الدرس في حلية طالب العلم 41، ألقاها
الإمام مالك يحذر من أخذ العلم من أربعة أصناف من الناس وهم السفهاء وأهل البدع والكذابين وغير الحافظين للعلم. هذه التحذيرات تهدف إلى صيانة العلم وتنزيهه عن الدخلاء.
يؤكد الإمام مالك على أهمية أخذ العلم من أهله والحذر من مجالسة السفهاء وأهل البدع والكذابين لما في ذلك من مفاسد قد تؤثر على طالب العلم. يحث على تنقية العلم من الشوائب.
يشترط الإمام مالك لقبول رواية الحديث عدم الكذب في الكلام العادي والحفظ الجيد للحديث. يرفض الأخذ عن الشخص الكذاب أو من لا يحفظ الحديث جيدا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فما زلنا في الكلام على آداب الشيخ، وتوقفنا أمس في الكلام على مسألة التلقي عن المبتدع. قال رحمه الله تعالى: وعن مالك رحمه الله تعالى قال: «لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به». وهذا الأثر عن مالك رحمه الله تعالى من الأقوال الجليلة التي سطرها التاريخ لهذا الإمام الجليل. فهو يقول لك، أيها الطالب، ولكل طالب: لا يؤخذ العلم عن أربعة. هذه وصية من الإمام مالك، إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، أحد الأئمة الأعلام الذي شهد له القاصي والداني بالعلم والدين والأمانة رحمه الله وغفر له. قال: «لا يؤخذ العلم عن أربعة»، فمعناه: يا طالب العلم، لا تأخذ العلم عن واحد من هؤلاء الأربعة. قال: «سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس». رجل سفيه في لسانه أو في فعاله، فهذا لا يؤخذ عنه العلم، وإن كان أروى الناس. ومعنى أروى الناس: وإن كان أكثر الناس علمًا من حيث الغزارة العلمية، من حيث المسائل. فيقول مالك: لو كان هكذا -ولا يكون أبدًا كذلك- أن يكون في عصر رجل جمع بين هذا وهذا، ولكن الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول على سبيل الفرض: لو وجد هذا الصنف، وكان أروى الناس -أي أعلم الناس- ولكنه سفيه، فيقول لك يا طالب العلم: لا تأخذ عن هذا الصنف من الناس، تنزيهًا للعلم وصيانة للعلم، وأخذًا للعلم عن أهله فقط؛ لأنك إذا خالطت مثل هؤلاء السفهاء، ففي مخالطتهم أضرار كثيرة. فمنها أنك أولًا تتأثر بذلك الشيخ بسفهه، ثانيًا أنك تكون مقرًا له على ذلك السفه ولو في الظاهر، ثالثًا لم يحصل في قلبك من التعظيم والإجلال للعلم، ولو أنك عظمت العلم لما دنسته بمجالسة هذا الصنف. قال رحمه الله تعالى: «وصاحب بدعة يدعو إلى هواه». وهذا هو المقصود من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الأثر في هذا الموضع. فيقول الإمام مالك رحمه الله: ولا تأخذ العلم كذلك عن صاحب بدعة يدعو إلى هواه -يدعو إلى بدعته-؛ لماذا؟ للمفاسد المذكورة من مجالسة المبتدعة. من هذه المفاسد أنه ربما أدخل عليك الشر من حيث لا تشعر، أدخل عليك شبهًا من حيث لا تشعر. وإن كنت تقول: عندي علم وعندي إيمان، ولكن ربما ذكر لك بعض الأشياء فيجعل في قلبك الشك، مما أنت عليه من العلم والإيمان واليقين. إلى جانب أنك ربما تتأثر به بسمته وخلقه، إذا كان خلوقًا تتأثر به كذلك، فتدخل عليك البدعة من حيث لا تشعر. وقد ذكر عن الإمام عبد الرزاق رحمه الله تعالى: قيل فيه تشيع، فلما قيل له: من أين لك ذلك؟ ذكر أنه جالس بعض المشايخ، فقال: غرني منه حسن سمته. كان شيخه ذا سمت حسن، فكان سببًا لتأثره به. وقد يكون كذلك من الأضرار والمفاسد من مجالسة المبتدعة والتلقي عنهم أيضًا، كما ذكر في الدرس الماضي: تغريرًا بالآخرين. أنت -ما شاء الله- على حذر، قد يراك من ليس كذلك فيقع في شراك ذلك المبتدع وفي بدعه من حيث لا يشعر، وتكون أنت السبب في وقوعه بذلك. وقد ذكروا أن الإمام البيهقي رحمه الله تعالى كان ينافح ويدافع عن ابن فورك، وابن فورك رجل أشعري من أئمة الأشاعر ورؤوسهم في زمنه، بل انتهت إليه الإمامة لمذهب الأشعري في زمنه. مع هذا دخل على الإمام البيهقي التمشعر بسبب ابن فورك، فلما قيل له: ما سبب إجلالك وتعظيمك لابن فورك؟ ماذا قال؟ قال: رأيت الإمام الدارقطني يقبله بين عينيه. فكان سببًا لوقوع البيهقي رحمه الله تعالى في التمشعر. فإذا قد يكون مخالطة السنن للمبتدع -ولو كان سنيا قويا صلبًا- ولكن مخالطته للمبتدع تكون سببًا للتغرير بغيره، وكفى بهذه مفسدة. في مفسدة للبعد من المبتدعة والتلقي عنهم والتتلمذ عليهم أيضًا من المفاسد أنه يكون للمبتدع عليك منة وكرامة؛ لأنك أخذت العلم عنه، وحق المبتدع أن يصغر وأن ينقص لا أن يرفع وأن يجل، وهذه كذلك من المفاسد. فالحاصل أن هذه بعض المفاسد. وأيضًا مما ذكر في هذا الأثر قال: «ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث». يقول إمام مالك: لو رأينا رجلًا يكذب في حديث الناس -إذا كلم الناس يكذب- سواء كان على سبيل الضحك وكما يسمى بالمزاح، أو كان على غير ذلك في المعاملات يكذب أو ما شابه ذلك، لكنه في الحديث لا يكذب، يقول مالك رحمه الله: لا تأخذ عن هذا؛ فإنه لا يؤمن ولا يستحق أن يؤخذ عنه. قال رابعًا: «وصالح رجل صالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به». صالح عابد، لكنه لا يدري ما يخرج من رأسه، فمثل هذا لا يؤخذ عنه. والله تعالى أعلم. وإلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.