شرح الجوهرة الفريدة 37

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 37، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

المرور على الصراط وأهميته يوم القيامة

يوم القيامة يمر الناس على الصراط، وهو طريق مستقيم وحسي فوق جهنم، بقدر أعمالهم. يختلف سرعة المرور حسب الطاعة والإيمان.

وصف الصراط وطبيعته

الصراط جسر بين الجنة والنار، وقد ورد في الأحاديث بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف. اختلف العلماء في تفسيره بين الإثبات والنفي.

تفاصيل عبور الصراط وأحوال الناس

يمر المؤمنون على الصراط وقد يعاقب بعضهم بسبب ذنوبهم، بينما يسقط الكفار في النار. وردت أحاديث تصف سرعات مختلفة لعبور المؤمنين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. ولهم بعد، قد كان آخر الكلام عند قول الناظم رحمه الله تعالى: والنفخ في الصور حق، أولا فزع فصعقة، فقيام بعدما رقدوا، والوزن بالقسط والأعمال محضرة في الصحف تنشر، والاشهاد قد شهدوا. ثم قال رحمه الله: والجسر ما بين ظهراني الجحيم، كما في النص، إن أحد إلا لها واردوا، يحوزه الناس بالأعمال تحملهم عليه، ليس القوى والعد والعدد، كالبرق والطرف أو مر الرياح، وكالجياد أو كركاب النوق تنشرد، وذاك يعد وذا يمشي عليه، وذا زحفا وذا يكب في نار به تقدوا. ذكر رحمه الله تعالى في هذه الأبيات مما يتعلق باليوم الآخر وما يقع في ذلك اليوم، وهو المرور على الصراط. فالمرور على الصراط هو مما يكون يوم القيامة، فإن الناس يمرون على الصراط بقدر أعمالهم. قد جاء في كتاب الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾. فسر الورود هنا بالمرور على الصراط، كما جاء عن جماعة من السلف، ابن سعد وغيره. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه أن الناس يمرون على الصراط، والصراط في اللغة هو الطريق. قد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الصراط سمي صراطا لاستقامته، فهو الطريق الواسع المستقيم. فالناس يمرون على هذا الصراط يوم القيامة، الصراط الحسي، والناس بقدر أعمالهم. فمن الناس من يمر كلمح البصر، ومن الناس من يمر كالبرق، ومن الناس من يمر كالفرس السريع، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم من تخطفه الكلابيب، ومنهم من تخدشه. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في «الوابل الصيب»: «فمسلم ناج، وآخر معلق، قد جاء بهذا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من الناس من تخطفه الكلابيب فيقع في النار، ومنهم من تخدشه ويسلم، لكن لا يسلم من الخدش». والأنبياء هم على طرف الصراط يدعون كما أخبرنا الله: «سلم اللهم سلم، اللهم سلم». فذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات ما يتعلق بالصراط. وقد جاءت أحاديث في وصف هذا الصراط، جاء في مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «بلغني أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف». وذكر بعض العلماء أن هذا له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي، ويكون ذلك مما سمعه عن النبي عليه الصلاة والسلام في وصف الصراط. وبعض المعتزلة أنكر الصراط يوم القيامة ولم يثبت الصراط يوم القيامة، وإنما قال: معنى الصراط الأدلة التي تدل على من كان من أهل الجنة فهو من أهل الجنة. وهذا تحريف وتعطيل لأن النصي عما دل عليه. ومن المعتزلة كعبد الجبار المعتزلي فإنه يثبت الصراط الحسي يوم القيامة، والناس يمرون عليه، لكن أنكر أوصافه. فبعض المعتزلة أنكر الصراط وأنه لا صراط هناك حسي يوم القيامة يمر عليه الناس. وبعض المعتزلة كعبد الجبار المعتزلي أثبت الصراط وأن هناك صراط يوم القيامة يمر عليه الناس، لكن أنكر أوصاف هذا الصراط. بل حتى قال: «ولا نقول كما تقول الحشوية» -يريد بذلك أهل السنة- «أدق من الشعر وأحد من السيف». فهو لا يثبت الأوصاف وإن كان يثبت الصراط الحسي يوم القيامة. والصراط كما سمعتم الناس يمرون عليه بقدر أعمالهم، وهو بين الجنة والنار، وهو الجسر بين الجنة والنار. وهل الصراط يوم القيامة واحد، صراط واحد أو صراطان؟ بعض العلماء قال: صراطان، كالقرطبي رحمه الله يقول: صراطان يوم القيامة. ولعله عنى القنطرة التي يوقفون عندها بعد المرور على الصراط، والتي يكون عندها القصاص ونزع ما في الصدور من غل. ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾. فهناك يوم القيامة قصاصان: قصاص لرد الحقوق لأهلها، وقصاص آخر وهو نزع الغل والحقد، لأن الجنة لا يدخلها إلا من صفا قلبه من الأحقاد والأغلال والغل والحسد. فيوقفون عند هذه القنطرة قبل دخول الجنة، فينزع ما في صدورهم من غل، فيدخلون الجنة إخوانا على سرر متقابلين. ومن العلماء من قال: هذه القنطرة هي حافة الصراط، يعني طرف الصراط عند الجنة عند دخول الجنة، طرف هذا الصراط يعني الصراط طويل، طرفه هذه القنطرة. وشيخنا العلامة العثيمين رحمه الله تعالى قال: الله أعلم صراط أم صراطان؟ نعم، وإن كان هذا أو هذا، فالذي ثبت في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا بل في القرآن أن الناس يمرون على الصراط يوم القيامة. والصراط يوم القيامة يمرون عليه، الكفار يؤخذون إلى النار، الكفار يؤخذون من أول مرة إلى النار. وأهل الإيمان يمرون على هذا الصراط، فمن كانت عنده ذنوب وكبائر ولم تغفر له فيسقط في النار، يسقط في النار يعذب ما شاء الله جل وعلا أن يعذبه، لكن لا يخلد في نار جهنم. يخرج من النار بعد عذاب الله جل وعلا له ما شاء يعذبه، بخلاف الخوارج الذين يقولون: من سقط في النار لا يخرج منها، لمذهبهم الفاسد في الحكم على مرتكب الكبيرة وأنه خالد مخلد في نار جهنم. وأهل السنة والجماعة يقولون: من كان من أهل التوحيد وعنده كبائر وأدخل النار فإنه يخرج من تلك النار متى شاء الله سبحانه وتعالى أن يخرجه منها. وهكذا بالشفاعات التي تكون يوم القيامة، فإن الشفاعة إنما هي ممنوعة عن الكافرين الذين كفروا بالله جل وعلا. أما أهل الإيمان وأهل التوحيد فلهم شفاعة يوم القيامة، يشفع الأنبياء ويشفع الشهداء ويشفع الأفراط وغير ذلك، كما سيأتي في ذكر المؤلف وعلى الله ما يتعلق بالشفاعة يوم القيامة. فخلاص ما ذكر هنا ما يتعلق بالصراط، وهو الجسر ما بين ظهراني الجحيم، وأن كل أحد سيرد ذلك، والعبرة بالأعمال ليست بالقوة ولا بالعدد ولا بالعدة. وذكر أصناف الناس ممن يمر منهم كالبرق الطرف أو من الرياح، كالجياد أو كركاب النوق تنشرد، وغير هؤلاء من يعد ومن يمشي ومن يزحف ومن يكب في نار جهنم يكردس فيها عياذا بالله. صلى الله عليه وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.