الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 159، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول ضلال النصارى واختلافهم في الدين نتيجة لابتداع طوائف منهم، واجتماعهم في مجمع كبير لتناظرهم في الإيمان بعد ثلاثمائة وثمانية عشر سنة. هذا الاختلاف أدى إلى تناقضات كبيرة في معتقداتهم.
يتناول تناقض أقوال النصارى حول طبيعة المسيح واتحاد اللاهوت بالناسوت، ويفند القول باتحاد الطبيعتين ويبين تناقضاته المنطقية. هذا التناقض يؤدي إلى محاذير في فهم صفات وإرادة المسيح.
يناقش مفهوم الاتحاد عند النصارى ويبين تناقضه مع العقل، ويشدد على أهمية التمييز بين المعقولات الصحيحة والمعقولات الفاسدة باستخدام العقل. يحذر من القول على الله بغير علم والادعاءات التي تتناقض مع المعقولات الصحيحة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: هذا البطرك سعيد من البطريق المعظم عند النصارى، المحب لهم، المتعصب لهم في أخبارهم، التي بينا بها أحوالهم في دينهم، معظما لدينهم، مع ما في بعض الأخبار من زيادة فيها تحسين لما فعلوه. وكثير من الناس ينكر ذلك ويكذبه، مثل ما ذكره من ظهور الصليب، ومن مناظرة إيريوس وغير ذلك. فإن كثيرا من الناس يخالفه فيما ذكر، ويذكر أن أمر ظهور الصليب كان بتدليس وتلبيس وحيلة ومكر. ويذكر أن أريوس لم يقل قط إن المسيح خالق، ولكن المقصود أنه إذا صدق هذا فيما ذكره، فإنه بيّن أن عامة الدين الذي عليه النصارى ليس مأخوذا عن المسيح، بل هو من ابتداع طائفة منهم، وخالفهم في ذلك آخرون، وأنه كان بينهم العداوة والاختلاف في إيمانهم وشرائعهم. ما يصدق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا عَلَيْهِم مِّيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. والنصارى يقرون بما ذكره هذا البطرك، أن أول ملك أظهر دين النصارى هو قسطنطين، وذلك بعد المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، وهو نصف الفترة التي بين المسيح ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فإنهما كان ستمائة سنة أو ستمائة وعشرين. وإذا كان النصارى مقرين بأن ما هم عليه من الإيمان صنعه طائفة منهم، مع مخالفة آخرين لهم فيه، ليس منقولا عن المسيح، وكذلك ما هم عليه من تحليل ما حرمه الله ورسوله، وكذلك قتال من خالف دينه وقتل من حرم الخنزير، مع أن شريعة الإنجيل تخالف هذا، وكذلك الختان، وكذلك تعظيم الصليب. وقد ذكروا مستندهم في ذلك أن قسطنطين رأى صورة صليب كواكب، ومعلوم أن هذا لا يصلح أن ينبني عليه شريعة، فإن مثل هذا يحصل للمشركين عباد الأصنام والكواكب ما هو أعظم منه. وبمثل هذا بدل دين الرسل وأشرك الناس بربهم وعبد الأوثان، فإن الشيطان يخيل هذا وأعظم منه. وكذلك الإزار الذي رآه من رآه، والصوت الذي سمعه، هل يجوز لعاقل أن يغير شرع الله الذي بعثت به رسله بمثل هذا الصوت والخيال الذي يحصل للمشركين عباد الكواكب والأصنام ما هو أعظم منه؟ مع أن هذا الذي ذكروه عن بطرس رئيس الحواريين ليس فيه تحليل كل ما حرم، بل قال: «ما طهره الله فلا تنجسه، وما نجسه الله في التوراة فقد نجسه، ولم يطهره إلا أن ينسخه المسيح». والحواري لم يبح لهم الخنزير وسائر المحرمات، إن كان قوله معصوما كما يظنون. والمسيح صلى الله عليه وسلم لم يحل كل ما حرمه الله في التوراة، وإنما أحل بعض ما حرم عليهم. ولهذا كان هذا من الأوصاف المؤثرة في قتال النصارى، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقد ذكر من لعن بعض طوائف النصارى لبعض في مجامعهم السبعة وغير مجامعهم ما يطول وصفه، ويصدق قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وحينئذ فقول هؤلاء من خالفنا لعناه كلام لا فائدة فيه، فإن كل طائفة منهم لاعنة ملعونة، فليس في لعنتهم لمن خالفهم إحقاق حق ولا إبطال باطل. وإنما يحق الحق بالبراهين والآيات التي جاءت بها الرسل، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقد تقدم ما ذكره سعيد من البطريق من أخبارهم، أنه كان يأتي البطريق العظيم منهم إلى كنيسة مبنية لصنم من الأصنام يعبده المشركون، فيحتال حتى يجعلهم يعبدون مكان الصنم مخلوقا أعظم منه، كملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء. كما كان بالإسكندرية للمشركين كنيسة فيها صنم اسمه ميكائيل، فجعلها النصارى كنيسة باسم ميكائيل الملك، وصاروا يعبدون الملك بعد أن كانوا يعبدون الصنم، ويذبحون له. وهذا نقل لهم من الشرك بمخلوق إلى الشرك بمخلوق أعلى منه. أولئك كانوا يبنون الهياكل ويجعلون فيها الأصنام بأسماء الكواكب، كالشمس والزهرة وغير ذلك، فنقلهم المبتدعون من النصارى إلى عبادة بعض الملائكة أو بعض الأنبياء. ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى كما سمعنا في بيان ضلال النصارى، وأن دينهم لم يؤخذ عن المسيح، بل من ابتداع طوائف منهم. وكما تقدم في فصول سابقة أنهم اختلفوا اختلافا عظيما، وبعد ثلاثمائة وثمانية عشر سنة اجتمعوا ذلكم الاجتماع الذي اجتمع فيه أكثر من ألفي أسقف وقسيس، وتناظروا في محضر الملك قسطنطين. فخلص من ذلك أولئك النفر الذين اجتمعوا قرابة ثلاثمائة وثمانية عشر، وكتبوا ما يسمى بالأمانة الذي عليه عمدة دين النصارى من الملكية، وهم أكثر النصارى اليوم في الأرض. وتقدم معنا مناظرة أريوس، وهو عبد الله بن أريوس لهم، وأنه كان يقر بعبودية عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه عبد وليس بخالق، ولا كذلك يصح أن يقال فيه أنه ابن الله. وكان عليه من يسمى بالأريسيين نسبة إليه، هم أكثر النصارى في جهة السودان والحبشة وما حولها، ومنه دين النجاشي رحمه الله ورضي الله عنه. فالحاصل أراد أن يبين أنهم اختلفوا اختلافا عظيما، ومن أعظم أسباب اختلافهم كونهم أخذوا هذا الدين من غير ما جاء به المسيح عليه الصلاة والسلام. ومن الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا عَلَيْهِم مِّيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. ثم ذكر بعض الأمثلة والحوادث التي تدل أنهم بلغ بهم الأمر إلى أنواع من الشرك، حتى عبدوا الملائكة والأنبياء مجاراة لشرك المشركين من أهل الروم قبل ذلك، وكانوا يعبدون الأفلاك. وهذا يدل على ما أشار إليه الشيخ رحمه الله تعالى في هذا الفصل من أن النصارى في الحقيقة دينهم قائم على هوى، فلم يأخذوه عن نبيهم، فضلا أن يعزعموا أنه دين الله، بل دينهم مختلفون فيه، وأخذه بعضهم من بعض من جاء بعد المسيح، كما ذكر بأكثر من 300 عام. قال: فصل ردود على اللاهوت والناسوت. وقد حصل بما ذكرناه الجواب عن قولهم: وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح طبيعتان: طبيعة اللاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه، وطبيعة الناسوتية التي أخذت من مريم العذراء، واتحدت به. وعرف أن هذا قول من أقوال النصارى، وأن لهم أقوالا أخرى تناقض هذا، كل فريق منهم يكفر الآخر، إذ كانوا ليسوا على مقالة تلقوها عن المسيح والحواريين، فليس لهم مقالات ابتدعها من ابتدعها منهم، فظلوا بها وأظلوا، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فذكر سبحانه أنهم أظلوا من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. والنصارى أمة يلزمهم الضلال الذي أصله الجهل، ولا يوجد قط من هو نصراني باطنا وظاهرا إلا وهو ظالم جاهل بمعبوده وبأصل دينه، لا يعرف من يعبد ولا بماذا يعبد، مع اجتهاد من يجتهد منهم في العبادة والزهد ومكارم الأخلاق. ثم يقال على هؤلاء قولهم: طبيعتان، ويقولون أيضا: له مشيئتان، ويقولون أيضا: إنه شخص لم يزد عدده. فإنهم يقولون: إنهم اتحدا كما ذكروه في كتابهم، هذا لا يقولون بشخصين، لئلا يلزمهم القول بأربعة أقانيم. ومنهم من يقول: هما جوهران، ومنهم من يقول: جوهر واحد. فإن قالوا: هو جوهر واحد، صار قولهم من جنس قول العقولية، لا سيما وهم يقولون: إن مريم ولدت اللاهوت والناسوت، وإن المسيح اسم يجمع اللاهوت والناسوت، وهو إله تام وإنسان تام. فإذا كان جوهرا واحدا، لزم من ذلك أن يكون اللاهوت قد استحال وتغير، وكذلك الناسوت، فإن الاثنين إذا صارا شيئا واحدا، فذلك الشيء الثالث ليس هو إنسانا محضا ولا إلها محضا، بل اجتمعت فيه الإنسانية والإلهية. مع أنه قد كان الإنسان والإله اثنين متباينين، وهما في اصطلاحهم جوهران، فإذا صار الجوهران جوهرا واحدا لا جوهرين، فقد لزم ضرورة أن يكون هذا الثالث ليس هو إلها محضا ولا إنسانا محضا، ولا جوهران إنسانا وإلها، فإن هذين جوهران لا جوهر واحد، بل هو شيء ثالث اختلط وامتزجا واستحال من هذا وهذا. فتبدلت حقيقة اللاهوت وحقيقة الناسوت، حتى صار هذا الجوهر الثالث الذي ليس له لاهوت محض ولا ناسوت محض، كسائر ما يعرف من الاتحاد. فإن كل اثنين اتحدا فصارا جوهرا واحدا، فلابد في ذلك من الاستحالة، كما في اتحاد الماء واللبن والخمر وسائر ما يختلط بالماء. بخلاف الماء والزيت، فإنهما جوهران كما كانا، لكن الزيت لاصق بالماء وطفى عليه لم يتحد به. ومثل اختلاط النار والحديد، فإن الحديد استحال عما كان، ولهذا إذا برد عاد إلى ما كان. وهكذا اتحاد الهواء مع الماء والتراب، حتى يصير بخارا أو غبارا، وأمثال ذلك. وفي الجملة، فجميع ما يعرفه الناس من الاتحاد، إذا صار الاثنان واحدا وارتفعت الثنوية، فلابد من استحالة الاثنين. وإذا قيل في طبيعة الاثنين ومشيئة الاثنين، كما في الماء واللبن قوة الماء وقوة اللبن، قيل: لابد مع ذلك أن تتغير كل قوة عما كانت عليه، فتنكسر الأخرى، كما يعرف في سائر صور الاتحاد. إذا اتحد هذا مع هذا، كسر كل منهما قوة الآخر عما كانت عليه، كما إذا اتحد الماء البارد بالماء الحار، إن كسرت قوة الحر قوة البرد عما كانت، فيبقى المتحد مرتبة متوسطة بين البرد المحض والحر المحض. وكذلك الماء واللبن، وسائر صور الاتحاد. وعلى هذا، فيجب إذا اتحد اللاهوت والناسوت أن تتغير قوة اللاهوت وطبيعته ومشيئته عما كانت، وتنكسر قوة الناسوت وطبيعته ومشيئته عما كانت عليه، ويبقى هذا المتحد ممتزجا من اللاهوت وناسوت. وذلك يستلزم نقص اللاهوت عما كان، وبطلان كماله، كما أنه يوجب من كمال الناسوت ما لم يمكن ما لم يكن. فكل ما يصفون به الناسوت من اتحاد اللاهوت به، فهو مستلزم من نقص اللاهوت وسلب كماله الذي يختص به، وبطلان صفاته التامة بحسب ما حصل له من ذلك الناسوت بحكم الاتحاد. وإلا، فإن كان اللاهوت كما كان، فلا اتحاد بوجه من الوجوه، بل الناسوت كما كان، ثم هما اثنان لم يتحد، لم يتحد أحدهما بصاحبه، ولا صارا شيئا واحدا. وأيضا، فمع كون الجوهر واحدا، يجب أن تكون مشيئته واحدة وطبيعته واحدة، فإنه لو كان مشيئتين، لكان محل إحدى المشيئتين إن كان هو محل الأخرى، مع تضاد موجب المشيئتين، لزم اجتماع الضدين في محل واحد. فإن الإرادة الناسوتية تطلب الأكل والشرب، وأن تعبد وتصوم وتصلي، واللاهوتية توجب امتناعه من إرادة هذه الأشياء، وإرادته أن يخلق ويرزق ويدبر العالم. والناسوتية تمتنع من هذه الإرادة، فإذا قامت الإرادتان والكراهتان بمحل واحد، لزم أن يكون ذلك الجوهر الموصوف بهذا وهذا مريدا للشيء، ممتنعا من إرادته، غير مريد له، كارها للشيء، غير كاره له. وذلك جمع بين النقيضين من وجوه متعددة، ويمتنع أن يقوم بالموصوف الواحد إرادتان جازمتان بالشيء ونقيضه، أو كراهتان جازمتان للشيء أو نقيضه. والفعل لا يقع إلا بإرادة جازمة مع القدرة، فاللاهوت ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ومتى شاء شيئا مشيئة جازمة، فإنه على ما شاء قادر. والناسوت لا يفعل شيئا من خصائص البشرية حتى يريد ذلك إرادة جازمة. والناسوت يمتنع أن يريد إرادة اللاهوت، ويكره ذلك، فيصير الشيء الواحد مريدا لشيء إرادة جازمة، قادرا عليه، ليس مريدا له إرادة جازمة، بل هو عاجز عنه. ويلزم أيضا إذا كان جوهرا واحدا، وقد ولد وصفع وضرب وصلب ومات وتألم، أي يكون نفس اللاهوت ضرب وصلب ومات وتألم، كما تقوله العقولية. وهذا لازم لجميع النصارى، وهو موجب عقيدة إيمانهم. فإن قالوا: بل هما جوهران، مع كونهما عندهم شخصا واحدا لا تعدد فيه، كما يقوله من يقول من الملكية، كان هذا كلاما متناقضا. فإن الشخص الواحد الذي لا تعدد فيه جوهر واحد. ولهذا حد بأنه جسم. وإن شبهوا ذلك بالنفس مع الجسد، لزمهم المحذور، فإن الإنسان كما يقال فيه إنه شخص واحد، يقال إنه جوهر واحد، بما بينهما من الاتحاد. ولهذا يحد بأنه جسم حساس تام متحرك بالإرادة ناطق، هذا يتناول جسده وروحه. وللنفس والبدن مشيئة واحدة، ومتى شاء الإنسان الفعل مشيئة جازمة مع قدرته عليه، فعله، ولم يكن معه جوهر آخر له مشيئة غير مشيئته. فإذا شبهوا اتحاد اللاهوت بالنسوت بهذا، لزمهم أن يكون جوهرا واحدا ومنشيئة واحدة، وهذا قول العقولية. ولهذا تألم النفس بما يحدث في الجسد من الآلام، وتتألم الجسد الذي هو القلب الصنوبر بما يحدث في النفس من الآلام. فإذا تألمت النفس تألم قلب الجسد وغير قلب الجسد. وكذلك إذا تألم الجسد، وإذا صفع الجسد وصلب وبصق في وجهه، ووضع الشوك عليه وتألم ومات، كان ذلك كله حالا بالنفس، ونالها من إهانة الصفع وألم النزع ما ينالها. كما يسلمون لله أنه حل بنفس المسيح بدنه، فإنهم لا يتنازعون أن الإله حل ببدن المسيح ونفسه. وإنما يتنازعون في اللاهوت مع أن النفس مفارقة للبدن بالموت، واللاهوت عندهم لم يفارق الناسوت بالموت، بل صعد إلى السماء. والمسيح الذي هو إله تام وإنسان تام يقعد عن يمين أبيه، وكذلك يجيء يوم القيامة. وأيضا، في البدن إذا كانت فيه النفس تتغير صفاته وأحكامه وتختلف أحواله باجتماعها وافتراقها. والنفس إذا كانت في البدن تختلف صفاتها وأحكامها، فيلزم أن يكون ناسوت المسيح مخالفا في الصفات والأحكام لسائر النواسيت، وأن يكون اللاهوت لما اتحد به تغير الصفات وأحكامه. وهذا هو الاستحالة والتغير والتبدل للصفات. مع أن ناسوت المسيح كان من جنس نواسيت البشر، لم يظهر عليه إلا ما ظهر مثله على غيره، بل ظهر على غيره من خوارق العادات أكثر مما ظهر عليه. وبالجملة، فأي مثل ضربوه للاتحاد كان حجة عليهم، وظهر به فساد قولهم. وإن قالوا: هذا أمر لا يعقل، بل هو فوق العقول، كان الجواب من وجهين: أحدهما أنه يجب الفرق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه، وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته. فالأول من محالات العقول، والثاني من محارات العقول. والرسل يخبرون بالثاني، وأما الأول فليقل به إلا كاذب. ولو جاز أن يقول هذا، لجاز أن يقال: إن الجسم الواحد يكون أبيض أسود في حال واحدة، وإنه بعينه يكون في مكانين، وإن الشيء الواحد يكون موجودا معدوما في حال واحدة، وأمثال ذلك مما يعلم العقل امتناعه. وقول النصارى مما يعلم بصريح العقل أنه باطل، ليس هو مما يعجز عن تصوره. يوضح هذا أنه لو قال قائل في مريم أم المسيح: امرأة الله وزوجته، وأنه نكحها نكاحا عقليا كما يقولون إن المسيح ولده ولادة عقلية، لم يكن هذا القول أفسد في العقل من قولهم في المسيح، كما قد بسطناه في موضعه، وهم يكفرون من يقول ذلك، ويحتجون بالعقل على فساده. وإذا قال: هذا فوق العقل، لم يقبلوه. وكذلك كل طائفة من طوائفهم احتجت على الأخرى بالعقل، وإذا قالوا: قولنا فوق العقل، لم يقبلوا هذا الجواب. فإن كان هذا جوابا صحيحا، فيجب أن لا يبحث في شيء من الإلهيات بالعقل، بل يقول كل مبطل ما شاء من الباطل، ويقول: كلامي فوق العقل، كما يقول أصحاب الحلول والاتحاد والوحدة الذين يقولون: إن وجود الخالق وجود المخلوق، ويقولون: إن هذا فوق العقل، وإنه يعلم بالذوق لا بالسمع ولا بالعقل. والوجه الثاني أن يقال: ما يعجز العقل عن تصوره إذا أخبرت به الأنبياء عليهم السلام، قبل منهم، لأنهم يعلمون ما يعجز غيرهم عن معرفته. وهذه الأقوال لم يقلها الأنبياء، بل نفس فرق النصارى قالوها بآرائهم، وزعموا أنهم استنبطوها من بعض ألفاظ الكتب. فيقال لمن قالها منهم: أنت تتصور ما تقول أم لا تتصوره وتفهمه وتعقله؟ فإن قال: لا أتصور ما أقول ولا أفقهه ولا أعقله، قيل له: قد قلت على الله ما لا تعلم، وقفوت ما ليس لك به علم. ومن أعظم القبائح المحرمة في جميع الشرائع أن يقول الإنسان برأيه على الله قولا لا يتصوره ولا يفهمه. وجميع العقلاء يعلمون أن من قال قولا وهو لا يتصوره ولا يفقه، فإن قوله مردود عليه، غير مقبول منه، وإن قوله من الباطل المذموم. وإن قال قائلهم: إني أفقه ما أقول وتصوره وأعقله، قيل له: بينه لغيرك حتى يفقه ويعقله ويتصوره، ولا تقول: هو فوق العقل، بل هو قول قد عقلته وفقهته. وهذا تقسيم لا محيد لهم عنه، فإنهم إن كانوا يفقهون ما يقولون ويعقلونه، لزم أن يكون معقولا. وإن كانوا لا يفقهونه ولا يعقلونه، لزم أنهم قالوا على الله ما لا يفقهونه ولا يعقلونه، قولا برأيهم وعقلهم، لا نقلا لألفاظ الأنبياء. فإن من نقل ألفاظ الأنبياء الثابت عنهم، لم يكن عليه أن يفقه ويعقل ما يقول. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نظر الله امرأة سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه». ولا يعقله. فمن نقل لفظ التوراة أو الإنجيل أو القرآن أو ألفاظ سائر الأنبياء، لم نطالبه ببيان معناه، بخلاف من ادعى أنه فهم ما قاله الأنبياء، وعبر عن ذلك بعبارة أخرى، فإنه يقال له: إن كنت فهمت ما قالوه، فهو معنى واحد، عبروا عنه بعبارة، وعبرت عنه بعبارة أخرى، كالترجمان. فهذا يعقل ما يقول ويفقه. وإن قال: إني لم أفهم كلامهم أو لم أفهم ما قلته، فقد اعترف بجهله وظلاله، وأنه من الذين لم يفهموا كلام الأنبياء عليهم السلام، ولم يفقه ما قالوه. هم. فلو قالوا: لم نفهم كلام الأنبياء وسكتوا، لكانوا أسوة أمثالهم من الجهال بمعاني كلام الأنبياء. وأما إذا وضعوا عبارة وكلاما ابتدعوه، وأمروا الناس باعتقاده، وقالوا: هذا هو الإيمان والتوحيد، وقالوا: مع هذا لا نتصور ما قلناه ولا نفقه ولا نعقله، فهؤلاء من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفترون على الله وعلى كتب الله وأنبياء الله بغير علم. بل يقولون الكذب المفترى والكفر الأضح، ويقولون مع ذلك: إن لا نعقله. وهذا حال النصارى بلا ريب. وهذا الموضع غلط ألطأ فيه طائفتان من الناس: غالية غلطت في المعقولات حتى جعلت ما ليس معقولا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول. وطائفة جفت عنه، فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات. وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان. فيجب أن يعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، بخلاف الباطل، فإنه مختلف متناقض. كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. وإن ما علم بمعقول صريح لا يخالفه قط لا خبر صحيح ولا حس صحيح. وكذلك ما علم بالسمع الصحيح لا يعارضه عقل ولا حس. وكذلك ما علم بالحس الصحيح لا يناقضه خبر ولا معقول. والمقصود هنا الكلام مع من يعارض المعقولات بسمع أو حس. فنقول: لفظ المعقول يراد به المعقول الصريح الذي يعرفه الناس بفطرهم التي فطروا عليها، من غير أن يتلقاه بعضهم عن بعض، كما يعلمون تماثل المتماثلين واختلاف المختلفين. أعني اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد والتباين. فإن لفظ الاختلاف يراد به هذا وهذا. وهذه المعقولات في العلميات والعمليات هي التي ذم الله من خالفها بقوله: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. وأما ما يسميه بعض الناس معقولات ويخالفه فيه كثير من العقلاء، مثل القول بتماثل الأجسام وبقاء الأعراض، وأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة، أو من المادة والصورة، وأن ما لا يتناهى من الأمور المتعاقبة شيئا بعد شيء، يمتنع وجوده، إما في الماضي والمستقبل، أو في الماضي فقط. أو أن الكليات موجودة في الخارج جواهر قائمة بأنفسها، أو أن لنا دهرا أو مادة هي جوهر عقلي قائم بنفسه، أو أنه يمكن وجود جوهر قائم بنفسه لا يشار إليه، ونحو ذلك مما يعده من يعده من النظار أنه عقليات، وينازعهم فيه آخرون، فليس هذا هو العقليات التي لا يجب لأجلها رد الحس والسمع، وتبنى عليها علوم بني آدم. بل المعقولات الصحيحة الدقيقة الخفية ترد إلى معقولات بديهية أولية، بخلاف العقليات الصريحة، مثل كون الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد معا. فإن هذا معلوم بفطرة الله التي فطر الناس عليها. وإذا جاء في الحس أو الخبر الصحيح ما يظن أنه يخالف ذلك، مثل أن يرى الشخص الواحد في عرفات وهو في بلده لم يبرح. أو يرى قاعدا في مكانه وهو في مكان آخر، أو يرى أنه أغاث من استغاث به أو جاء طائرا في الهواء، مع العلم بأنه في مكانه لم يتغير منه، فهذا إنما هو جني تصور بصورة ذلك الشخص، ليس هو نفسه، فهذا يشبهه ليس هو إياه. والحسيات إن لم يميز بينها بالعقل، وإلا فالحس يغلط كثيرا. فكذلك من ادعى فيما حصل له من المكاشفة والمخاطبة أمرا يخالف صريح العقل، يعلم أنه غالط فيه، كمن قال من القائلين بوحدة الوجود: إني أشهد بباطني وجودا مطلقا مجردا عن الأسماء والصفات، لا اختصاص فيه ولا قيد البتة، فلا يتنازع في هذا كما قد ينازعه بعض الناس. لكن يقال له: من أين لك أن هذا هو رب العالمين الذي خلق السماوات والأرض؟ كون ما شهدته بقلبك هو الله أمر لا يدرك بحس القلب. وإذا ادعيت أنه حصل لك في الكشف ما يناقض صريح العقل، علم أنك غالط. كما قال شيخ هؤلاء الملاحدة: «يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني، والوجد أصدق نهار وأماري، فإن أطعك وأعصي الوجد، عدت عما عن العيان إلى أوهام أخباري، وعين ما أنت تدعوني إليه إذا حققت فيه تراه النهي يا هجاري». فيقال له: وجدك وذوقك لم يفدك إلا شهود وجود مطلق بسيط، لكن من أين لك أن هذا هو رب العالمين؟ بل من أين لك أن هذا ثابت في الخارج عن نفسك كليا مطلقا مجردا؟ بل إنما تشهده كليا مطلقا مجردا في نفسك، ولست تعلم بحس ولا عقل ولا خبر أن هذا هو في الخارج. كما أن النائم إذا شهد بحسه الباطن أشياء لم يكن معه يقين أن هذا في الخارج. فإذا عاد إليه عقله علم أن هذا كان في خياله في المنام. وكذلك السكران وغيره ممن يضعف عقله، فهذا يشهد بحسه الباطن أو الظاهر أشياء، وقد ضعف عقله عن كنه ذلك لما ورد عليه. وإذا ثاب إليه عقله علم أن ما شهده كان في نفسه وخياله لا في الخارج عن ذلك. فكل من أكبر بما يخالف صريحا منقولا أو صريحا معقولا، يعلم أنه وقع له غلط. وإن كان صادقا فيما يشهده في الحس الباطن أو الظاهر، لكن الغلط وقع في ظنه الفاسد المخالف صريح العقل، لا في مجرد الحس. فإن الحس ليس فيه علم بنفي أو إثبات. فمن رأى شخصا فليس في الحس إلا رؤيته، وأما كونه زيدا أو عمرا فهذا لابد فيه من عقل يميز بين هذا وهذا. ولهذا كان الصغير والمجنون والبهيم والسكران والنائم ونحوهم لهم حس، ولكن لعدم العقل لا يميزون أن هذا المشهود هو كذا أم كذا. فلقد يظنون ظنونا غير مطابقة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. فالظمآن يرى أن ما ظنه ماء ولم يكن ماء لاشتباه بالماء. والحس لم يغلط، لكن غلط عقله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون من أن يقولوا على الله إلا الحق، ولا ينقلون عنه إلا الصدق. فمن ادعى في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول، كان كاذبا. بل لا بد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك المنقول ليس بصحيح. فما علم يقينا أنهم أخبروا به، يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه. وما علم يقينا أن