الدرس في قبور بين الحقيقة والخيال، وكانت بعد العصر من يوم الأحد 13 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المحور ظاهرة انتشار قبور متعددة منسوبة لنبي واحد مثل يحيى ويوشع ويونس وداود ونوح وهود عليهم السلام، وينقل إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء لتلك القبور بالأدلة التاريخية والشرعية. ويبين أنها قبور وهمية أو مكذوبة أقيمت عليها طقوس شركية بدعية.
يستعرض المحور ستة مواضع يُزعم دفن النبي هود فيها كظفار ووادي حضرموت ومكة، مبيناً أن أشهرها حضرموت لكن المؤرخين والمحققين شككوا في صحتها. وينقل إجماع علماء كابن الجذري والكناني وابن عبد اللطيف ومالك وابن تيمية على أنه لا يثبت قبر لأي نبي إلا قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يوضح المحور أن دفن علي رضي الله عنه في قصره كان خوفاً من نبش الخوارج، وينفي صحة القبر المنسوب له في النجف مرجحاً أنه للمغيرة بن شعبة. كما يبطل تعدد قبور الحسين وزينب وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم مستنداً إلى إجماع العلماء والمؤرخين على أنها مشاهد مكذوبة لم يزرها أصحابها أصلاً.
يتناول المحور ظاهرة اختلاق قبور لأنبياء بني إسرائيل كصيدون وللصحابة كعطالله في معرة النعمان وكيسك باشا في تركيا مبيناً أنها أكاذيب لا سند لها. وينقل عن ابن تيمية أن معظم المشاهد والقبور المبنية عليها المساجد إما مشكوك فيها وإما متيقن كذبها، مستشهداً بإحصائية تشير إلى ستة آلاف ضريح في العالم الإسلامي معظمها كاذب.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما علمتم إخواني في الله، وكما أعلن وقرر، فإن عنوان هذه الكلمة المقامة في هذه الدورة المباركة هي بعنوان: "قبور بين الحقيقة والخيال"، وأعني بذلك كشف النقاب عن تلك القبور التي تقام حولها وعندها وعليها الزيارات والمزارات، هل هي قبور حقيقية أم أنها قبور خيالية في أذهان أصحابها؟ وقد لوحظ بالاستقراء أن هذه القبور وهذه الزيارات الشركية تقوم على قبور أصحابها على أصناف ثلاثة، أصحابها على أصناف ثلاثة: صنف منهم من أهل الصلاح ومن أهل العلم والعبادة والزهد، لهم أيادٍ بيضاء في خدمة الدين، ولهم مساعٍ مشكورة في خدمة المسلمين، لكن هذا ليس مبرراً بأن تقام لهم الزيارات الشركية. وصنف ثانٍ من الناس ممن تقام على قبورهم الزيارات والمزارات، منهم أناس لهم تاريخ أسود، عاثوا في الأرض فساداً لثوء معتقداتهم ولخبث أعمالهم ولقبح آدابهم وأخلاقهم، بل إن من هؤلاء من صرح العلماء بأنهم قد خرجوا من الدين، بل منهم من صرح العلماء بأنه في عداد المجانين. ثم مثل هؤلاء الحثالة إذا ماتوا أشير لهم بالبنان، وقيمت لهم القبب والبنيان، فيا سبحان الله! وصنف ثالث: هي قبور لكنها وهمية، قبور تقام عندها الطقوس الدينية وزيارات الشركية، يشد لها الرحال، وتنفق لها الأموال، وتذبح عندها الزبائح، وتتلى عندها القصائد والمدائح، لكن هذا كله في قبر ليس تحته أحد، بل هو تراب على تراب. وفي هذا المقام، وفي هذه الكلمة إخواني في الله، سنسلط الأضواء على هذا الصنف الثالث، على هذه القبور المنسوبة التي عظمها الناس وهي ليست كذلك، إما لأنها ليست لأحد، أو أنها ظنها الناس لأشخاص فإذا هي بخلافهم. وسيكون كشف النقاب عن هذه الأكاذيب بأحد الطريقين: إما بالرجوع إلى أقوال العلماء المعروفين، أو بالنظر إلى كلام أهل التاريخ من المحققين، ويكون كذلك بالطريقة الثانية، وذلك ببيان أن لهذا الميت أكثر من قبر، ببيان أن لهذا الميت أكثر من قبر، وهذه من أعظم العبر لمن أراد أن يعتبر، من عنده عبرة وعنده فطنة يعرف كيف يكون للميت أكثر من قبر، قبر في المشرق وآخر في المغرب، فيدلك على أن هذه القبور على هذا الحال أنها من القبور المكذوبة المفتراة. نبدأ أولاً في القبور المنسوبة إلى الأنبياء، ولضيق المقام ولكثرة المقالات في هذا الباب نسرد سرداً ونعلق على ما يحتاج إلى تعليق. نبدأ بالقبور المنسوبة لأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام: فمن ذلكم قبر يحيى بن زكريا عليه السلام، له ضريح، أي قبر، له ضريح في دمشق، وهكذا أيضاً له ضريح آخر في صيدا في جنوب لبنان، وله ضريح ثالث، قبر ثالث، وموجود في الجامع الأموي بحلب، فيا سبحان الله! ثلاثة قبور لشخص واحد. كذلك قبر يوشع بن نون عليه السلام، له ضريح في شرق الأردن وهو مبني ويزار وتقام عنده الطقوس في شرق الأردن، وله كذلك ضريح آخر، أي قبر آخر، في معرة نعمان بشمال سوريا، له قبران. يونس عليه السلام، له ضريح في بلدة حلحول بفلسطين، وقبر آخر بقرية نينوى قرب الموصل بالعراق، وقبر ثالث بنابلس بفلسطين، ثلاثة قبور لميت واحد. داود عليه السلام، له كذلك قبر في منطقة تابعة لحلب بسوريا، له قبر بحلب، وله كذلك قبر آخر في لبنان بمنطقة تسمى بصيداء، فأيهما القبر الحقيقي؟ الله أعلم. نوح عليه السلام، وهذه من الأعاجيب أن يكتشف قبر لنوح مع مرور هذا الدهر الطويل، مئات بالآلاف السنين، ومع ذلك اكتشف الناس قبراً لنوح عليه السلام. واسمعوا لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يحكي لنا قصة هذا القبر: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: «وأما القبر المشهور في سفح الكرك الذي يقال إنه قبر نوح فهو باطل محال، لم يقل أحد ممن له علم ومعرفة إن هذا قبر نوح، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، ولا كان لهذا القبر ذكر ولا خبر أصلاً، بل كان ذلك المكان حاكورة يزرع فيها» - حاكورة: أي قطعة من أرض، قطعة أرض كانت تستخدم في الزراعة - «قال: بل كان ذلك المكان حاكورة يزرع فيها ويكون بها الحاكة، أي ممن يستخدمها في الزراعة، ويكون بها الحاكة إلى مدة قريبة، فرأوا هناك قبراً فيه عظم كبير». انظروا إلى الطرفة كيف أحدث هذا القبر، قبر نوح عليه السلام. «قال: فرأوا هناك قبراً فيه عظم كبير، وشموا فيه رائحة، فظن الجهلاء أنه لأجل تلك الرائحة يكون قبر نبي». هذا الاستنباط: عظم فيه رائحة، بين قوسين: عظم نبي. «قال: فظن الجهلاء أنه لأجل ذات تلك الرائحة يكون قبر نبي، يكون قبر نبي، وقال: من كان من الأنبياء كبيراً؟ استفسار في محله: من كان من الأنبياء كبيراً؟ فقال: نوح، فقال: هو قبر نوح، انتهى الإشكال: عظم فيه ريحة، إذا لنبي، من من الأنبياء الكبير في جسمه وجسده هو نوح». قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وبنوا عليه ذلك القبر». ثم علق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: «وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء، فلو كان قبر نبي لم يتجرد العظم، لو كان هذا النبي حقاً لم يأكل، لأن من حكمة الله جل وعلا ومن سنة الله الكونية أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فكيف يكون هذا نوح وهذا عظمه البالي، والله جل وعلا قد صان أجساد الأنبياء من أن تؤكل من قبل الأرض؟». فدل ذا إخواني في الله على هذه الأضحوكة وهذه الطرفة التي وجدت عند هؤلاء وتوجد عند غيرهم. كذلك تترككم القبور التي تنسب لأنبياء الله ورسله: قبر هود عليه السلام، وهود له قبور كثيرة في مواطن عديدة في شرق الدنيا وفي غربها، ونذكر هنا بالخلاصة باختصار المواطن التي ادعى الناس أن فيها قبراً لهود: منها قبر في جامع دمشق في جهة القبلة من قبلته، هناك قبر كبير يزار وله الأفواج العديد من الناس هنا وهناك يزورونه، ينسبونه لهود عليه السلام. وقد أنكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا القبر فقال رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى: «وقال: وهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإن هوداً لم يأتِ إلى الشام»، بل اتفاق لا إشكال بين العلماء أن هوداً عليه السلام لم يدخل الشام، فكيف يدفن فيها؟ الموطن الثاني: في فلسطين، كما ذكر ذلك صاحب كتاب قصص الأنبياء هو النجار، حيث ذكر أن أهل فلسطين يدعون أن هوداً مدفون عندهم، أنه مدفون عندهم، وقد بنوا له قبراً. الموطن الثالث: من المواطن التي دعي أن هوداً عليه السلام دفن فيها: مكة، ذكر ذلك صاحب كتاب البحر العتيق، حيث بين أن هوداً مات بين زمزم والحجر، وذكر طائفة من الأنبياء منهم هود، وأن هذا المحل الذي ماتوا فيه. الموطن الرابع: الذي دعي أن هوداً مات فيه في ظفار، في ظفار، وهذا الموطن صرح به ابن بطوطة كما في رحلاته المشهورة، ادعى أنه مر على ظفار ورأى قبراً كبيراً، ورأى أنه قد كتب على القبر أن هذا قبر هود عليه السلام. الموطن الخامس: أنه في العراق في منطقة يقال لها وادي السلام. الموطن السادس: أنه في وادي حضرموت، أنه في وادي حضرموت، وهذا هو المشهور. فانظروا رعاكم الله، ستة أماكن، ستة مواطن تدعى أنه لنبي واحد، كيف توزع إلى هذه الأماكن؟ الله تعالى أعلم، وهذا يدلك على الكذب والمين الذي وجده في هؤلاء الجهلة. ومما يذكر في هذا الموطن الأخير وهو أنه في حضرموت، قلنا هذا المشهور، ولسنا نحن في مقام ذكر من استدل بهذا المكان فليس هذا مقامه، لكن نعلم إخواني في الله أن هذا المكان مع شهرته فإنه في محل شبهة ومحل شك عند المؤرخين قديماً وحديثاً. ونقتصر في هذا المقام على بعض الكتاب من المعاصرين ممن شكك في صحة هذا القبر الموجود في وادي حضرموت، وهو الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف في رسالة له، يقول معلقاً على هذا القبر، أي قبر هود في حضرموت: «أما القبر الذي يعتقده بعض الحضارمة أنه قبر النبي هود فهو في الحقيقة مخالف للروايات الإخبارية القديمة، ومنها رواية الأصبغ والهمداني». وهذا طبعاً بحث يطول ذكره، لكن نعلم أنه كذلك ليس هذا الوحيد في هذا المقام، بل وجد الكثير من المعاصرين ممن هم كذلك لهم نسب من آل البيت من الكتاب، صرحوا بأن هذا القبر الموجود في حضرموت هو كذلك ليس بحقيقي وليس بصحيح. فالخلاص إخواني في الله ما يتعلق بهذا الباب وهو نسبة القبور للأنبياء، أنه لا يصح شيء، لم يثبت قبر صحيح لأحد من أنبياء الله إلا ما كان من قبر نبينا عليه الصلاة والسلام، وعلى هذه فتوى العلماء. يقول الشيخ علي القاري رحمه الله تعالى كما في كتابه الموضوعات: «قال العلامة الشيخ محمد بن الجذري رحمه الله: لا يصح تعيين قبر نبي غير نبينا، لا يصح قبر تعيين نبي، قبر نبي غير نبينا». وقال الشيخ عبد العزيز الكناني رحمه الله تعالى: «كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح شيء منها، لا يصح شيء منها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم». وكذلك قال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى كما في الأجوبة النجدية في المجلد العاشر: «قال: إنه لا يعلم على وجه الأرض قبر معروف من قبور الأنبياء، لا هود ولا غيره، ومن زعم ذلك فهو مفترٍ ضال، ولا يعرف إلا قبر محمد صلوات الله وسلامه عليه، قال: وهذه المغارات والقبور التي تنسب إلى الأنبياء كلها كذب وافتراء، كلها كذب وافتراء، ما ثبت شيء، نبي قبر عن نبي الأنبياء، إلا ما نقل، إلا ما جاء عن نبينا». وهناك ذلك الخلاف حصل بين العلماء في قبر إبراهيم الخليل عليه السلام، هناك له قبر، هل هذا ثابت لهم؟ لا، هذا موضع الخلاف، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى: «وأما قبور الأنبياء فالذي اتفق عليه العلماء هو قبر النبي صلى الله عليه وسلم»، أي هذا بالإجماع، «قال: فإن قبره منقول بالتواتر، وكذلك قبر صاحبيه، وأما قبر الخليل فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره، وأنكر ذلك طائفة، وحكي الإنكار عن مالك، وأنه قال: ليس في الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم». وهكذا مالك رحمه الله تعالى يبين ويصرح أن هذه القبور المنسوبة لأنبياء الله لا يصح منها قبر إلا ما كان من قبر نبينا عليه الصلاة والسلام الذي نقلنا بالتواتر والإجماع. وغير هذه القبور ما كان كما تمعتم: قبر داود، أو زكريا، أو عيسى، أو إسماعيل، وكذلك غير ما ذكر، فما ثبت منها شيء. فيا كما يقال: قبور خيالية، ليست حقيقية. ننتقل الآن إلى قبور منسوبة إلى الصحابة، جهة قبور نسبت إلى أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. نبدأ أولاً بالقبور المنسوبة إلى آل البيت من أزواجه عليه الصلاة والسلام ومن كان من ذريته، ثم نتبع ذلك ببقية الصحابة، ويكون بعد ذلك السرد. أول ما يتعلق بقبور أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: وجدت قبور في الشام في دمشق لكل من عائشة رضي الله تعالى عنها، وأم سلمة، وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهن. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعدما ذكر هذه القبور لأزواج الرسول التي وجدت في دمشق: «فكلها كذب باتفاق أهل العلم، كلها كذب باتفاق أهل العلم». وعلل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا التكذيب بقوله: «بأنه لم يقدم أحد من أزواج النبي، لم يقدم أحداً من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى دمشق، ما ثبت قط أن أحداً من أزواج الرسول عليه صلى الله عليه وسلم دخلت أو قدمت إلى الشام، فكيف تموت فيها؟» بل الذي ثابت وموجود في الكتب بالتاريخ والسير أنهن ماذا؟ جاءتهن المنية في المدينة، ودفن في المدينة، رضي الله تعالى عنهن. وهكذا وجدت قبور لكل من أم كلثوم، رقية، بنات الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه القبور أين موجودة؟ كذلك موجودة في الشام، مع أنه قد قام اتفاق الناس على أن أم كلثوم، رقية، قد ماتت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة تحت عثمان رضي الله تعالى عنه. كذلك من القبور، من القبور المنسوبة: ذلكم القبر، أو ذلكم المشهد الذي بني على قبر علي على حد زعمهم، وهو الموجود في النجف، نجف تلكم الأرض المقدسة عند أهلها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبيناً ما اصطلح هذا القبر الموجود في النجف المنسوب لعلي: «قال: عندما ظهر بنو عبيد القداح، بنو عبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي». انظروا أين هي تلكم الدولة وأين خلافة علي رضي الله تعالى عنه. «قال: وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي رضي الله تعالى عنه بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول إن قبر علي هناك»، كما في مجموع الفتاوى: «ما أحد كانوا يصرح قط أو يكون في خلد أحد من الناس أن قبر علي في النجف، لكن ظهر ذلك عندما جاء بنو القداح قبحهم الله». ثم بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بعض كتبه أن علياً رضي الله تعالى عنه إنما دفن في قصره، في قصر الإمارة، وذلك في الكوفة، وليس في النجف. وسر دفن علي رضي الله تعالى عنه في قصره وذلك خشية أن تنبشه الخوارج، لأن الخوارج كانوا ينبشون قبور الصحابة ويشوونها ويتلقونها كمداً وحقداً على أصحاب رسول الله، فكان الخلفاء إذا ظهرت شوكة الخوارج يخفون قبورهم، كما فعل كذلك معاوية رضي الله تعالى عنه، فإنه قد دفن في قصره، في ماذا؟ في قصره، وذلك نفس العلة، كان يصعب، يخشون من وجود الخوارج فينبشون قبره. ولهذا علي رضي الله تعالى عندما مات كان قبره في قصره في الكوفة، وقد عمي قبره، ما كان بل عمي حتى ماذا؟ يستعصي ويستصعب على هوى الخوارج أن يكشفوه. وقد رجح ذلك جماعة من المؤرخين: من ابن كثير رحمه الله تعالى، ومحمد بن عمر الواقدي، وابن جرير الطبري، والخطيب البغدادي، وجماعة، قالوا بهذا. ومن الطريف، ومن الطريف أن هذا القبر الموجود الآن المنسوب لعلي بن أبي طالب في النجف، من علم بحاله يعلم أنه أصبح قبلة، قبلة الروافض وقبلة الشيعة، يشدون الرحال إليه، يطوفون حوله، يعبدون عبادة كاملة تامة كأنهم يعبدون الله، ويقولون: هذا علي. مع أن من العلماء من ألمع أن هذا القبر الذي يظن أنه لعلي هو في الحقيقة قبر المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، من أشد الناس، أو من ألد، من ألد الصحابة الذي يكون الشيعة له البغض، الصحابة الشيعة يبغضون المغيرة بن شعبة بغضاً شديداً لأنه في صف معاوية، فأتخيل أن هذه العبادات صرفت للمغيرة، إن صحت هذا من بعض من يلمح أن هذا القبر هو قبر المغيرة وليس قبر علي، فأتخيل الشيعة يوم القيامة يرون العبادات قد صرفت للمغيرة، سبحان الله! فالشاهد إخواني في الله أن ما ذكر عن علي بن أبي طالب ما صح. كذلك قبر الحسين بن علي، الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه، له أكثر من قبر، أكثر من قبر، فمثلاً له قبر في عسقلان، وآخر في دمشق، وآخر في حلب، وآخر في النجف، وآخر في كربلاء، خمسة. وسادس: ترى أن هذه القبور لهذا الشخصية، لحسين، تعرف أن من خلفه أيادٍ شيعية، أيادٍ رافضية هي التي تشجع من بث هذه الأضرحة، وخاص الحسين، لأن من تذكر كيف مات رضي الله عنه ما يرقق قلوب العوام له، ثم يأتي بهذا العاطفة إلى كره الصحابة الذين شوهوا إليه الصحابة، حيث أن الشيعة يلمحون ويصرحون بأن الصحابة هم الذين خانوا الحسين رضي الله تعالى عنه، وأولئك الذين تسببوا في قتله وغدروا به، فلهذا يكثرون موجود هذا المشهد، مشهد الحسين هنا وهناك في الشام، وفي كذلك مصر. وهذا الموقع السادس يوجد للحسين مشهد عظيم في الحسين، وله مسجد ضخم كبير في القاهرة، ومن دخل إليه يرى تلكم ماذا؟ الزيارات الشركية من الطواف والاعتكاف والبكاء والصلاة إليه، وجد هذا وهذا، كما يقوله من أعظم المزارات الموجودة في القاهرة، مشهد الحسين. مع أن العلماء قد اتفقت كلمتهم على أن هذا المشهد باطل وأنه مكذوب على الحسين رضي الله تعالى عنه، فقد نقل شيخ الإسلام الإجماع على ذلك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وهو يعلق على هذا المشهد الموجود في القاهرة: «كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء، كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم». وقد سبق إلى القول بالإجماع قبل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أبو الخطاب بن دحية في كتابه المعلم المشهور، حيث قال: «إن المشهد المنسوب إلى الحسين في القاهرة كذب بالإجماع». وهكذا نقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن طائفة من العلماء من أهل العلم ممن لهم علم ومعرفة أنهم جزموا أن هذا القبر الموجود في القاهرة للحسين أنه كذب. نقل ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن ابن دقيق العيد، وعن الدمياطي، والعسقلاني، والقرطبي، أنهم كانوا ينكرون هذا المشهد وأنه باطل. بل أبعد من ذلك فقد حكي عن القسطلاني رحمه الله تعالى أنه بين أن هذا المشهد يرجع إلى رجل نصراني، رجل نصراني هو الذي حال في هذه القبة وتحت هذا المشهد، وينتسبون أنه للحسين. فهذا ما يتعلق بالحسين، وبهنا نعلم أنه كذب مختلق. وكذلك من القبور المنسوبة: قبر ينسب إلى زينب بنت علي، ويثبت هؤلاء العامة والجهلة أن لها قبراً في دمشق، وهذا القبر تشد له الرحال، وله كذلك مزارات إلى الآن، وهذا ليس الضريح الوحيد لها، بل لها ضريح آخر في القاهرة، لها ضريح آخر في القاهرة، وكذا هو المشاهد المعروفة، وتنصر له الزيارات السنوية. مع أن الكتاب ممن لهم علاقة ومعرفة بتاريخ مصر يعلمون أن زينب بنت علي ما دخلت مصر قط. يقول أحد الكتاب وهو أحمد زكي باشا في رسالة له: «قال: ولم تتشرف أرض مصر بوطء قدمها المباركة، أي هذه المذكورة زينب بنت علي، قال: ولم تتشرف أرض مصر بوطء قدمها المباركة مطلقاً، مطلقاً، مطلقاً، والحق الذي ليس بعده إلا الضلال أنها قضت حياتها بالحجاز إلى أن انتقلت إلى جوار ربها بالمدينة المنورة، فكان دفنها بالبقيع، هذا هو الصواب، وما عدا فإفك وبهتان، إفك وبهتان أن يُنسَب ذلك المشهد إلى زينب بنت علي». وهكذا من من القبور المنسوبة: ففي البصرة يوجد قبر لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، مع أن عبد الرحمن قد مات بالمدينة ودفن بالبقيع. وهكذا في بلدة الرها التابعة لحلب هناك ضريح يقال أنه لجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، مع أنه جابر قد توفي بالمدينة رضي الله تعالى عنه. وهكذا في الجانب الشرقي من دمشق هناك قبر ومشهد لأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، مع أنه قد اتفق العلماء على أن أبياً لم يقدم دمشق، فكيف يدفن فيها؟ وهذا بالاتفاق. وهكذا قبور كثيرة لغير هؤلاء من الصحابة، كالقبر المنسوب لابن عمر، وهناك قبر في مصر لعقبة بن عامر، وقد صرح العلماء أن هذه القبور مكذوبة مفتعلة مختلقة لهؤلاء الصحابة. وبأعجب العجيب أن هناك قبر في مصر لشخص اسمه شبل بن الفضل بن العباس، شبل بن الفضل بن العباس، أي عم الرسول عليه الصلاة والسلام، مع أن جميع المصادر ومن تكلم فيها في نسب الفضل ما يذكر للفضل سوى أنه أنجب بنتاً واحدة، عنده بنت الفضل واسمها أم كلثوم، وأما هذا شبل ما نجد من أن يسقط على الأرض ثم جعله قبر، فهو كذب مختلق. وهذا ليس من العجائب، بل فيما هو أعجب من ذلك: في بعض المناطق والبلدان إذا لم تظفر بأحد من الأنبياء أو بأحد من الصحابة، سرعان ما يختلقون قبراً، ينبشون قبراً ويجعلون فيه أي اسم، يأتون باسم من هنا وهناك، يجمع، يركب من حروف هجائية، ثم فوق هذه الكلمة وفوق هذا الاسم المركب يكتبون: بأن هذا نبي من أنبياء الله. يذكر بعض الباحثين من القبور المضحكة في هذا الباب أن هناك قبراً لنبي من أنبياء بني إسرائيل اسمه صيدون، وما أدري أين صيدون، وقد حاولت عن قدر من كان لعلي أجد في التاريخ من يذكر، لكن قبر ما ندري ما تحته، هل هناك أحد؟ أمن التراب على تراب. بل كذلكم حتى ليس الاختلاق إلى أسماء الأنبياء، بل حتى الصحابة لهم قصة ونصيب هذا الباب، فإن بعض الناس إذا وافق بوجود صحابي جاء إلى أرضهم أو وطأ ثراهم، سرعان ما لفقوا اسماً من الهواء وقالوا: هذا اسم صحابي. مثال ذلك ما جاء في سوريا في معرة النعمان قبر، وقالوا: هذا قبر لصحابي اسمه عطالله، اسمه عطالله، يبحث عنه إخوان: هل هناك مسند اسم عطالله من الصحابة؟ الله أعلم، هذا كذب. وكذلك في تركيا في مدينة تسمى طور خال، هناك قبر لصحابي واسم هذا الصحابي كيسك باشا، كيسك باشا، وهذا موجود، ويراجع تلك الأماكن. فإخواني في الله، فهذه لمحة سريعة وموجزة لأهم القبور المنسوبة والمضافة لأصحابها، وكما سمعتم ورأيتم أنها كذب على كذب، فحينها نعرف أنها خيال وليست حقيقية. ويختم هذا المقام بما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حيث قال: «وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب، فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جداً». تخيل الآن للأضرحة الموجودة حسب بعض الإحصائيات ممن تكلم، يوجد في العالم الإسلامي ستة آلاف ضريح، ستة آلاف ضريح موجود في العالم الإسلامي، فهذه كلها قال: غالب هؤلاء منهم كلها كذب في كذب، ولهذا ما صح إلا القليل، والقليل جداً. وقال كذلك شيخ الإسلام في موطن آخر: «قال رحمه الله تعالى: بل عامة القبور التي بنيت عليها مساجد إما مشكوك فيه وإما متيقن كذبه، وإما متيقن كذبه». هذا العامة، غالب القبور المشيدة وتقام عليها الزيارات والمزارات، إما أنها مشكوك فيه، وإما أنها قد تيقن كذبها. فهذا إخواني في الله يعني كلمة بسيطة وموجزة في هذا الدرس، وهذه الكلمة بعنوان "قبور بين الحقيقة والخيال"، ونعلم أنها خيال. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.