حلية طالب العلم 12

الدرس في حلية طالب العلم 12، ألقاها

أهمية اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان أقسام الناس

يبرز أهمية اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين أقسام الناس في تعاملهم معه، حيث ينقسمون إلى غالون وجافون وأهل السنة والجماعة.

وصية الشيخ للطلاب بتقوى الله تعالى

يوصي الشيخ طلابه بتقوى الله في السر والعلانية، ويبين أهمية التقوى في إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وتمييز الحق من الباطل.

تعريف التقوى وبيان أهميتها

يذكر تعريف التقوى بأنه العمل بطاعة الله وترك معاصيه مع رجاء ثوابه وخوف عقابه، ويبين أن التقوى هي العدة لمهبط الفضائل ومتنزل المحامد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحقيقها بتمحض المتابعة، وقفي الأثر للمعصوم. قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾. تقدم التعليق المختصر على هذه الفقرة وأهمية متابعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأهمية التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأن الناس في هذا الباب إما متبع وإما مبتدع، إما أن يكون متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون مبتدعًا فاتحًا باب ضلالة. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه، والحديث عند أصحاب السنن، قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة». فدلالة الحديث واضحة في أن الناس على قسمين: إما مبتدع، أو قل إما متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قد سلك سبل النجاح والخير والفلاح في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون مبتدعًا. لذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «السنة كسفينة نوح، من ركبها نجأ، ومن تخلف عنها هلك»، أو كما قال رحمه الله. وهذا حق، إما أن يكون الإنسان سالكًا مثَل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائرًا على طريقه، وإما أن يكون سالكًا طريقًا آخر من أبواب الضلالة. وقد قال ربنا جل وعلا لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿وأن هذا صراط مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بإسناد صحيح، قال: خط النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خطًا مستقيما، وخط على جوانبه خطوطًا صغيرة، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿وأن هذا صراط مستقيمًا فاتبعوه﴾، أي الصراط المستقيم، وأشار إلى الأخرى، قال: «ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله». وهذا يدلنا كذلك على هذا المعنى: إما أن يكون الإنسان متبعًا لرسول الله فيفلح ويفوز بإذن الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون مفتتحًا باب ضلالة. والناس في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على ثلاثة أقسام: غالٍ، وجافٍ، ووسط. فأما الغالون في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهم من رفعوه فوق منزلته إلى منزلة الإلهية، كحال المتصوفة ومن كان على شاكلتهم، رفعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزلة الرب جل وعلا، فجعلوه محلا لكشف الكروب واستجابة الدعوات، وكذلك أنه يستحق أن يدعى، وأن يستغاث به، وأن يعبد مع الله جل وعلا، وأن له نفعًا ذاتيًا وضرًا ذاتيًا، وهذا من الغلو. وطرف آخر جفوا في حق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهؤلاء أنواع، منهم العقلانيون، العقلانيون لم يعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانته وحقه من الاتباع والتصديق المطلق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل ما وافق عقولهم وهواهم أخذوا به، وما خالف عقولهم ردوه. لذا تجدهم يقسمون الأخبار إلى آحاد ومن متواتر، فيقبلون المتواتر -زعموا- في باب العقائد، ويردون الأخبار -أخبار الآحاد- وإن ثبتت بأصح الأسانيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الجفاء. ثم إذا ثبتت الأسانيد بأسانيد متواترة، انتقلوا إلى أمر آخر، فقالوا: دلالتها ظنية، وإن كانت قطعية الثبوت؛ لأنها متواترة، ولكن دلالتها ظنية، أي دلالة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنية. والوسط هم أهل السنة والجماعة، أهل السنة والجماعة -بحمد الله جل وعلا- يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة شرعية، ويعظمونه ويجلونه، ويحبونه أحب من آبائهم وأبنائهم، بل أنفسهم، لذا لا يقدمون قولا على قوله، ولا رأيًا على رأيه وهديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أخذوه بالتسليم والقبول، وافق عقولهم أم لم يوافق عقولهم، امتثالا لقول الله جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، وامتثالا كذلك لأمر الله جل وعلا في قوله: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾، فهم يطيعون الرسول، وامتثالا كذلك لقول الله جل وعلا: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. فالناس في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -كما سمعتم- على ثلاثة أقسام. قال رحمه الله تعالى: وبالجملة، فهذا أصل هذه الحلية. وهذا يحتمل أن هذه الإشارة عائدة على الأصل الأول الذي هو أن العلم عبادة، ويحتمل أنه عاد على شرطي العبادة، ويحتمل أنه عاد على آخر مذكور، وهو المتابعة. والأظهر الأول؛ لأنه حينما ذكر العلم، قال: العلم عبادة، ثم قال: أصل الأصول في هذه الحلية. فقوله: وبالجملة، فهذا أصل هذه الحلية، عائد إلى ماذا؟ إلى قوله: العلم عبادة. قال: ويقعان منها موقع التاج من الحلة، ومعلوم أن التاج أعظم ما يلبس، إذا لا يلبسه إلا الملوك. قال رحمه الله: فيا أيها الطلاب، ها أنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق طلب العلم، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية؛ فهي العدة، وهي مهبط الفضائل، ومتنزل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن؛ فلا تفرطوا. قوله رحمه الله تعالى: فيا أيها الطلاب، هذا نداء من الشيخ، ومن فوائد النداء التنبيه، فكأن الشيخ يقول للطلاب: انتبهوا لما سيذكر في هذه الحلية. قال: ها أنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وفي هذا تصوير من الشيخ رحمه الله تعالى لحال هؤلاء الطلاب، وكيف تهيئت نفوسهم لتلقي الدرس الذي سيأتي في هذه الحلية. قال: وتعلقتم بأنفس علق، أي تعلقتم بأعظم شيء يتعلق به، تعلقتم بشيء عظيم، وهو طلب العلم. قال: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية؛ فهي العدة. وهذه وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين. قال الله جل وعلا: ﴿لقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾. والله جل وعلا في آيات كثيرة ينبه على هذا الأمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم﴾. قال العلماء رحمهم الله تعالى: في هذه الآيات إشارات، بل وتصريحات من الله جل وعلا إلى أن التقوى لها ثمار عاجلة وثمار آجلة. فمن الثمار العاجلة قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم﴾، هذا متى؟ عاجلة. يصلح لكم أعمالكم، فمن أسباب إصلاح العمل تقوى الله. فتقوى الله جل وعلا مطلوبة لذاتها، وهي كذلك سبب لغيرها. الله جل وعلا أمر بالتقوى، ومع هذا أخبر أن التقوى سبب لإصلاح العمل. قال: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾، وهذه الثمار ماذا؟ مغفرة الذنوب، عاجلة وآجلة؛ لأن من غفر الله جل وعلا له ذنبه لقي ربه جل وعلا وليس عليه ذنب، وهذه نعمة عظيمة، وسبب من أسباب الجنان. قال: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا﴾، يفرق الله جل وعلا به للعبد بين الحق والباطل، وبين السنة والبدعة، وبين الضلالة والهدى، إلى غير ذلك من المعاني، بماذا؟ بتقوى الله جل وعلا. لذا قال الشيخ: فهي العدة، العدة في الدنيا، وكذلك العدة لما بعد الممات. قال: وهي مهبط الفضائل. الإنسان إذا قلب بصره يمينًا وشمالا لرأى أن بتقوى الله جل وعلا تهبط الفضائل بإذنه سبحانه وتعالى. قال: ومتنزل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن؛ سبب للعصمة من الفتن بإذن الله جل وعلا؛ لماذا؟ لأنه فرقان بين الحق والباطل. قال: فلا تفرطوا، أي فلا تفرطوا بهذه التقوى. والتقوى -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- في اللغة من مادة وقى، بمعنى تدور على الوقاية. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تعاريف كثيرة، ومن أحسنها ما ذكره طلق بن حبيب رحمه الله تعالى، قال: سئل عن التقوى، فقال: «العمل بطاعة الله على نور من الله، رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله، مخافة عذاب الله». قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر هذا الأثر-: أبدع وأوجز. أي أبدع في الكلام، أتى بكلام بديع في غاية الجمال والحسن. قال: وأوجز، أي أوجز في العبارة. وهذا يدل على ما ذكره بعضهم في قوله: «كلام السلف قليل، كثير البركة، وكلام الخلف كثير، قليل البركة». قال الذهبي رحمه الله: أبدع وأوجز. قال: فلا تقوى إلا بعمل. ولا عمل إلا بتروي من العلم والاتباع. ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله. فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز. والله تعالى أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على