حلية طالب العلم 33

الدرس في حلية طالب العلم 33، ألقاها

أهمية التلقي عن الأشياخ في طلب العلم

يؤكد الشيخ على أهمية التلقي عن الأشياخ في طلب العلم، مشيرًا إلى أن الأصل في الطلب هو التلقين والتلقي عن الأساتيد. هذه الطريقة هي السنة التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

الاعتماد على الكتب دون معلم وردود العلماء عليه

يُناقش النص أهمية أخذ العلم عن المشايخ والمعلمين، ويستدل بمثال علي بن رضوان المصري الذي ادعى إمكانية تحصيل العلم من الكتب دون معلم. يُبين أن الاعتماد على الكتب فقط قد يؤدي إلى الأخطاء والخلط.

مزايا الأخذ عن الشيخ مقارنة بالقراءة الذاتية للكتب

يناقش المقطع أهمية التعلم عن طريق الشيخ مقارنة بالاعتماد على الكتب، ويبرز عدة أسباب تجعل الأخذ عن الشيخ أفضل، مثل تجنب التصحيف والغلط في القراءة وفساد الإعراب. القراءة على الشيخ تيسر العلم وتجنب الأخطاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا فيما مضى الكلام على كيفية الطلب، وذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- هذا الأمر الأول في الفصل الثاني، فقال: «كيفية الطلب ومراتبه». وقد تقدم التعليق مختصرًا على ما ذكره الشيخ -رحمه الله تعالى-. قال: «الثاني -أو قال على الترتيب السابع عشر، وهو الثاني في هذا الأصل- تلقي العلم عن الأشياخ». وهذه كذلك من الكيفيات التي بها يتوصل الطالب للمقصود من العلم، أن يتلقى العلم عن الأشياخ. قال -رحمه الله تعالى-: «الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتيد، والمثافنة للأشياخ، والأخذ من أفواه الرجال، لا من الصحف وبطون الكتب». قال: «والأول من باب أخذ النسيب عن نسيب الناطق، وهو المعلم. أما الثاني: عن الكتاب، فهو جماد، فلا اتصال النسب». يقول الشيخ -رحمه الله تعالى- هاهنا من الوسائل والكيفيات التي بها يطلب العلم وينال: «الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتيد». والأساتيد: جمع أستاذ، ولفظة الأستاذ ليست من الألفاظ العربية، بل هي من الألفاظ الفارسية، فمعناها: المتخصص بالعلم، المتخصص في العلم. مع أن هذا اللفظ ربما أطلق في بعض الأزمان على معانٍ أخرى، ولكن صار هذا اللفظ يذكر على من قد نال حظًا وافرًا من العلم، فيقال فيه: أستاذ. هذا في الأزمان المتقدمة، أما في أزماننا هذا صار هذا اللفظ يتداول فيما دون ذلك. قال: «والمثافنة للأشياخ»؛ بمعنى الملازمة والمواظبة. والشيخ -رحمه الله تعالى- كما ترون يأتي بألفاظ هي علينا وعلى من أعلم منا ألفاظ تكاد تكون غريبة، تحتاج إلى رجوع لمعرفة معناها إلى القواميس. فالشاهد من هذا أن الشيخ -رحمه الله تعالى- هاهنا يقرر ما قرره العلماء -رحمهم الله تعالى- من أن من كيفيات التلقي الصحيحة والناضجة -بإذن الله جل وعلا- أن يكون التلقي عن الأشياخ، يتلقى الطالب العلم عن شيخ، ولا يتلقاه من ذات نفسه بالاطلاع على الكتب وقراءة الكتب وما شابه ذلك، بل لا بد من التتلمذ والأخذ والمثابرة والملازمة والملاصقة للأشياخ حتى ينال حظًا وافرًا من ذلك -بإذن الله جل وعلا-. قال: «والأخذ من أفواه الرجال»؛ أي: من أفواه العلماء، أخذ العلم من أفواه الرجال، وهذه طريقة سنية. فالله جل وعلا أنزل كتابه الكريم على سيد الأولين والآخرين بواسطة جبريل -عليه السلام-، ربنا جل وعلا يكلم جبريل، وجبريل يتلقى من ربه جل وعلا ذلك العلم، فيذهب إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بأمر ربه جل وعلا؛ لأنه الرسول بينه وبين رسله، فيبلغه ما علمه ربه، فإذا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك العلم لأصحابه أيضًا من طريق ماذا؟ من طريق الأفواه. فأخذ الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- العلم من في رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. وكم نسمع في أحاديث القائل يقول: «ما حفظت سورة كذا وكذا إلا من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». وآخر يقول: «عبد الله بن مسعود كما في الصحيحين أخذت أو حفظت سبعين سورة من في رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-». ثم كذلك الصحابة نقلوا العلم إلى التابعين، وأخذ التابعون العلم منهم أيضًا عن طريق التلقي بالأفواه، ثم استمر العلم كذلك حتى ظهرت الكتب، وبعد أن ظهرت الكتب استقل بعضهم بالأخذ عن الكتب عن الأفواه، فغلط وقصر، وحصل له ما حصل. قال -رحمه الله تعالى-: «والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب». قال: «والأول من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق؛ أي: تأخذ العلم -كما يقال- كابرًا عن كابر، عن العلماء، عن نسيب؛ أي: عن العالم الناطق». قال: «وهو المعلم». قال: «أما الثاني: عن الكتاب؛ أي: أنك إذا أخذت العلم عن الكتاب، فإنما أخذت العلم من كتاب، والكتاب جماد». قال: «فلا اتصال النسب؛ أي: أنه لا يكون متصل النسب، بل هو منقطع النسب في باب العلم». قال: «وقد قيل: من دخل في العلم وحده خرج وحده». وهذا من جميل الكلام، ومن الحكم الجليلة العظيمة؛ بمعنى أن من هجم على العلم فنظر في الكتب، وظن أنه يصير عالِمًا بنظره في الكتب ومطالعة الكتب، كما ذكر: «من دخل وحده خرج وحده؛ خرج بغير شيء، أو خرج بشيء ليس بالشيء المقصود الذي عليه العلماء». تجد عنده بعض الأقوال الشاذة، وبعض التصورات الخاطئة، وما سببها؟ سببه أنه هجم على العلم هجومًا، ولم يأخذ العلم من بابه ولا من أهله. قال -رحمه الله تعالى-: «من دخل في العلم وحده خرج وحده؛ أي: من دخل في طلب العلم بلا شيخ خرج منه بلا علم». قال: «إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع؛ فلا بد إذا لتعلمها من معلمها الحاذق». العلم من الصناعات التي تحتاج إلى معلم ومعلم خبير؛ حتى يوفر له الجهد والوقت، أما من دخل فيه مباشرة سيقع في الخطأ، وسيقع في الزلل، وسيقع في الخطأ والخلط. قال -رحمه الله تعالى-: «وهذا يكاد يكون محل إجماع من أهل العلم إلا من شذ؛ مثل علي بن رضوان المصري الطبيب». وقد رد عليه علماء عصره ومن بعدهم. هذا الطبيب ألف كتابًا وذكر فيه أنه يستطاع أن ينال العلم بغير معلم وبغير أشياخ، فتناوله العلماء بالرد، وتناولوه بالرد وبيان أخطاء ما كتب في كتابه ذلك. قال الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- في ترجمته له -أي: في ترجمته لذلك الطبيب-: «ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنف كتابًا في تحصيل صناعة الطب من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين». وهذا غلط؛ يقول: الأخذ من الكتب أوفق وأحسن من الأخذ عن الأشياخ. فقال الذهبي: «وهذا غلط، أن يكون العلم من طريق الكتب دون الأشياخ». قال: «وقد بسط الصفدي في الوافي الرد عليه، وعنه الزبيدي في شرح الإحياء، عن عدد من العلماء، معلين له بعدة علل؛ منها ما قاله ابن بطلان في الرد عليه». قال: «السادس: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم». يذكر مقارنة بين العالم وبين الشيخ، بين الأخذ عن العالم وبين الأخذ عن الكتاب. قال -رحمه الله-: «السادس: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم؛ لماذا؟ يدخلها الإنسان وهو عديم الخبرة، فيظنها أو يتصورها على غير حقيقتها، فتكون سببًا لصده عن العلم». قال: «وهي معدومة عند المعلم». المعلم يسّر العلم، ويسهل العلم، ويعطيك العلم جهدًا غضًا طريًا دون أي كلفة، بخلاف الكتاب. قال: «وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ». الكتاب إذا قرأ الإنسان الكتاب -ولا سيما في العصور الأولى- كانت الكتب من غير نقط، ما فيها نقط مثل أيامنا هذا، وما فيها حركات رفعه وخفضه وما شابه ذلك، حروف متشابهة، ومن لم يكن عنده حسن لمعرفة تلك الحروف وتلقاها من العلماء يقع في الزلل ويقع في الخطل. قال: «وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ». قال: «والغلط بزوغان البصر؛ أي: ربما قرأ الإنسان فنظر ببصره فقرأ الكلمة على غير صوابها، ثم تعلق في ذهنه على غير الصواب، بخلاف ما إذا قرأها على الشيخ؛ فإنه يقرأها على وجهها». قال -رحمه الله-: «وقلة الخبرة بالإعراب؛ يرفع المنصوب، ويخفض المرفوع، وهكذا». وهذا يؤدي إلى فساد الكلام، يجعل الفاعل مفعولًا والمفعول فاعلًا، وهكذا. قال: «أو فساد الموجود منه». قال: «وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع». الكلام أحيانًا يكون مقطعًا جملة، ثم بعدها جملة، ثم بعدها جملة، لكن بعضهم إذا كان شيخه كتابه ربما سرد الكلام سردًا، فلم يميز الجملة الأولى من الأخرى، ولم يميز ما دخل في هذه الجملة مما خرج منها، فيقع في الخلط والخطأ. قال -رحمه الله-: «وخلط مبادئ التعليم بسبب أنه تعلم على الكتاب دون شيخ». قال: «وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة -أي: في ذلك الكتاب- لا يعلم هو معناها». قالوا: «ألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة؛ كالنورس». فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم. إذا قرأت الكتاب على المعلم: يرفع المنصوب، يقول لك: «لا، الصواب كذا». إذا قرأت كل كلمة أو جملة فوصلتها بغير يقول: «لا، قف هنا، هذه جملة أخرى». وما شابه ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: «فالقراءة على العلماء أجدا وأفضل من قراءة الإنسان نفسه». وهو ما أردنا بيانه. قال الصفدي: «ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحف، ولا من مصحف؛ يعني: لا تقرأ القرآن على من قرأ المصحف -أي: من غير شيخ- قرأ المصحف من غير شيخ، ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف؛ أي: لم يأخذ الحديث من شيخ، وإنما قرأه قراءة، فبلغه كما قرأه». نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على