الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 216، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع الأول شرح حديث نبوي عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يكثر من الدعاء بخير الدنيا والآخرة والنجاة من النار. الحديث رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك.
شرح الدعاء المذكور وتفسيره، حيث يشمل "حسنة الدنيا" نعم الدنيا مثل الصحة والعافية والرزق الطيب، بينما "حسنة الآخرة" تشمل النجاة من أهوال يوم القيامة ودخول الجنة.
أكد على أهمية الدعاء المذكور لما يحمله من معاني عظيمة، ويستلزم الابتعاد عن المحرمات والشبهات لتحقيق النجاة من النار، وكان النبي يكثر من هذا الدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا عمر بن مرزوق، وهو الباهلي، قال: الحافظ ثقة فاضل، قال: أخبرنا شعبة، وحدثنا الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثنا ثابت، وهو البناني، عن أنس، وحدثنا مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». قال شعبة: فذكرته لقتادة، فقال: كان أنس يدعو به ولم يرفعه». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وقول قتادة: «كان أنس يدعو به ولم يرفعه»، أشار شيخ الإسلام الألباني رحمه الله في التعليق إلى أنه قد رواه قتادة مرفوعًا، وهو كذلك أيضًا عند الطيالسي، وعند الإمام أحمد. وأشار رحمه الله لأن قوله «ولم يرفعه» أي أراد أن أنس كان يقوله، كان يقوله من قوله «كان يدعو بهذا الدعاء»، كما جاء في رواية عند الإمام مسلم: «وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها»، أي دعا بهذا الدعاء «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». فهذا الدعاء كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر أن يدعو به، وذلك لأن هذا الدعاء قد شمل خير الدنيا والآخرة. الدعاء بخير الدنيا والآخرة «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». وقوله «آتنا في الدنيا حسنة» اختلفت أقوال العلماء في تعريف الحسنة، وكلها تدخل في معنى الحسنة. فمنهم من قال: الحسنة هي الصحة والعافية. ومنهم من قال: هي الدار الواسعة والمرأة الصالحة. ومنهم من قال: هي المركب الهنيء والرزق الطيب والعمل الصالح. وكل هذه المعاني تدخل في معنى الحسنة، فيكون معناها كل ذلك من خير الدنيا: الصحة والعافية، والأمن والطمأنينة، وهكذا المرأة الصالحة والأولاد الصالحون، والرزق الواسع، والعمل الصالح، والدار الواسعة، والمركب الهنيء، إلى آخر ذلك من متاع الدنيا. فكل ذلك من الحسنة في الدنيا، كل خير يرزقه الإنسان في هذه الدنيا فهو داخل في الحسنة «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة». والحسنة في الآخرة تشمل النجاة من جميع أهوال يوم القيامة: من تيسير الحساب، وهكذا أيضًا الصراط والميزان والوقوف يوم الحشر، وآخرها وأعظمها دخول الجنة، فإن ذلك من الحسنة في الآخرة. «وقنا عذاب النار» كذلك السؤال والدعاء بالوقاية من عذاب النار والنجاة منها، وذلك يستلزم التوفيق في الدنيا للابتعاد عن أسباب دخول النار، وذلك بترك المحرمات واجتنابها، وترك الشبهات والشهوات، فبذلك ينجو العبد من عذاب الله سبحانه وتعالى. فلأجل ما اجتمع عليه هذا الدعاء من هذه المعاني العظيمة التي بها يتحصل المسلم على خير الدنيا والآخرة، كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر الدعاء بهذا الدعاء «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة». وقال بعض العلم: الحسنة هي النعيم أو النعمة، ومعنى ذلك أنك تسأل الله عز وجل نعيم الدنيا والآخرة، نعيم الدنيا والآخرة والوقاية من عذاب النار. وبذلك يحصل للمسلم الخير كله، يحصل له الخير كله. فهذا الدعاء كما سمعنا كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام ويكثر من الدعاء به، فينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء بهذا الدعاء، وهي كلمات يسيرة وقليلة تشتمل على معاني عظيمة، وهذا من جوامع الكلم الذي أُعطيه النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.