبادة الذي أرسلت به الرسل. فإن قالوا: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، أو لا بعض له، فهذا إن أرادوا أن الله جل وعلا واحد أحد لم يلد ولم يولد، وصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فهذا حق. لكن هل في هذا تحقيق توحيد الألوهية؟ لا، وإنما فيه بيان صفات الرب جل وعلا، وأنه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد، صفات كمال ثابت له، وصفات نقص منزوعة عنه جل وعلا. وإن أرادوا بقولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، أو لا بعض له، نفي صفة العلو، ونفي الصفات الذاتية الثابتة لله جل وعلا، كصفة الوجه وكصفة اليدين، وغيرها من الصفات، فهذا باطل. وكذلك قولهم: إنه واحد في صفاته لا شبيه له، لو أرادوا بهذا إثبات الصفات لله جل وعلا، وأنه متفرد بالصفات صفات الكمال لا شبيه له في صفاته، فهذا معنى حق. لكن لم يكونوا قد قرروا توحيد الألوهية، لأن هذا فيه إنما هو إقرار بصفات رب العالمين جل وعلا، وأنه واحد في صفاته. مع أنهم لم يريدوا ذلك، بقولهم: إنه واحد في الصفات لا شبيه له، يريدون به نفي الصفات عن الله جل وعلا. فإن قولهم: إنه واحد في أفعاله لا شريك له، هذا تقرير لتوحيد الربوبية، لأنه كما تقدم معنا أن توحيد الربوبية هو إفراد الله جل وعلا بأفعاله من ملك وخلق وتدبير ورزق وإحياء وإماتة، إلى غير ذلك من أفعاله جل وعلا. فهذا فيه إقرار بتوحيد الربوبية، وقد أقر به المشركون، وقالوا: الله واحد في أفعاله. هل المشركون يقولون: هناك مع الله أحد يرزق؟ أبدا، هل هناك مع الله أحد يخلق؟ ما قالوا ذلك. إذن هذا قد قرره المشركون، وهل نفعهم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه لم يحقق التوحيد الذي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وخلقت لأجله الخليقة، وعصمت لأجله الأموال والدماء، ألا وهو توحيد الألوهية. إذن خرجنا من هذا بأن هؤلاء المتكلمين وعامة المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية لم يفهموا التوحيد الذي أرسلت به الرسل، وإنما غاية ما قرروه هو ما قرره المشركون، لا خلاف بينهم وبين المشركين فيما قرروه. ثم قال رحمه الله تعالى: الوجه الثاني في بيان غلطهم، قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، إلى آخر ذلك. فيه إجمال، فإن أراد به أن الله تعالى لا يتجزأ ولا يتفرق ولا يكون مركبا من أجزاء، فهذا حق. فإن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وإن أراد به مع ذلك نفي ما وصف به نفسه، كعلوه واستواءه على عرشه، ووجهه ويديه، ونحو ذلك، فهذا باطل. لأن الله تعالى قد أثبت لنفسه من صفات الكمال ما هو أهل له، وتوحيده فيها إثباتها له على الوجه اللائق، بدون تمثيل، لا أن تنفى عنه بنوع من التحريف والتعطيل. ذكر هنا رحمه الله الوجه الثاني في بيان غلط عامة المتكلمين، كما سمعتم. قالوا: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، هذا الكلام كلام مجمل يحتمل حقا أو باطلا. فإن أرادوا بقولهم: الله واحد في ذاته لا قسيم له، بمعنى لا يتجزأ ولا يتبعض، فهذا حق. ولسنا بحاجة إلى أن نقول مثل هذا الكلام أصلا. فإن عندنا قوله جل وعلا: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾، بدلا من أن نقول: الله واحد لا يتجزأ لا يتفرق لا يتبعض، نقول: الله واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، كما جاء في القرآن. لكن لما هم أرادوا غير هذا أصلا، أرادوا نفي التجزئة عن الله، ونفي التقسيم، ونفي التبعض، قالوا هذا: واحد في ذاته، يعني كأنهم يقولون: يا من ستثبت علو الله أو استواءه على عرشه، فكلامك هذا يلزم منه تجزئة الرب جل وعلا، أو تجزئة الرب جل وعلا، أو تبعض الرب جل وعلا، وهذا باطل. لأن إثبات الصفات والعلو والاستواء على العرش هي الصفات تابعة ولازمة لله جل وعلا، فهو مستو على عرشه جل وعلا بذاته وصفاته، مستو على عرشه بذاته وصفاته سبحانه وتعالى. والصفات لازمة للذات، ليست هي منفصلة عن الذات، وباينة عن الذات، لا. ولله المثل الأعلى، كما أن المخلوق له ذات وصفات، وصفاته تابعة لذاته، ولازمة لذاته، فلله المثل الأعلى، له ذات وصفات، وصفاته الذاتية لازمة لذاته سبحانه وتعالى. وعلوه جل وعلا العلو العام، وهو على جميع المخلوقات، وعلوه الخاص، وهو استواءه على العرش، ثابت له سبحانه وتعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل. فقولهم هذا إنما أرادوا به نفي علو الله جل وعلا، ونفي استواءه جل وعلا على عرشه، فقعدوا هذه القاعدة، وأتوا بهذا الكلام. وذكر رحمه الله تعالى أن قولهم هذا فيه إجمال يحتمل حقا ويحتمل الباطل. فالحق كما سمعتم، إذا أرادوا أنه أحد صمد، فهذا حق. وإن أرادوا نفي الصفات كصفة العلو والاستواء على العرش، فهذا باطل. لأن العلو والاستواء على العرش قد ثبت له جل وعلا بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، علو يليق به سبحانه وتعالى. والواجب في التوحيد إثبات ما أثبت الله لنفسه، وأثبت له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تكييف، ومن غير تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل. وليس من التوحيد نفي الصفات عن الله جل وعلا، بل هو خدش في التوحيد. وسيأتي ذكر الوجوه الأخرى التي تبين غلط عامة المتكلمين في تقسيم التوحيد، والرد عليهم في الوجوه التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. صلى الله عليه وسلم، مبارك عن ابن محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.