شرح أسماء الله الحسنى 12

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله الأكرم وتفسيره

اسم الله الأكرم يعني الكثير من الصفات الحسنة والإحسان والكرم، وقد ورد في سورة العلق. يتضمن معاني كثيرة مثل العلم والجود والإحسان.

الإكرام الإلهي للعباد ونعم الله عليهم

يتناول المقطع نعم الله تعالى على عباده، مثل الخلق والهداية والرزق والعلم. الله تعالى هو الأكرم الذي يكرم عباده بكرمه العام والخاص.

مقتضيات الإيمان باسم الله الأكرم والعظيم

يجب على المؤمن أن يرفع حوائجه إلى الله تعالى، ويكثر من السؤال والدعاء، ويشكر الله على إكرامه. كما يجب تحقيق شروط معينة لكي يحقق العبد الإيمان بالأسماء العظيمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهما، بعد ذلك، فمن الأسماء الحسنى التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى اسم الله الأكرم. فالأكرم اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في كتاب الله جل وعلا في سورة العلق، قال جل وعلا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾، وهو أول ما نزل عن النبي عليه الصلاة والسلام من قرآن، هذه السورة، هذه الآيات نزل عليه عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء يتعبد ربه جل وعلا، كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وبمعنى اسم الله الأكرم اسم الله جل وعلا الكريم، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. والأكرم معناه: يقول السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: «الأكرم كثير الصفات واسعها، كثير الإحسان والكرم، واسع الجود»، فذكر رحمه الله تعالى هذه المعاني وهذا التفسير وهذه الأوصاف التي يتضمنها هذا الإسم، وهو الأكرم، مما يدل على عظم هذا الإسم. فاسم الله جل وعلا الأكرم يتضمن أوصافا كثيرة، كما سمعتم في تفسير السعدي رحمه الله، قال: «كثير الصفات واسعها، كثير الإحسان والكرم، واسع الجود». فهذه معاني كثيرة مما يدل على عظم هذا الإسم. وهكذا ذكر العلماء معاني كثيرة في تفسير هذا الإسم، وهو اسم الله جل وعلا الأكرم، فمنها: العلم، من قال الأكرم هو كثير الخير، دائم العطاء، كثير الإحسان، المنزه عن كل نقص وعيب، الذي يعطي بلا عوض، الذي يعطي من يحتاج ومن لا يحتاج، الذي يعطي من سأل ومن لم يسأل، الذي يتجاوز عن الذنوب والسيئات، وغير ذلك من المعاني. فهذا يدلنا على عظم اسم الله جل وعلا الأكرم. ومما يدل على عظم هذا الإسم أن الله جل وعلا سمى به نفسه، سمى الله جل وعلا نفسه بالأكرم، بعظيم ما تضمنه هذا الإسم من أوصاف عظيمة، فقال جل وعلا: ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾، فسمى نفسه جل وعلا بذلك. وهكذا وصف ربنا جل وعلا وجهه الكريم بالجلال والإكرام، وصف بهذا الوصف العظيم، وهو الإكرام، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، فوصف جل وعلا وجهه الكريم بهذا الوصف العظيم، مما يدل على عظيم هذا الوصف الذي تضمنه هذا الإسم العظيم، وهو الأكرم. وهكذا وصف ربنا جل وعلا كتابه القرآن، وهو أعظم الكتب التي أنزلها ربنا سبحانه وتعالى على عباده، وصف كتابه القرآن، كلامه، بهذا الوصف، قال جل وعلا: ﴿إنه لقرآن كريم﴾، فوصفه بهذا الوصف العظيم. وهكذا وصف ربنا جل وعلا عرشه العظيم، الذي هو من أعظم المخلوقات، أعظم مخلوقات الله جل وعلا العرش، وصفه ربنا جل وعلا بهذا الوصف العظيم، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، فوصف عرشه، الذي هو أعظم مخلوقاته، بهذا الوصف العظيم. ومما يدلنا على عظم هذا الإسم، لما تضمنه من وصف عظيم، أنه جل وعلا وصف أنبياءه بهذا الوصف العظيم، وصف رسله كذلك بهذا الوصف العظيم، قال جل وعلا عن نبيه موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾، وقال في نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «إنه لقول رسول كريم»، وما هو بقول شاعر. وهكذا قال الله جل وعلا في جبريل عليه السلام، أمين وحيه، قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، وقال: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصف يوسف عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف، بالكرم، وبأنه كريم، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، بل هو حديث متفق عليه، سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أكرم الناس، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أتقاهم»، قالوا: ليس عن هذا نسألك يا رسول الله، قال: «فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله»، قالوا: لسنا عن هذا نسألك، قال: «فعن معادن العرب تسألونني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»، فيوسف عليه الصلاة والسلام من أنبياء الله جل وعلا، وصف بهذا الوصف العظيم. وهكذا وصف ربنا سبحانه وتعالى رزقه بأنه كريم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، فوصف رزقه جل وعلا بهذا الوصف العظيم، وبأنه كريم. وهكذا وصف الله جل وعلا ثوابه الذي أعده لعباده المتقين، ومنه ذلك النعيم المقيم في جنات النعيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، فوصف ثوابه بأنه كريم. وهذا يدلنا على عظم هذا الاسم، لما تضمنه من هذه الأوصاف العظيمة التي وصف الله جل وعلا بها نفسه، وأيضا جعلها لأشرف مخلوقاته، كالعرش، والأنبياء، والرسل، ولأفضل نعمه، من الأجر والثواب، والرزق العميم، والخير الجزيل، منه سبحانه وتعالى. وإكرام الله جل وعلا وكرمه لا يعد ولا يحصى، لا يعد إكرام الله جل وعلا ولا يحصى لكثرته. فمن أعظم إكرام الله جل وعلا لعباده أن خلقهم سبحانه وتعالى وأوجدهم من العدم، وليتأمل قول الله جل وعلا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، فذكر خلقه سبحانه وتعالى. وهو الأكرم جل وعلا الذي أكرم على عباده بنعمه التي لا تعد ولا تحصى. ومن هذه النعم أنه خلقهم سبحانه وتعالى وأوجدهم من العدم، وهداهم بعد هذا الخلق، وهذا أيضا من الإكرام العظيم منه جل وعلا، أن خلق عباده ولم يتركهم هملا ولا سدى، وإنما هداهم هداية عامة لا بد لهم منها، وإلا لا تقم لهم قائمة إلا بهذه الهداية العامة التي لا بد منها. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، فالله جل وعلا أكرم على عباده بالخلق، ثم أكرم عليهم بالهداية، فهدى النحل إلى الزهور، وهدى الطفل لثدي أمه، وهدى البهائم للمرعى، وهدى الإنسان إلى ما تقوم به مصالحه، فكل ذلك من الهداية العامة، ومن الإكرام العظيم منه سبحانه وتعالى. وأعظم الهداية الهداية الخاصة، وهي الهداية التي جعلها الله جل وعلا لمن شاء من عباده، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى إِنَّكَ لَا تَهلْدي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، فهذه هداية خاصة، الهداية لهذا الدين العظيم، وهو من أعظم الإكرام، ومن أعظم المنن منه سبحانه وتعالى، أن هداك يا عبد الله لهذا الدين العظيم، بالمقابل أن ضل أقواما ربما كانوا من أقرب الناس إلى أنبياء الله سبحانه وتعالى، كابن نوح، وكزوجة نوح، وزوجة لوط، ووالد إبراهيم، وعم النبي عليه الصلاة والسلام أبي طالب، وهكذا. لتعلم منة الله جل وعلا عليك، وإكرام الله جل وعلا عليك، أن هداك بهذا الدين العظيم الذي حرمه كثير من الناس، فهذه هداية خاصة، هداك الله جل وعلا إليها. وهكذا كذلك من إكرامه جل وعلا رزقه سبحانه وتعالى العام والخاص، فرزق الله جل وعلا عباده جميعا رزقا عاما، أعطى الصالح والطالح، أعطى العاصي والطائع، رزق المسلم والكافر، رزق الجميع، لأنه سبحانه وتعالى الأكرم، فعطاءه ليس مقصورا، عطاءه جل وعلا وكرمه ليس مقصورا. بل لعظيم إكرامه جل وعلا وكرمه، أنه أعطى الدنيا من أحب ومن لم يحب، وأعطى رزقه العام من أحب ومن لم يحب. لكن أعظم من هذا الرزق الرزق الخاص، الرزق الحلال، الرزق الطيب، الذي إذا أكلته أجرك الله سبحانه وتعالى عليه، وإذا احتسبته أجرك الله سبحانه وتعالى عليه، بخلاف من يأكل من هذه الأرزاق، ومن هذه النعم، فتكون وبالا عليه، والعياذ بالله. أما من رزقه الله جل وعلا الرزق الخاص، وفقه لذلك، فهذه نعمة عظيمة. فأنت تتنعم بنعم الله جل وعلا، وتأكل وتشرب وتتمتع، ومع هذا أنت مأجور على ذلك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: «يا رسول الله، حتى أن يأتي أحدنا أهله؟» قال: «أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه به وزر؟» قالوا: «بلى»، قال: «فكذلك إذا وضعها في حلال». فالمسلم وفقه الله سبحانه وتعالى إلى هذا الرزق الخاص، وهذا من أعظم أنواع الإكرام الذي أكرم الله جل وعلا به على عباده. وهكذا كذلك من الإكرام العظيم العلم، العلم العام والعلم الخاص، فمن الناس من أعطاهم الله جل وعلا علما عاما، ومن الناس من اصطفاهم بالعلم الخاص. وتأمل في قول الله جل وعلا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾، فلما ذكر الله جل وعلا اسمه الأكرم، ذكر بعد ذلك جل وعلا منته وفضله وكرمه الذي أنعم به على عباده وكرمهم به، أن قال جل وعلا: ﴿الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾. وبهذا تعلم يا عبد الله أن من أعظم إكرام الله جل وعلا لك، ومن أعظم نعم الله جل وعلا عليك، أن علمك العلم الخاص، العلم الخاص، وهو علم الشريعة، علم معرفة الرب جل وعلا بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، معرفة الرب جل وعلا بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، معرفة الرب جل وعلا بتحقيق التوحيد له، بمعرفة ما افترض الله، ما افترض عليك، وما الواجب عليك أداء هذه الفرائض والعبادات، فكل هذا من العلم الخاص. ولذلك قال الله جل وعلا ممتنا على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فالعلم من أعظم المنن، ومن أعظم الإكرام من الله سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر الله جل وعلا هذه النعمة بعد ذكره لإسمه الله جل وعلا الأكرم، الذي به أكرم على عباده، ومن عليهم، وأنعم عليهم سبحانه وتعالى. ومن إكرام الله جل وعلا حفظه وكلاءته سبحانه وتعالى، وخيره الدائم الذي لا ينقطع، فهو الأكرم جل وعلا وحده، لا يشاركه أحد. لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند تفسير اسم الله جل وعلا الأكرم: «ذكر الله جل وعلا اسمه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها، وهذا يدل على الحصر، وأن الأكرم إنما هو وحده جل وعلا»، فهو جل وعلا الموصوف بالكرم الذي ليس فوقه شيء، ولا نقص فيه. فهذا يدلنا على عظم هذا الإسم، اسم الله جل وعلا الأكرم. وهذا الإسم اسم الله الأكرم عليك يا عبد الله، أن تتعبد الله جل وعلا بمقتضى إيمانك بهذا الإسم، فأنت علمت أن من أسماء الله جل وعلا الأكرم، الموصوف بالكرم والإكرام، فعليك أن تتعبد الله جل وعلا بمقتضى إيمانك، وبمقتضى علمك لهذا الإسم، وهو اسم الله جل وعلا الأكرم. فمن مقتضى تعبدك لله جل وعلا بهذا الإسم العظيم الأكرم، أن لا تسأل إلا هو جل وعلا وحده، لا تسأل إلا الله سبحانه وتعالى، «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان»، «فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون»، لا تسأل ملكا ولا نبيا ولا صالحا، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، أنت علمت أن ربك كريم، وأنه الأكرم، فكيف تتوجه إلى غير الله جل وعلا من الأموات والمقبورين، تستغيث بهم، تطلب منهم الحوائج؟ أين الكريم؟ أين الأكرم الذي قد علمته، والذي قد آمنت به؟ فمن مقتضى إيمانك وتعبدك لله جل وعلا بهذا الإسم، أن ترفع حوائجك إليه سبحانه وتعالى، وأن ترفع أكف الضراعة إليه جل وعلا، وأن تسأله سبحانه وتعالى في جميع حوائجك، حتى في إصلاح شسع نعلك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا أن تكثر السؤال، أن تكثر سؤال ربك سبحانه وتعالى، لأنك علمت أنه الأكرم، وأنه الموصوف بالإكرام والكرم، فلا تستكثر على الله جل وعلا شيئا. ولذلك ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، والحديث في الصحيح المسند، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تمنى أحدكم فليستكثر، فإنما يسأل ربه جل وعلا»، «يسأل الأكرم، ويسأل الكريم»، فكيف لا يستكثر؟ بل عليه أن يستكثر. ولذلك لما قال الصحابة: «يا رسول الله، إذا نكثر؟» قال: «الله أكثر». ولذلك أيضا ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، فليعزم المسألة، فإن الله لا مكرها له»، وفي صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «وليعزم المسألة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه». فعليك يا عبد الله أن تلح في دعائك، فالله جل وعلا يحب الملحين في دعائهم، فهم حقا الذين آمنوا حق الإيمان، بأنه جل وعلا الكريم والأكرم، الموصوف بالكرم والإكرام، فتلح في الدعاء، وتكثر في الدعاء على ربك جل وعلا. جاء في بعض الحديث، حسنها بعض العلماء، أن الله جل وعلا إذا لم يسأله عبده غضب عليه، إن الله جل وعلا يغضب على عبده إذا لم يسأله، لأنه سبحانه وتعالى الكريم الأكرم، الذي يحب من عباده أن يسألوه، فيمن عليهم جل وعلا، ويكرمهم، ويوفقهم لكل خير. فلذلك أكثر يا عبد الله، خزائن الله ملأ، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، فلا ينقص ملك الله جل وعلا شيء مهما أعطى، ومهما أنفق، لو قام العباد، كما في الحديث عند مسلم، إنسهم وجنهم على صعيد واحد، وسأل كل واحد منهم مسألته، فأعطى الله جل وعلا كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملك الله جل وعلا شيء، وذلك لعظم ملكه سبحانه وتعالى، ولعظيم إكرامه جل وعلا على عباده. فأكثر يا عبد الله من السؤال، ومن الدعاء، وألح على ربك جل وعلا، ولا تكن من الغافلين، من الذين ركنوا إلى الدنيا، وركنوا إلى الأسباب، وحرصوا على تحصيل الأسباب لتحصيل متطلباتهم وحاجاتهم، وغفلوا عن أعظم سلاح، غفلوا عن أعظم شيء تتحقق به هذه المطالب، وهو دعاء الرب جل وعلا. ومن مقتضى كذلك إيمانك باسم الله جل وعلا الأكرم، أن تشكر الله جل وعلا على إكرامه لك، فالله جل وعلا أنعم عليك وأكرمك، فعليك أن تشكر الله، يا عبد الله، لا تكن من الذين يكفرون نعم الله سبحانه وتعالى عليهم، بنسبة النعم إلى أنفسهم، أو إلى آخر ذلك، وإنما عليك أن تتحدث دائما وتلهج بذكر الله جل وعلا، «وأما بنعمة ربك فحدث»، فهذا من مقتضى إيمانك بهذا الإسم العظيم، اسم الله جل وعلا الأكرم، فتشكر ربك جل وعلا، ولا تكفر نعم الله جل وعلا عليك. وهكذا من مقتضى إيمانك بهذا الإسم، أن لا تمن على أحد، فإن عطائك لأحد إنما هو من إكرام الله جل وعلا لك، فأنت إذا أعطيت أحدا مالا، المال أكرم الله جل وعلا به عليك، وأنعم به عليك، إذا أعطيت أحدا كذا أو كذا أو كذا، كل ذلك هو من عند الله جل وعلا، هو الذي أنعم عليك بذلك، وهو الذي أكرمك بذلك، فكيف تمن على من أعطيت؟ ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، فلا من، ولا كذلك، مما ينافي شكر نعمة الله جل وعلا عليك، والاعتراف بإكرام الله جل وعلا عليك. وهكذا من مقتضيات إيمانك باسم الله جل وعلا الأكرم، وتعبدك لله جل وعلا بهذا الاسم، أن لا تعتقد أن ما أنعم الله جل وعلا به عليك وأكرم به عليك، أن هذا يدل على رضا الرب جل وعلا عنك، فليس هذا ميزان، ليس الميزان أن يكون الله جل وعلا قد أكرمك، وقد أنعم عليك بالنعم الكثيرة، كما أنه ليس الميزان أن تعتقد أنه إذا ضيق عليك، أن ذلك علامة على سخطه جل وعلا، لا، وإنما من مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الأكرم، أن تعلم أن الأمر بتقوى الله جل وعلا، لا بإعطاء النعم، ولا بمنعها. ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم، مبينا هذا: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآيات: «ينكر ربنا جل وعلا على من اعتقد هذا الاعتقاد، أن الله جل وعلا أكرمه ونعمه، فظن هذا من رضاء الرب جل وعلا عنه، وإنما هو من الابتلاء»، وهكذا من اعتقد أن الله جل وعلا لما ضيق عليه، أن ذلك من سخطه، فليس هذا الميزان، ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. وهكذا هناك مقتضيات لهذا الاسم العظيم، حتى يحقق العبد الإيمان بهذا الاسم، والعبادة الحقة بمقتضى إيمانه، وتعبده لله جل وعلا بهذا الاسم، وضاق المقام عن ذكرها، سنذكرها إن شاء الله تعالى في درسنا اللاحق. وصلى الله وسلم وبرك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.