الدرس في شرح كشف الشبهات 6، ألقاها
دعا الرسول صلى الله عليه وسلم قومه المشركين لترك الشرك واتباع ملة إبراهيم. كان قومه يتعبدون ويحجون ويتصدقون ولكنهم يشركون المخلوقات مع الله.
دين إبراهيم هو التوحيد والبراءة من الشرك، وقد جدد هذا الدين بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم. إفراد الله بالعبادة وإخلاص الدين له هو جوهر هذا الدين.
شرك المشركين نشأ من غلوهم في الصالحين، وكانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولكنهم أشركوا في الألوهية. الأنبياء والملائكة يدعون إلى توحيد الله لا عبادتهم.
أكد الشيخ رحمه الله على جواب معين لمواجهة الشبهات اللاحقة. ختم كلامه بدعاء يظهر تواضعه وتقواه.
أشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم»، هو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين. أرسله الله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا. قوله رحمه الله تعالى: «أرسله إلى قوم»، هل أو من مراد بهؤلاء القوم؟ نعم، قومه قريش. وهل دعوته محصورة في ذلك؟ يعني أول ما أرسل أنذر قومه، ورسالته صلى الله عليه وسلم كانت للناس كافة وللناس عامة. قوله: «إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا»، هل هذه دعوة من الشيخ؟ أن دل عليها الأدلة، وما هي الأدلة إن دلت؟ يعني فيه دلالة على أنهم كانوا يصلون. وأيضا أحسن، وعند غيرك أيضا أنه يعتكف، أنه نذر أن يعتكف، هاتان عبادتان. وأيضا نعم، كانوا يحجون، أحسن كما جاء في حديث بن عباس. «ويذكرون الله كثيرا لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك»، ويجدون ماذا إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. قوله رحمه الله تعالى: «ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وصائق بينهم وبين الله»، لماذا جعلوا بعض المخلوقات وصائق بينهم وبين الله عز وجل؟ السؤال واضح، لأجل أن يتوسطوا لهم عند الله عز وجل ويشفعون لهم عند الله عز وجل. هذا أمر، أمر ثاني، نحن أهل ذنوب ومعاصي، وهؤلاء صلاح وتقى، وهؤلاء صلاح وتقى. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وصائق»، نقرأ البداية. قال رحمه الله: «أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وصائق بينهم وبين الله». يقولون: «نريد منهم التقرب إلى الله، نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عند الله». فهم يعتقدون أن الخالق الرازق، الذي له الملك وبيده النفع والضر المطلق هو الله سبحانه وتعالى. وكذلك يخلصون العبادة لله وحده، يخلصون العبادة لله عز وجل وحده في الضراء، وفي الضراء يشركون به بالرخاء باتخاذ الوسائط بينهم وبين الله تعالى، وعبادة تلك الوسائط، والتقرب إليها، هذا هو الشرك، هذا هو شرك المشركين. الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه يقولون: «نريد منهم التقرب إلى الله، نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده». فأصل شرك المشركين عائد إلى أمرين: الأمر الأول اعتقادهم أن أولئك الأشياء التي اتخذوها وصائطا وشفعاء أنها محبوبة إلى الله، اعتقادهم أن تلك الأشياء محبوبة إلى الله عز وجل. الأمر الثاني اعتقادهم أنها تقربهم إلى الله، أن التقرب إلى تلك الوصائط تقربهم إلى الله عز وجل. فصاروا يتقربون إلى الله عز وجل بالشرك بالله، صاروا يتقربون إلى الله عز وجل بالشرك به سبحانه وتعالى. هذا أصل عقيدة المشركين، أساسه وأصله يعود إلى أمرين: يعود إلى أمرين، الأمر الأول كما سمعتم اعتقاد أن تلك الأشياء التي اتخذوها وصائطا وشفعاء محبوبة إلى الله عز وجل. ثانيها أنهم تقربوا إلى الله عز وجل بالتقرب إلى أولئك المعبودات، بالتقرب إلى أولئك المعبودات. فالتقرب إلى الله عز وجل بالشرك به سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال: يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، نريد منهم التقرب إلى الله». فهم يعتقدون أن النافع الضار المطلق، الذي بيده الملك وله الخلق والأمر هو الله سبحانه وتعالى، هو الله عز وجل وحده سبحانه وتعالى. ولكنهم اتخذوا تلكم الوسائق ليتقربوا بها إلى الله عز وجل، يتقربوا بها إلى الله عز وجل. قوله رحمه الله تعالى: «مثل الملائكة وعيسى بن مريم، وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، وأناس غيرهم من الصالحين». كما تقدم معنا في الدرس السابق، قال رحمه الله تعالى: «قال: مثل الملائكة وعيسى بن مريم، وأناس غيرهم من الصالحين». أي أنهم اتخذوا هؤلاء وصائق، اتخذوا هؤلاء وصائق بينهم وبين الله عز وجل. فوقع ما وقع منهم من الشرك بسبب تلكم الوسائق. قال: «فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم». دين أبيهم إبراهيم. قوله رحمه الله تعالى: «فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد»، أي يجدد الملة التي بعث بها إبراهيم الخليل عليه السلام، وهي ملة التوحيد، وهي ملة التوحيد. كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم آمرا له بأن يتبع ملة إبراهيم: «واتبع ملة إبراهيم حنيفا»، والحنيف هو المائل عن الشرك إلى التوحيد، هو المائل عن الشرك إلى التوحيد. وقوله رحمه الله تعالى: «فبعث محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم»، إبراهيم أبو قريش، لأن قريشا من إسماعيل ابن إبراهيم، بل والعرب المستعربة، العرب المستعربة كلهم من ذرية إبراهيم، كلهم من ذرية إسماعيل ابن إبراهيم. فأبوهم إبراهيم عليه السلام، أبوهم إبراهيم عليه السلام، لأنه هو أبو إسماعيل. وإبراهيم عليه السلام كما هو معلوم هو خليل الرحمن، وهو إمام الحنفاء عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل الرسل مطلقا بعد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بإجماع لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. فأفضل الرسل مطلقا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم بعد ذلك إبراهيم، ثم بعد ذلك موسى. ثم وقع الخلاف في أيهما أفضل نوح أو عيسى. فإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، وهو إمام الحنفاء، وهو ممن أمر الله عز وجل بل هو من أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته، بأن يتبع ملة إبراهيم عليه السلام. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لِرَبِّهِ أَسْلَمْتُ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾. قوله رحمه الله تعالى: «فبعث الله محمدا يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم»، يدل على أن في قريش كانت بقايا من دين إبراهيم عليه السلام. مع أن أصل دين إبراهيم عليه السلام قد اندثر وزال وذهب، وما بقي منه إلا آثار يسيرة، آثار يسيرة كان يتعبد بها أو يتعبد بذلك الدين بعض الناس. كما حصل من زيد بن عمر بن نفيل، والد سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، فإنه كان على ملة إبراهيم، وهو ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قبل النبوة. فبعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم. ما هو دين إبراهيم عليه السلام؟ دين إبراهيم التوحيد والبراءة من الشرك وأهله. إن إبراهيم كان أمة قانتا لله، شاكرا لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. الله عز وجل وصف إبراهيم عليه السلام بأنه أمة، ووصف إبراهيم عليه السلام بأنه حنيفا، بأنه مخلص لله عز وجل، أي أخلص الدين لله عز وجل وحده. فجاء أو فبعث الله عز وجل محمدا يجدد لهم دين إبراهيم، والدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك وأهله، والبراءة والخلوص من الشرك وأهله. قال رحمه الله تعالى: «ويخبرهم»، أي محمد صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، «يخبرهم أن هذا التقرب»، أي التقرب إلى تلك المعبودات بأنواع من العبادات، «والاعتقاد»، أي اعتقاد أن تلك المعبودات وصائط بينهم وبين الله عز وجل، وأنهم شفعاء بينهم وبين الله عز وجل، وأن لهم منزلة عظيمة يستحقون لأجلها العبادة، هذا التقرب وهذا الاعتقاد «محض حق لله تعالى»، محض حق لله تعالى. ومعنى قوله رحمه الله تعالى: «ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق لله»، أي خالص حق لله عز وجل، لا يصلح منه شيء لغير الله عز وجل، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما. أي هذا التقرب، وذلكم الاعتقاد الذي صار به المشركون يتقربون إلى تلك الوصائط، وتلك الآلهة التي اتخذوها مع الله عز وجل، هذا محض حق لله، أي خالص حق لله عز وجل. فلا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله عز وجل. وقوله رحمه الله تعالى: «محض حق لله عز وجل»، يدل على معنى التوحيد، ويدل على معنى الشرك. يدل على أن التوحيد، وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة، محض حق لله عز وجل، فلا يجوز صرفه لغير الله عز وجل. وهذا هو المعنى الثاني، بمعنى أن قوله رحمه الله تعالى: «ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق لله»، فيه إشارة إلى أن التوحيد هو حق لله عز وجل، حق محض لله عز وجل، لا يجوز فيه الشركة. فالتوحيد يدل على معنى التوحيد، وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة، وإخلاص الدين له وحده سبحانه وتعالى. ويدل أيضا على معنى ضده، وهو الشرك بالله عز وجل، وأن الشرك بالله عز وجل هو أن يشارك غير الله عز وجل فيما اختص به الله عز وجل وحده سبحانه وتعالى. لذا قال: «لا يصلح منه شيء»، وهذه نكرة في سياق النفي تفيد العموم. «لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل»، لا لملك مقرب ولو كان جبريل عليه السلام، ولو كان ميكائيل، ولو كان إسرافيل، ولو كان من كان من حملة العرش. لا يصلح لهم شيء من هذا، لا يصلح هذا الملك مهما بلغ من المكانة العالية عند ربه عز وجل، أن يكون معبودا مع الله عز وجل. بل هم عباد لله عز وجل وحده، متبرئون ممن عبدهم مع الله عز وجل. كما قال الله عز وجل عنهم حينما قال لهم: «أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا سبحانك، أي ننزهك ونقدسك ونعظمك و، ننزهك ونعظمك ونجلك أن نكون دعاة إلى أنفسنا في العبادة». قال: «ولا لنبي مرسل»، ولو كان هذا النبي من أولي العزم، ولو كان هذا النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلا يصلح ولا يكون أبدا لأحد من دون الله عز وجل هذا المقام. وما كان كما قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. أبدا لا يحصل من رسول ولا من نبي الدعوة إلى عبادته. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس كونوا عبادا لمن دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. فالأنبياء والرسل، الرسل من الملائكة والرسل من البشر، كلهم عبيد لله عز وجل، كلهم يتقربون إلى ربهم عز وجل بأنواع من العبادات، ولا يرضون لأحد من الناس أن يتقرب إليهم بشيء من العبادات. بل هم يقرون ويعتقدون أن هذه الأمور هي محض حق الله عز وجل. بل إن الرسل من أولهم إلى آخرهم جاءوا دعاة إلى تقرير التوحيد وإظهار التوحيد وبيان التوحيد والدعوة إلى التوحيد، والبراءة والتحذير والتنفير من الشرك وأهله. فكيف بعد هذا يتخذ هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام أو أولئك الملائكة عليهم السلام بعد ذلك يتخذون معبودات مع الله عز وجل؟ تعالى الله عن شرك المشركين علوا كبيرا. فالحاصل من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى يريد أن يقرر أمرا كما أشرنا إليه في الدرس الماضي، وهو أن شرك المشركين، الذي وقع منهم الشرك، إنما كان أصله وسببه الغلو في الصالحين، الغلو في الصالحين. ثم بعد ذلك توسع الأمر واتسعت الدائرة إلى أن عبدوا غير أولئك الصالحين. منهم من عبد الشجر، ومنهم من عبد الحجر، ومنهم من عبد الشمس والقمر، إلى غير ذلك. واتخذوهم كذلك وصائق، واتخذوهم وصائق. منهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الأنبياء، ومنهم من عبد الصالحين، ومنهم من عبد غير ذلك. وكل عبادة صرفت لغير الله عز وجل إلى أي معبود كان، ولو لنبي مرسل، ولو لملك مقرب، فإنها من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل، ولا ينفع صاحبه بعد ذلك عملا يعمله، ولو كان يظنه أنه صالح نافع له. لأن وجود الشرك في الشخص الواحد كوجود الناقض في الحدث بالنسبة لمن أراد الصلاة، لا يصلح طهارة صلاة إلا بماء، ولا تصلح عبادة إلا كذلك بتوحيد. قال رحمه الله تعالى: «وإلا فهؤلاء المشركون»، أي الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. «يقرون»، يشهدون أن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو. وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأراضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، وتحت تصرفه وقهره. هذا اعتقاد المشركين الأول، يعتقدون أن الله عز وجل هو الخالق وحده، لا يشركون مع الله عز وجل شيئا في الخلق، ويعتقدون أنه المالك وحده، وأنه المدبر وحده، وأن الأمر كله بيده وحده، وأنه النافع الضار وحده. ومع هذا ما نفعهم شيء من ذلك، ما نفعهم هذا التقرير أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، مع كونهم يشركون في الألوهية، مع كونهم يشركون في الألوهية. بل لا بد أن يأتوا بالتوحيد كله، لا بد أن يأتوا بالتوحيد كله، بتوحيد الألوهية وبتوحيد الربوبية، بتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. فالحاصل من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يقرر، وهذا قلنا من حسن بيان الشيخ، وحسن توفيق الله عز وجل كذلك لهذا الشيخ رحمه الله تعالى، إذ أنه كتب هذه المقدمة بين يدي الكتاب، يدلل فيها ويقرر فيها تقريرا واضحا بينا شافيا كافيا. في أن المشركين الأول كانوا يتقربون إلى الله عز وجل بالعبادات، هذا أمر. الأمر الثاني أن المشركين الأول إنما كان شركهم بواسطة اتخاذهم وصائط بينهم وبين الله عز وجل، يعتقدون فيهم أنهم أقرب إلى الله عز وجل، وأنهم أدرى لوصول حاجاتهم إلى الله عز وجل. الأمر الثالث أشار إليه الشيخ رحمه الله تعالى في هذه المقدمة أيضا، أن هؤلاء المشركين يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق وحده، هو المالك وحده، هو المدبر وحده، الذي بيده النفع والضر. ومع هذا كله لا ينفعهم ذلك شيئا، لم ينفعهم ذلك الأمر شيئا. فهذا فيه تقرير ومشابهة بين مشركي العرب الأول وبين مشركي زماننا، وبين مشركي زماننا. فإن الناظر في مشركي زماننا عندهم عبادة، نعم عندهم عبادة، يذكرون الله، يصلون، يصومون، إلى غير ذلك. طيب هل وقع منهم الشرك باتخاذ وصائط بينهم وبين الله عز وجل، باتخاذهم القبور بالتقرب إلى القبور وإلى أصحاب القبور بأنواع من العبادات، ذبحا ونذرا وسؤالا ودعاء إلى غير ذلك، لأجل أن يقربوه من الله عز وجل زلفى؟ الجواب نعم. الثالث أن مشركي زماننا إذا قال القائل لهم: ما هو لا إله إلا الله؟ ما هي دعوة التوحيد الذي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: معنى لا إله إلا الله لا خالق ولا رازق ولا مالك إلا الله. فما الفرق بين القومين؟ واضح هذا الجواب أم لا؟ فالشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يقرر هذا الأمر لما سيأتي ذكره من الشبهات. والله أعلى وأعلم. وإلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.