الدرس في قبس من السيرة النبوية 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للأذى من الكفار أثناء دعوته، واستخدموا أساليب مختلفة لمنعه من إيصال رسالته. استخدموا التشويش والغناء وإثارة الشبهات وأسئلة تعجيزية.
طلب الكفار من النبي معجزات مثل جعل الصفا ذهبًا، وحاولوا مساومة النبي بتقديم عروض مغرية مقابل توقفه عن الدعوة. استجاب الله لدعائه ولكن النبي اختار عدم تحقيقها رحمة بهم.
جاء عتبة بن ربيعة إلى النبي يعرض عليه أمورا ليكف عن دعوته، لكن النبي قرأ عليه آيات من سورة فصلت فخاف عتبة وهرب. هذا يدل على أن الدين ليس عرضة للمساومة أو التنازل.
ختم المتحدث الحديث بذكر كثرة المساومات في هذا الباب ثم أعلن الانتقال إلى السمة الرابعة بإذن الله. اختتم بصلاة على النبي ودعاء.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي دُرْسِ الْمَاضِي مَا يَتَعَلَّقُ بِأَهَمِّ السِمَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدَّعْوَةِ الْجَهْرِيَّةِ أَوْ الْمَرْحَلَةِ الْجَهْرِيَّةِ مِنْ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقُلْنَا إنَّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ تَمَيَّزَتْ بِعِدَّةِ الصِّفَاتِ وَبِعِدَّةِ خِصَالٍ، وَمِنْ ذَلِكُمْ أَوْ مِنْ هَذِهِ السِمَاتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَثْرَةِ الْأَذَى الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ. وَكَذَلِكُمْ مُوَاجَهَةُ الدَّعْوَةِ بِشَتَّى الصُّوَرِ وَبِشَتَّى الْأَسَالِيبِ، فَقَدْ قَامَ الْكُفَّارُ بِاسْتِخْدَامِ عِدَّةِ طُرُقٍ لِإِضْلَالِ النَّاسِ وَلِلْحِيلُولَةِ دُونَ اسْتِمَاعِهِمْ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، أَيْ تَكُونَ لَكُمْ الْغَلَبَةُ وَلَكُمْ النُّصْرَةُ. فَأَعَدُّوا الْعُدَّةَ لِذَلِكَ بِشَتَّى صُوَرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَرُبَّمَا اضْطُرَّ إلَى التَّشْوِيشِ عَنْ طَرِيقِ التَّصْفِيقِ وَالتَّصْفِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَرُبَّمَا جَلَبَ الْغَوَانِيَ وَجَلَبَ الْجَوَارِيَ لِكَيْ يُغْنِينَ وَيُبْعِدُوا النَّاسَ عَنْ اسْتِمَاعِ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيرِ عَنْ ذَلِكُمْ الْخَبِيثِ وَهُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ شَيْطَانُ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، بَلْ مِنْ حَنْقِهِ وَمِنْ غَضَبِهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَحِقْدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى الْحِيرَةِ وَتَعَلَّمَ فِيهَا مَا تَعَلَّمَ مِنْ الْقَصَصِ وَالْحِكَايَاتِ عَنْ أَهْلِ فَارِسَ وَعَنْ مُلُوكِ هَرْقَلَ وَعَنْ كِسْرَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُلُوكِ الَّذِينَ لَهُمْ قَصَصٌ وَأَسَاطِيرُ. فَتَعَلَّمَ ثُمَّ جَاءَ إلَى قُرَيْشٍ وَأَرَادَ أَنْ يُنَافِحَ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي دَعْوَتِهِ وَيُنَافِسَهُ عَلَيْهَا، فَذَكَرَ أَهْلُ السِّيرِ أَنَّ نَبِيَّنَا إذَا جَلَسَ مَجْلِسَ حَدِيثٍ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ رُبَّمَا يَنْتَظِرُ، فَإِذَا انْتَهَى نَبِيُّنَا وَقَامَ مِنْ مَقَامِهِ قَامَ وَجَلَسَ هَذَا الضَّالُّ وَهَذَا الْكَافِرُ وَجَلَسَ فِي مَجْلِسِ نَبِيِّنَا، وَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَأَنَا أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ. فَاهْتَمُّوا إلَيْهِ، فَأَخَذَ يَأْخُذُ فِي ذِكْرِ الْأَسَاطِيرِ وَذِكْرِ الْحِكَايَاتِ، وَذَلِكَ حَتَّى يُصْرِفَ النَّاسَ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَكَذَا طُرُقٌ مُتَنَوِّعَةٌ كَثِيرَةٌ اسْتَخْدَمَهَا الْكُفَّارُ فِي الْحِيلُولَةِ دُونَ اسْتِمَاعِ النَّاسِ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَذَلِكَ إثَارَةُ أَشْبَاهٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَكَذَا فَتْحُ بَابِ الْجَدَلِ وَالتَّعْذِيبِ وَالتَّنْكِيلِ، وَهَكَذَا الْإِعْجَازُ. وَقُلْنَا: وَكَانَ الْكُفَّارُ مِنْ طُرُقِهِمْ أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ نَبِيَّنَا بِأَسْئِلَتِهِمْ، فَيَطْلُبُونَ طَلَبَاتٍ مُحَالَةً، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ﴾. فَكَانَتْ مِثْلُ هَذِهِ الطَّلَبَاتِ وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ التَّعْجِيزِيَةُ مَرْدُودَةً لِعِلْمِ رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ مَا أَرَادُوا إلَّا التَّعَنُّتَ وَمَا أَرَادُوا إلَّا الْإِعْجَازَ. وَقَدْ يَسْتَجَابُ أَوْ تُقْبَلُ هَذِهِ الطَّلَبَاتُ فَيُوقِعُهَا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا، كَمَا حَدَثَ عِنْدَمَا طَلَبُوا مِنْ نَبِيِّنَا إشْقَاقَ الْقَمَرِ، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِي عَهْدِهِ، وَرَأَوْهُ الْكُفَّارُ بِأَعْيُنِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا آمَنُوا. وَتَارَةً مِثْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ تَرُدُّ رَحْمَةً بِهِمْ، ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَيُحَسِّنُهُ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا»، هَذَا جَبَلُ الصَّفَا، «إنْ جَعَلْت لَنَا ذَهَبًا سَنُؤْمِنُ بِكَ»، قَالُوا: «ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ»، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَتَفْعَلُونَ هَذَا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَعَا»، دَعَا نَبِيُّنَا، دَعَا رَبَّهُ جَلّ وَعَلَا بِأَنْ يَجْعَلَ الصَّفَا ذَهَبًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: «إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْت أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا -أَجْعَلُ هَذَا عَلَى مَا أَرَادَهُ- إنْ شِئْت أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لُعَذِّبَنَهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْت فَتَحْت لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْخِيَارِ، إنْ شِئْت جَعَلْت الصَّفَا ذَهَبًا، لَكِنْ بِالْمُقَابِلِ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ عَذَابًا عَظِيمًا، أَوْ لَا أَفْتَحُ هَذَا الْبَابَ لَهُمْ، لَكِنْ أَفْتَحُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ». فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ، مَا فِي دَاعٍ عِنْدَ اسْتِجَابَةِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ تَبِعَاتِهَا مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ». فَكَانَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوْ الطَّلَبَاتِ تُرَدُّ لِأَصْحَابِهَا إمَّا كَمَا قُلْنَا لِتَعَنُّتِهِمْ، وَإِمَّا رَحْمَةً بِهِمْ، أَوْ قَدْ وُقِعَتْ، لَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْ نَفْعًا مَعَ هَؤُلَاءِ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا السِّمَةُ الثَّانِيَةُ، أَوْ الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَرْحَلَةِ الْجَهْرِيَّةِ. السِّمَةُ الثَّالِثَةُ أَوْ الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا الْمَرْحَلَةُ الْجَهْرِيَّةُ عِنْدَمَا أَعْلَنَ نَبِيُّنَا عَنْ دَعْوَتِهِ، مِنْ هَذِهِ السِّمَاتِ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا، الْمُسَاوَمَاتُ أَوْ مَا يُسَمَّى بِالْمُسَاوَمَاتِ، الْكُفَّارُ عِنْدَمَا أَخْفَقُوا فِيمَا مَضَى مِنْ تَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ وَتَنْكِيلٍ وَتَعْذِيبٍ وَتَشْوِيشٍ وَتَشْوِيهٍ، وَمَا جَدَّ أَجَلُ ذَلِكَ نَفْعًا، اتَّخَذُوا طَرِيقَةَ الْمُسَاوَمَاتِ. وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ مَا يُسَمَّى بِطَلَبَاتٍ مُغْرِيَةٍ تُعْرَضُ لِرَسُولِ اللَّهِ بِمُقَابِلِ أَنْ يَسْكُتَ وَأَنْ يَكُفَّ عَنْ دَعْوَتِهِ. وَقِصَصٌ فِي هَذَا الْبَابِ طَوِيلَةٌ وَكَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيرِ وَحَسَّنَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَهُمْ مَاذَا يَقْلِبُونَ يَدًا عَلَى ظَهْرٍ وَعَلَى قَلْبٍ، لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ الصَّدِّ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَأَرَادُوا طَرِيقَةً إلَى كَبْتِ مُحَمَّدٍ عَنْ الِاسْتِمْرَارِ فِي دَعْوَتِهِ، فَتَشَاوَرُوا بِتَقْدِيمِ هَذَا الْبَابِ وَفَتْحِ هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ بَابُ الْمُسَاوَمَةِ. قَالُوا: «نُغْرِي مُحَمَّدًا، نُعْطِي الَّذِي يُرِيدُ»، فَاخْتَارُوا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَنْ يَذْهَبَ وَيُسَاوِمَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ، مَا الَّذِي يُرِيدُهُ؟ فَنَحْنُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ بِتَطْبِيقِهِ مُقَابِلَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ. فَذَهَبَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَجَلَسَ مَعَهُ فِي مَجْلِسِ الْخَاصِّ، وَقَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي، إنَّك مِنْ حَيْثُ قَدْ عَلِمْت مِنْ الْمَكَانَةِ فِي النَّسَبِ، أَنْتَ لَكَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَنَا، وَإِنَّك جِئْت قَوْمَك بِأَمْرٍ عَظِيمٍ فَرَّقْت بِهِ جَمَاعَتَهُمْ، وَسَفَّهْت بِهِ أَحْلَامَهُمْ، وَعِبْت مِنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ. يَا ابْنَ أَخِي، فَاسْمَعْ مِنْي، أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا لَعَلَّكَ تَرْضَى بِبَعْضِهَا»، سَأُعْطِيكَ أُمُورًا انْظُرْ إلَيْهَا وَتَأَمَّلْ فِي مَآلِهَا، لَعَلَّكَ مِمَّا تَنْفَعُك عَمَّا أَنْتَ جِئْت بِهِ مِنْ تَسْفِيهِ الْأَحْلَامِ، مِنْ تَضْلِيلِ الْآبَاءِ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، أَسْمَعْ»، قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعْ. فَقَالَ عُتْبَةُ: «يَا ابْنَ أَخِي، إنْ كُنْت تُرِيدُ بِاَلَّذِي جِئْت بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ مِنْ أَكْثَرِنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْت تُرِيدُ شَرَفًا سَوَّدْنَاك عَلَيْنَا، جَعَلْنَاك سَيِّدًا، سَوَّدْنَاك عَلَيْنَا، فَلَا نَقْطَعُ أَمْرًا دُونَك، وَإِنْ كُنْت تُرِيدُ بِاَلَّذِي جِئْت بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاك عَلَيْنَا، وَدَخَلَ وَاسْتَفَاضَ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْمُغْرِيَاتِ الَّتِي مَاذَا رُبَّمَا النَّاسُ يَرْكَنُونَ إلَيْهَا، وَنَبِيٌّ يَسْمَعُ. فَلَمَّا انْتَهَى الْوَلِيدُ -أَوْ عُتْبَةُ- مِنْ كَلَامِهِ وَمِنْ حِوَارِهِ وَمِنْ ثُنَايَتِهِ، قَالَ نَبِيُّنَا: «أَفَارَغٌ أَنْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟»، قَالَ: أَجَلْ، أَوْ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَاسْمَعْ مِنِّي الْآنَ»، ثُمَّ قَامَ نَبِيُّنَا وَقَرَأَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ صَدْرِ سُورَةِ فُصِّلَتْ، قَالَ: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلَى أَنْ بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودِ﴾. فَمَا انْتَهَى نَبِيُّنَا مِنْ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ حَتَّى قَامَ عُتْبَةُ مَذْعُورًا، وَمَسَكَ بِفَمِ نَبِيِّنَا، مَسَكَ بِفَمِهِ، وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، أَنْشُدُك اللَّهَ وَالرَّحِمَ إلَّا سَكَتَ، لَا تُكْمِلْ»، لِمَا سَمِعَ مِنْ هَوْلِ هَذِهِ الْآيَ، وَمِنْ عِظَمِ نُزُولِهَا عَلَى قَلْبِهِ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودِ﴾. فَقَامَ مَذْعُورًا، وَقَالَ: «أَنْشُدُك اللَّهَ وَالرَّحِمَ إلَّا سَكَتَ»، ثُمَّ خَرَجَ مَذْعُورًا هَارِبًا مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ، ثُمَّ طَرَحَ الْأَمْرَ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ: أَنَّهُ لَا يُسَاوِمُ مُحَمَّدًا بَعْدَ الْآنَ، وَعَلِمَ أَنَّ نَبِيًّا لَا يَقْبَلُ الْمُسَاوَمَةَ. وَبِهَذَا نَعَم إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ جَمِيعًا أَنْ يَتَحَلَوْا بِهَذَا الْخُلُقِ، وَبِهَذَا الْمَبْدَأِ، وَهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ: أَنَّ الدِّينَ نَدِينُ اللَّهِ لَيْسَ عَرْضًا لِلتَّنَازُلِ، لَيْسَ عَرْضًا لِلتَّنَازُلِ. فَالْأَسَفُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَعْضُ الْجَمَاعَاتِ لَوْ رُبَّمَا يَدَاهِنُونَ فِي دِينِ اللَّهِ، مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، تَخَيَّلْ بَعْضُ الدُّعَاةِ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ: «فَايِشْ مَعَك يَا أَخِي؟ أَنْتَ مَعَك هَذِهِ الدَّعْوَةُ غَرِيبَةٌ، اتْرُكْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، نُعْطِيكَ الْمُلْكَ»، طَيِّبٌ، أَنَا سَأَأْتِي بِالْمُلْكِ، فَيَفْرَحُ بِالْمُلْكِ، لَرُبَّمَا مَاذَا يَسِيلُ لِعَابُهُ عَلَى هَذِهِ السُّلْطَةِ وَعَلَى هَذِهِ الْحُكْمِ، وَرُبَّمَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَيُطَبِّقُ الشَّرِيعَةَ، لَكِنْ مَا يَنْفَعُ طَبَقَ الشَّرِيعَةَ بَعْدَ أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، لَا يَنْفَعُ. فَدِينُ اللَّهِ إخْوَانِي لَيْسَ فِيهِ مَاذَا؟ أَشْبَاهُ الْحُلُولِ أَوْ أَنْصَافُ الْحُلُولِ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، فَلْيَحْيَ مَنْ يَحْيَا عَنْ بَيِّنَةٍ، وَلْيَهْلِكْ مَنْ يَهْلِكُ عَنْ بَيِّنَةٍ. وَقُلْنَا الْمُسَاوَمَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ جِدًّا. وَبَعْدَهَا نَنْتَقِلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى السِّمَةِ الرَّابِعَةِ. إلَى هُنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.