الدرس في حلية طالب العلم 23، ألقاها
ينبغي لطالب العلم التحلي بخصال الرجولة مثل الشجاعة والبذل في سبيل المعروف. هذه الصفات تجعله رجلًا حقيقيًا وتساعده على أن يكون سباقًا إلى أبواب الخير.
يتناول تنافس الصحابة في فعل الخير، حيث يروي قصة تنافس عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق في التصدق. يُبرز علو همة عمر واستباق أبي بكر للخيرات بتصدقه بكل ماله.
يحذر الأئمة من مخالطة أصحاب الأهواء وأهل السلطة والمال لأنها تؤدي إلى رقة الدين ومداهنة الباطل. كما يحذرون من بيع الدين بعرض من الدنيا يسير ويؤكدون على أهمية الصبر واليقين.
يُحذر من الدخول في خصومات لا فائدة منها، بل قد تؤدي إلى احتقار الناس للشخص ويزدريه أهل الصلاح والخير. يجب تجنب مثل هذه الخصومات لتحقيق السلامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: التاسع: التمتع بخصال الرجولة. أي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بهذه الحلية وأن يتصف بها، أن يتحلى بخصال الرجولة وأن يبتعد عما يهجن هذه الرجولة. قال رحمه الله: «تمتع بخصال الرجولة من الشجاعة وشدة البأس في الحق ومكارم الأخلاق والبذل في سبيل المعروف حتى تنقطع دونك آمال الرجال». قوله رحمه الله تعالى: «تمتع بخصال الرجولة» أن ينبغي لطالب العلم وللسالك درب أهل العلم أن يكون رجلًا حقيقة باتصافه بصفات الرجولة. ومن صفات الرجولة ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا. قال: «من الشجاعة» أن يكون طالب العلم شجاعًا في الحق وعند الحق. ولابد في الشجاعة -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى- أن ينظر في عواقب الأمور، أن ينظر في عواقب الأمور. فإن كانت عاقبة الأمر محمودة فليقدم، فيكون ذلك الإقدام شجاعةً محلها؛ لأنه نظر إلى عاقبة الأمور ونظر أن العاقبة تكون محمودة، إما أن تكون خاصة وإما أن تكون عامة، ما دام أنها محمودة فإنه يقدم عليها، وإلا فإنه يكون متهورًا، وإلا فإنه يكون متهورًا، ولا يكون شجاعًا، ولا يكون شجاعًا، بل يكون متهورًا؛ لأنه لم ينزل الإقدام محله، بل تهورًا، فقدم على شيء أدى ذلك الإقدام به إلى مفاسد وإلى أضرار، ولو أنه تأمل ونظر لكان التصرف بغير ذلك التصرف هو الأولى والأحسن. قال رحمه الله: «وشدة البأس في الحق» بمعنى أن طالب العلم ينبغي له أن يكون قوالًا بالحق، صداعًا بالحق، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لا يداهن. طالب العلم ينبغي له أن لا يداهن في دين الله جل وعلا، بل يقول الحق، قبله من قبله واتعدى أو ترفع عنه من ترفع، لكن ينبغي له أن ينظر في المصالح وكذا في المفاسد. لكن إن كان قول الحق بين أن يقول الحق وبين أن يتركه مداهنة، فلا يترك الحق، بل يقول به، بل يقول به، والله جل وعلا ناصره، والله جل وعلا مؤيده، ما دام أنه أراد بقوله الحق وجه الله جل وعلا. والحق لا يظهر إلا بالحق، لابد أن يكون هناك من يقول الحق ويظهر الحق. لذا قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -كما في الحديث المتواتر-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». لا يضرهم من خالفهم -قال العلماء- من غيرهم، ولا من خذلهم من أنفسهم، بل يقولون الحق ولو كان مرًا، ولو كان مرًا. قال رحمه الله تعالى: «ومكارم الأخلاق» ومكارم الأخلاق. وهذا إذا تأملنا هذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، فإنه داخل تحت معنى المرؤة التي مر معنا ذكرها في الدرس الماضي. فإن الرجولة وقول الحق، وكذا مكارم الأخلاق، إلى غير ذلك من المعاني، كلها داخل في ماذا؟ داخل في المرؤة، كلها داخل في المرؤة. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى -لحكمة رآها- أن ذكر هذا الشيء لزيادة الاهتمام والتنبيه عليه؛ لأن مثله ربما وقع بعض الناس في تفريط وإضاعة، من حيث لا يشعرون. من طلبة العلم ربما حصل منهم ضعف في هذا المجال، فاحتاج الشيخ رحمه الله تعالى إلى التنبيه على هذا. قال رحمه الله: «والبذل في سبيل المعروف». والبذل قد يكون بالمال، وقد يكون بالجاه إن كان عنده جاه، وقد يكون بالشفاعة، وقد يكون بطلب العلم أو بإبلاغ العلم بتبليغ العلم وإيصاله، والدعوة إليه، والدعوة إلى الله جل وعلا. وعلى هذا كله من البذل، هذا كله من البذل. وعلى قدر الحاجة يكون البذل أعظم، على قدر الحاجة يكون البذل أعظم، وكله في سبيل الله جل وعلا. قال: «حتى تنقطع دونك آمال الرجال» أي: حتى يئس، حتى توئس الرجال، حتى يئس الرجال من لحاقك؛ لماذا؟ لأنك سباق إلى كل باب من أبواب الخير، في البذل في المال سباق، في البذل في الجاه سباق، في البذل في إبلاغ دين الله جل وعلا والدعوة إلى الله جل وعلا كذلك سباق، في كل باب من أبواب الخير أن تسبق، حتى أن الرجال يئسوا من أن يدركوك. وتأمل ما جاء في قصة عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما -أفضل الصحابة- رضي الله عنهما وأرضاهما، أبو بكر وعمر، حتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يومًا على الصدقة، ماذا قال عمر رضي الله عنه وأرضاه؟ قال: «اليوم أسبق أبا بكر». من تأمل في هذا المعنى: «اليوم أسبق أبا بكر» دله على معان وفتح له أبوابًا كثيرة من أبواب الخير التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهما. فقول عمر: «اليوم أسبق أبا بكر» يدل على مسابقة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهما إلى خصال الخير وإلى البذل في سبيل الله جل وعلا. وقوله رضي الله عنه وأرضاه: «اليوم أسبق أبا بكر» يدل أيضًا على علو همة عمر، على علو همة عمر، لا يريد أن يسبق أي أحد إلى الخير، بل يريد أن يسابق من أن يسابق، أن يسابق صديق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه. وفيه أيضًا ما كان عليه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه من استباق الخيرات، من استباق الخيرات، حتى أن عمر -وهو ثاني الخلفاء وثاني أفضل الصحابة- ينافس أبا بكر، يريد أن يدركه، يريد أن يدركه، حتى قال: «اليوم» -مع أنه يقول قبل اليوم-: «أبو بكر سباق، لا نستطيع أن ندرك أبا بكر»، لكن عمر يقول: «اليوم سأسبقه بإذن الله». فماذا صنع عمر رضي الله عنه وأرضاه؟ انطلق إلى بيته، فماذا صنع؟ جاء بنصف ماله -تخيل رجل يأتي بنصف ماله- بنصف ماله، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أبا بكر قد سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر، قال: «يا عمر، ما جئت به؟ أو ما قدمت؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم». فقال: «يا رسول الله، تصدقت بالشطر، بشطر مالي، وأبقيت لأهلي الشطر الآخر» -تخيل هذا الأمر، رجل يتصدق بنصف ماله-. فننظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟» ما أبقيت لأهلك؟ قال الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه: «أبقيت لهم الله ورسوله» -أبقيت لهم الله ورسوله- ورسوله. ومعنى هذا أن أبا بكر تصدق بجميع ماله، جاء في الحديث قال: «وتصدق أبو بكر بجميع ماله» بجميع ماله. تخيلوا رجلًا يتصدق بجميع ماله، يقول لو رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» يقول: «أبقيت لهم الله ورسوله». واضحة جماعة. في هذا الوقت، ماذا قال عمر رضي الله عنه وأرضاه؟ قال: «والله لا أسابقك أبدًا، والله لا أسابقك إلى خير، لا أسابقك إلى خير أبدًا». لماذا؟ يئس عمر أن يسابق ماذا؟ أن يسابق أبا بكر إلى معروف أو إلى خير، يريد أن يسرع ويسابق، لكن ما استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه أبو بكر. فقول الشيخ رحمه الله تعالى: «والبذل في سبيل المعروف حتى تنقطع دونك آمال الرجال»، تأمل هذه العبارة مع قول الفاروق رضي الله عنه وأرضاه: «والله لا أسابقك إلى خير بعدها أبدًا» يدل على ماذا؟ أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه أعجز من جاء بعده أن يعمل مثله. لذا جاء في بعض الآثار أن عمر رضي الله عنه وأرضاه اطلع على بعض أعمال الصديق رضي الله عنه وأرضاه في خلافته، ثم ماذا قال عمر؟ قال له: «أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر»، الخلفاء الذين سيأتون بعدك أتعبتهم، ما يستطيعون أن يعملوا بماذا؟ بعملك. ولما تولى عمر الخلافة، قال علي أو غيره من الصحابة: «أتعبت من وراءك يا أمير المؤمنين»، أي أن عمر رضي الله عنه وأرضاه -من مسارعتي في الخير ومسابقتي في الخير- قال من قال من الصحابة: علي أو غيره: «أتعبت من وراءك، أتعبت من وراءك يا أمير المؤمن» -سباق إلى كل فضيلة وإلى كل خير، يبذل جاهه، يبذل ماله، يبذل العلم، يبذل العدل، رضي الله عنه وأرضاه في كل وقت وفي كل آن-. فينبغي لطالب العلم كذلك أن يتحلى بهذه الخصال، خصال المسارعة إلى الخيرات، البذل. من أراد منك معروفًا، ابذل، إن كان مالًا فمال، إن كان جاهًا فجاه، إن كان علمًا فعلم، إن كان أي شيء من أبواب الخير، فلتكن -يا طالب العلم- فلتكن سباقًا إلى ذلك المعروف وإلى ذلك الخير، لعلك تكون من أهله. قال رحمه الله تعالى: «وعليه فاحذر نواقضها». وعليه فاحذر نواقضها، أي نواقض هذه الخصال الكريمة والخصال الحسنة. قال رحمه الله تعالى: «من ضعف الجأش وقلة الصبر وضعف المكارم». فإنها تهضم العلم وتقطع اللسان عن قوله الحق وتأخذ بناصيته إلى خصومة، إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده. يقول الشيخ رحمه الله: إذا علمت هذا -أي إذا علمت ما علمت من مكارم الأخلاق- قال: «وعليه فاحذر نواقضها». احذر نواقض مكارم الأخلاق. الشجاعة ما هو ناقضها؟ يقابلها الجبن والخوف والخور. كذلك شدة البأس في الحق، ماذا يقابلها؟ المداهنة والمراوغة في الحق، يراوغ -كما قيل- روغان الثعلب. إذا كانت هذه الخصلة في طالب العلم، هل يرجى منه خير؟ هل يستطيع غدًا أن يقوم بدعوة وأن يواجه المجتمع على ما في المجتمع من مخالفات؟ هل يستطيع أن يكون قائدًا للأمة إلى الخيرات، منذرًا لها ومحذرًا من جميع الشرور والمنكرات؟ لا يستطيع؛ لماذا؟ لأنه جبان، ما تحلى بخصال الرجولة، ما تأدب بآداب الرجولة، بل هو جبان. وإذا جاء إلى الحق داهن فيه وتملص وراوغ، وأتى هذا بوجه وهذا بوجه، ومن فوق فتوى ومن تحت ماذا؟ ومن تحت فتوى، كما هو حال كثير من أهل الأهواء ممن خالط السلطان أو خالط التجار من أصحاب الأموال، فإنه يضعف، فإنه يضعف. لذا حذر الأئمة رحمهم الله تعالى تحذيرًا بالغًا من مخالطة هؤلاء الأصناف؛ لماذا؟ قالوا: لأنه يؤدي إلى رقة الدين، يؤدي إلى رقة الدين. وإذا رق دين الإنسان، فما ينفع بعد ذلك طلب العلم؟ وما ينفع ما عنده من العلم؟ عنده علم ودين رقيق، لا يستطيع أن يقول الحق، ولا أن يجابه الباطل، ولا أن ينصر الحق وأهله، ولا أن يكبت الباطل وأهله بإذن الله، بل مداهن مراوغ، مداهن مراوغ. هل يرجى من مثل هذا خير؟ لا يرجى منه خير، بل ضرر هذا على المجتمع، وجود هذا ضرره على المجتمع أكثر من ماذا؟ من عدمه. لو كان عدمًا، غير موجود، لاستراحة منه ماذا؟ المجتمع. لكن يظهر إنسان بلباس العلم، وتارة يفتي بجواز شيء حرمه الله، وأخرى بشيء آخر، وهكذا. كل ما قيل له: قل، قال، كل ما قيل له: قل، قال، كما نرى ونسمع كثيرًا في هذه الأيام من علماء السوء، من علماء السوء ممن يبيحون ما حرم الله جل وعلا لأجل ماذا؟ لأجل عرض من الدنيا يسير، لأجل عرض من الدنيا يسير. وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذ يقول -قال حينما قال: سارع بالأعمال- قال: «فُتِنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي ماذا؟ ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح ماذا؟ ويصبح كافرًا؛ لماذا؟ قال: يبيع دينه بعرض من الدنيا يسير». يبيع دينه، دينه أغلى. ما هو أغلى شيء عندك -يا طالب العلم- بل أيها المسلم؟ ما هو أغلى شيء عندك؟ الدين. ما أنت إذا كنت بلا دين؟ لا شيء، لا شيء. إذا كنت من غير دين، لا شيء. حالك كحال البهائم، كحال البهائم. بل البهائم تكون أكرم منك؛ لماذا؟ لأنها تسبح الله جل وعلا، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم؛ لأنها لا تعصي الله جل وعلا. أما أنت أين أنت؟ فإذا رأس مالك دينك، ومن الناس من يبيع رأس مال بماذا؟ -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- بعرض من الدنيا يسير. انظر، انظر إلى حال كثير من الناس، ما أضعف أو ما حال الدين عند هؤلاء؟ عندهم الدين شيء يسير، حتى أنهم إذا علِض لهم شيء من الأموال أو شيء من المناصب أو شيء من الجاه، باعوا دينهم في سبيل ماذا؟ في سبيل هذا العرض اليسير. قال رحمه الله تعالى: «من ضعف الجأش» يكون الإنسان ضعيفًا خويرًا. قال: «وقلة الصبر» قلة الصبر على الأذى. طالب العلم في طريقه إلى الله جل وعلا، لا بد له من عوائق، ولا بد له من مكدرات، ولا بد له كذلك من شدائد، ولا بد له من منغصات، ولا بد له كذلك من أعداء، ولا بد له كذلك من مخالفين، إلى غير ذلك. فماذا يصنع؟ الصبر. قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». انظر: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. لا إمامة في الدين من غير صبر، ولا إمامة في الدين من غير يقين أنك على الحق، وأن الله جل وعلا مؤيدك، وأن الله جل وعلا ناصرك، وأن الله جل وعلا دافع عنك الشرور بإذنه سبحانه وتعالى، ما دمت مع الله، فالله جل وعلا معك. ما دمت مع الله حقًا وصدقًا، ظاهرا وباطنا، فاعلم أن الله معك. قال رحمه الله تعالى: «وضعف المكارم» ضعف المكارم تهدم طالب العلم هدمًا. تخيل طالب علم -كما سمعتم- جبان، طالب علم لا يصنع المعروف، طالب علم بخيل، طالب علم فيه وفيه من خصال مذمومة، كيف يكون هذا الطالب في نفسه؟ وكيف يكون هذا الطالب في نظر غيره؟ يكون مبعدًا، لا يستطيع أن يتقدم إلى خير ولا إلى بر؛ لماذا؟ لأنه قد ترك مكارم الأخلاق، ترك مكارم الأخلاق، فأهان نفسه أولًا في نفسه، وأهان نفسه عند الآخرين. ولعلها من إهانة الله جل وعلا له؛ إذ تخلق بهذه الأخلاق الرذيئة الرذيلة التي هي ضد مكارم الأخلاق. قال رحمه الله تعالى: «فإنها تهضم العلم» تهضم العلم، ولو كان -كما يقال- عندك من العلم ما عندك، كنت تحفظ كذا وكذا وكذا، وقد درست من العلوم واتقنتها من العلوم كذا وكذا وكذا، ولكنك مراوغ أو كذاب أو تفعل الشر ولا تعرف بخير ولا معروف. من سيأتيك ويريد منك علمًا؟ من سيأتيك؟ لا أحد. لذا قال الشيخ: «فإنها تهضم العلم»، ينتهي العلم تمامًا. قال: «وتقطع اللسان عن قوله الحق» تقطع اللسان عن قوله الحق؛ لماذا؟ لأنه جبان، ولأنه كذلك ماذا؟ مراوغ، ولأنه ولأنه إلى غير ذلك من الخصال المذمومة. قال: «وتأخذ بناصيته إلى خصومة» إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده. يدخل في خصومات هو في غنى عنها، بل يكون في نظر كثير من الناس أنه لا يستحق أن يقبل عليه، ولا أن يقدم له، ويزدريه أهل الصلاح، ويزدريه كذلك أهل الخير. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين، والحمد لله رب العالمين.