شرح السياسة الشرعية  47

شرح السياسة الشرعية 47

الدرس في شرح السياسة الشرعية 47، الدرس السابع والأربعون:من( الفصل الثامن:جهاد الكفار ... فأما إذا بدأوا المسلمين فيتأكد قتالهم كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الجهاد وأهميته في الإسلام

يشرح الشيخ ابن بريك مفهوم الجهاد في الإسلام وأهميته، موضحًا أنه يكون لدين الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. الجهاد ليس لإجبار الناس على الإسلام بل يدعون إلى إحدى ثلاث: الإسلام أو دفع الجزية أو القتال.

فضل الجهاد والرباط وأحكامه

يتناول المقطع الأحاديث النبوية التي تبين فضل الجهاد والرباط في سبيل الله، مشيرا إلى شروط القتال وعدم جواز قتل النساء والصبيان والشيوخ والعجزة إلا إذا قاتلوا أو أعانوا على القتال.

قتال الممتنعين عن شرائع الإسلام

يجب قتال الطائفة الممتنعة عن بعض شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة حتى يلتزموا بها، مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

أهمية تعلم اللغات الأعجمية في التواصل

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بتعلم اللغات الأعجمية لقراءة الرسائل الواردة إليه، مما يدل على أهمية التواصل والتعامل مع الثقافات الأخرى.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه «السياسة الشرعية» في الفصل الثامن: «جهاد الكفار». قال: «العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم، والثاني عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال فاصل». قال: «هذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله، وكل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وذلك لأن الشرك والكفر أعظم فتنة، ولذلك يقاتلون حتى تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا وشركوا وأشركوا هي السفلى. ولأجل أن لا يحول أحد بين الناس ونياتهم، فرؤوس الكفر وهم الذين تقوم عليهم دول الكفر يحولون بين الناس ودين الله. لكن إذا صارت كلمة الله العليا، فعند ذلك يكون الأمر لله جل وعلا وحده. فعند ذلك يحيى من حي عن بينة، ويهلك من يهلك عن بينة. وكونهم يقاتلون لا يعني أن يلزمون بدخول الإسلام، كما هو متقرر معلوم من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. ولكن يدعون إلى إحدى ثلاث: إما أن يسلموا، وإما أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما أن يأبوا هذا وهذا، فعند ذلك يكون القتال». قال رحمه الله: «وكان الله لما بعث نبيه صلى الله عليه وسلم أمره بدعوة الخلق إلى دينه، لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، يعني في أول الإسلام. قال: «حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:39]، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40]، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:41]. ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216]. وأكد الإيجاب وعظم أمر الجهاد في عامة السور المدنية، وذم التاركين له ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب. فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:24]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:15]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:20-21]، قال: «وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ»؛ يعني الأدلة التي فيها إيجاب الجهاد في سبيل الله، وتعظيم أمره، وذم التاركين له، ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب. قال رحمه الله: «وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله في سورة الصف، التي يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:10-13]. والشاهد أن الله عز وجل أثنى في هذه الآية على أهل الجهاد، وعظم أمرهم، وجعل لهم هذا الجزاء العظيم والثواب الجزيل». قال: «وكقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يَبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:19-22]. وهذه كذلك الشاهد منها ما ذكره الله عز وجل من الجزاء العظيم للمجاهدين في سبيله، وأنهم أعظم أجرا وفضلا ممن يقوم بسقاية الحاج أو يعمر المسجد الحرام». قال رحمه الله: «وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:54]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:120-121]. فذكر ما يتولد عن أعمالهم ويباشرونه من الأعمال، والأمر بالجهاد، وذكر فضائله بالكتاب والسنة أكثر من أن يحصر». قال رحمه الله: «ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع وصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ». والحديث حديث معاذ المشهور في الأربعين، الذي رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وهو حديث صحيح. والشاهد جعل الجهاد ذروة سنام هذا الدين». قال: «وقال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ». متفق عليه. وهذا هو الشاهد إذا عد الله للمجاهدين هذه الدرجات العظيمة، وهذا يدل على عظيم فضلهم». قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». والحديث كما قال في البخاري في بعض النسخ: «قَالَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ». وفي بعض النسخ ليس فيه ذكر: «رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ». فإذا كان هذا من اغبرت قدماه، فكيف بمن كان أكثر من ذلك؟ وقد حرم الله من كان كذلك على النار». قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ أَجْرَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَآمَنَهُ مِنْ الْفَتَّانِ». أو «الْفَتَّانِ» يجوز «فتان» واحد، «فتان» جمع. والحديث بصحيح مسلم، أصله بصحيح مسلم». قال: «وبالسنن. والشاهد منه هذا الفضل في الرباط، فكيف الجهاد؟ وهو تتنوع فيه الأعمال من رباط ومن كر وفر وغير ذلك». قالوا في السنن: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ». وهو حديث حسن كما أشار المعلق. حسنه جماعة، جاء من حديث عثمان وغيره. والشاهد أنه جعله -أي الرباط- «رِبَاطُ يَوْمٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ». وهذا يدل على عظيم فضل وثواب المرابطين في سبيله». قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قال الترمذي: «حَدِيثٌ حَسَنٌ». وهذا كذلك كما قال رحمه الله، وفيه فضل الحراسة في سبيل الله. وكل ما ذكر فيه، فالأصل أنه الجهاد في سبيل الله، ويدخل فيه ما كان بمعناه مما هو في سبيل الله، ولكن أفضله وأعظمه وأوله الجهاد في سبيل الله». قال: «وفي مسند الإمام أحمد: «حَرَسَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا وَيُصَامُ نَهَارُهَا». وهذا الحديث معناه صحيح، وإن كان بعضهم ضعفه، ولكن معناه صحيح. وبعضهم حسنه كما ترون تصحيحه عن جماعة، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله». قالوا في الصحيحين: «أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لَا تَسْتَطِيعُهُ». قال: «أَخْبِرْنِي». قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ وَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ؟» قال: «لَا». قال: «فَذَلِكَ الَّذِي يَعْدِلُ الْجِهَادَ». والحديث له روايات، وهو في الصحيحين كما ذكر. وفيه أن الجهاد في سبيل الله يعدل هاتين العبادتين على وجه الاستمرار». قالوا في السنن: «أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ سِيَاحَةً وَسِيَاحَةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وهذا الحديث كذلك كما ترون. أشار إلى أن بعض أهل العلم حسنه، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله. وبعضهم ضعفه، ومعناه صحيح؛ إذ المراد بالسياحة ها هنا ما يصاحب المجاهد في سبيل الله». قال: «وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار. فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومجمل على جميع أنواع العبادات الباطن والظاهرة؛ فإنه مجمل من محبة الله تعالى والإخلاص له. ولا أدل على ذلك من أن يبذل نفسه وماله في سبيل الله». قال: «والتوكل عليه؛ وذلك بترك أهله وولده وخروجه باذلا نفسه وماله في سبيل الله». قال: «وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر؛ فلهذا صار أفضل الأعمال». قال: «والقائم به من الشخص والأم بين إحدى الحسنيين دائما؛ يعني إن كانوا جماعة، وإن كان شخصا إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة؛ كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:52]. والمراد بالحسنيين النصر والظفر أو الشهادة والجنة». قال: «ثم إن الخلق لابد لهم من محيا وممات؛ ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة. فإذا كان المحيا لعبادة الله، فليكن الممات كذلك في بقاء العبادة لله». قال: «وفي تركه وذهاب السعادتين أو نقصهما؛ يعني ترك الجهاد سبب في ذهاب السعادتين: سعادة الدنيا التي لا يسعد الإنسان فيها إلا بعبادة الله، وأن تكون سعادة وكلمة الذين كفروا هي العليا، أو نقصهما بما يكون كذلك من تسلط الكفار والفجار». قال: «فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة منفعتهما؛ فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد. وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت؛ فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات». قال: «وإذا كان أصل القتال المشروع والجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتل كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن -يعني صاحب العاهة كالمشلول وغيره ونحوهم- فلا يقتل عند جمهور العلماء». قال: «إلا أن يقاتل بقوله أو فعله؛ بقوله: بأن يكون من أهل المشورة، فإن كان من أهل المشورة عابد فإنه يقتل. أو كانت امرأة ملكة لهم تأمرهم بالقتال، فكذلك تقتل. أو فعله: بأن يقاتل معهم إذا وجد، فكذلك». قال: «وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين. والأول هو الصواب؛ لأن بعضهم استثنى بالدليل ذكر النساء والصبيان. ولأنهم غنيمة، فهم من الذراري الذين يغنمون. ولكن الصحيح الأول؛ فإن عمومات الأدلة تدل عليه، وأصول الشريعة تدل عليه. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. ولكنه مشروط بما تقدم: أن لا يحصل منهم إعانة على القتال؛ أي الكفار للمسلمين لا بقول ولا بفعل». قال: «لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة:190]. والنساء والصبيان والشيوخ والزمن وصاحب العاهة والأعمى والعابد ليسوا ممن يقاتلون». قال: «﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:190]. ومن الاعتداء قتل من لا يقاتل». قالوا بالسنن عنه صلى الله عليه وسلم: «أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه، وقد وقف عليها الناس، فقال: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ». غضب النبي عليه الصلاة والسلام كونهم قتلوا امرأة». قال: «وَلِأَحَدِهِمْ: الْحَقْ بِخَالِدٍ فَقُلْ لَهُ لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا». «الذرية» يعني النساء والأطفال، و«العسيف» يعني الأجير من الخدم ونحوهم؛ فإن كان في مهنته خادما فلا يقتل. وهذا الحديث حديث حسن، وهو يؤيد ما سبق». قال: «وفيه أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: «كَانَ يَقُولُ: لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً». وهو حديث ضعيف كما أشار المعلق، جاء من حديث أنس. ولكن معناه صحيح لعمومات الأدلة في هذا الباب، ورويت فيه آثار كثيرة». قال: «وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه بصلاح الخلق؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:191]؛ أي أن القتل وإن كان فيه شر ومفسدة، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه. فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه؛ مثل الصبي والمرأة والخادم والشيخ الكبير والأعمى ونحوهم». قال: «ولهذا قال الفقهاء: إن الداعي إلى البدع المخالف للكتاب والسنة يعاقب بما لا يعاقب به الساكت؛ لماذا؟ لأن الساكت شره على نفسه، والداعي شره متعد. ولهذا فالداعي يعاقب بعقوبة أشد؛ حتى إن بعضهم -كما مر معنا- قد جعل من تعزيره القتل، لكنه يقيد بما تقدم: إما أن تكون بدعته الكفر، أو يكثر منه ما لا يندفع؛ يكثر منه الإفساد ما لا يندفع شره إلا بالقتل». قال: «وجاء في الحديث: «الْخَطِيئَةُ إِذَا أُخْفِيَتْ لَمْ تُضِرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا وَلَكِنْ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ». وهذا معناه صحيح». قال: «ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم. بل إذا أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال -مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة- فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء؛ كما دل عليه الكتاب والسنة. وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه مفاداته منسوخا. والصحيح ما قدمه». قال: «فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم؛ إلا أن عامتهم لا يأخذونها من العرب -يعني المشركين-». قال: «وقال العلماء: الحكم في ذلك أن الله عز وجل أمر نبيه أن يطهر جزيرة العرب من الشرك، وقد وجد في جزيرة العرب بعض المشركين والمجوس. ومع ذلك لم تقبل منهم جزية. وأما أهل الكتاب، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم في آخر حياته؛ فعلم أنه لم يبق للمشركين والكافرين في جزيرة العرب مكان. وهذا هو القول الذي تجتمع به الأدلة في هذا الباب». قال: «فالأصل هو التخيير بين الجزية والإسلام أو القتال؛ فإن كان هذا في حق من في جزيرة العرب، فلا يكون تخييرا؛ بل يؤمرون بالإسلام أو الخروج من جزيرة العرب». قال: «على أن بعض أهل العلم استدل بما وقع في أول الإسلام من بقاء بعض أهل الكتاب، وهكذا زمنا في عهد الخلفاء». قال: «إلا أن يكون للمسلمين في بقائهم حاجة؛ فيدخلون بأمان أو عهد أو جزية في غير جزيرة العرب؛ كأن يكون جزاؤه مثلا في أطراف الجزيرة، لكن يدخل إلى جزيرة العرب لأجل التجارة؛ فينفع المسلمين وينتفعون منه، أو غير ذلك مما يحتاج إليه المسلمون». قال رحمه الله تعالى: «وأي طائفة ممتنعة تسمى بالإسلام، ممتنعة من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين؛ حتى يكون الدين كله لله؛ كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة». قال: «وكان قد توقف في قتالهم بعض الصحابة، ثم اتفقوا؛ حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: «كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ؟» فقال له أبو بكر: «فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا. وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا». قال عمر: «فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ». قال: «وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه أمر بقتال الخوارج». قال: «ومما يؤيد قول أبي بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ». فذكر الزكاة مع الصلاة». قال: «وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج؛ ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال: «وفي رواية لمسلم عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ قِرَاءَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ». قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِي يُصِيبُهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ». قال: «فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لما حصلت الفرقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون الحرورية؛ لأنهم كانوا يسكنون حرورا، مكان، وقيل غير ذلك». قال: «وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن كل الطائفتين المفترقتين من أمته. وفيه دليل على ضلال من كفر الفرقتين من الخوارج وغيرهم، أو أحد الفرقتين من الناصبة أو الروافض». قال: «وأن أصحاب علي أولى بالحق، ولم يحرّض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الإسلام وفارقوا الجماعة واستحلوا دماء من سواهم من المسلمين وأموالهم». قال: «فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين». قال: «وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتين الفجر؛ هل يجوز قتالها؟ على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة؛ فيقاتل عليها بالاتفاق؛ حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات الظاهرة؛ حتى نص العلماء أنهم لو تركوا الأذان فإنهم يقاتلون عليه الأذان». قال: «ويؤدون الزكاة ويصومون شهر رمضان ويحجون البيت، ويلتزمون ترك المحرمات من نكاح الأخوات وأكل الخبائث والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال ونحو ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم؛ بها يقاتلون عليه؛ يعني بهذه الدعوة يقاتلون؛ حتى يكون الدين كله لله». قال: «فالمراد أن يكون الدين كله لله للكفار، وكذلك للفجار». قال: «فأما إذا بدأوا المسلمين؛ فيتأكد قتالهم؛ كما ذكرناه في قتال الممتنعين المعتدين قطاع الطرق». قال: «والله تعالى أعلم». يقول: «هل يجوز تعلم اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأعجمية؟ نعم إذا كان هناك حاجة. وأما إذا كان اغترارا بالكفار وتشبها بهم فلا يجوز. أما إذا كان هناك حاجة فنعم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن يتعلم بعض اللغات الأعجمية لحاجته لقراءة ما يكتب إليه».