شرح لمعة الإعتقاد 12

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 12، ألقاها

أدلة ثبوت كلام الله عز وجل

يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة والجماعة في كلام الله عز وجل وأدلة ثبوته، حيث يُثبت أن كلامه حقيقي بصوت وحرف يليق به ويختلف عن كلام المخلوقين.

صفات كلام الله عز وجل واختلاف الطوائف فيه

يشرح المقطع اعتبارات صفة كلام الله عز وجل ويبين اختلاف الطوائف في هذه الصفة، حيث عطلتها بعض الطوائف واعتبرت كلام الله مخلوقا أو معنى نفسانيا.

تعريف القرآن الكريم وأنه كلام الله غير مخلوق

انتقل الشيخ إلى الكلام عن القرآن الكريم، مؤكدا أنه من كلام الله عز وجل غير مخلوق، نزل به الروح الأمين على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة

يختتم الشيخ درس اليوم ويشكر الله، ويعلن عن استكمال الشرح في درس قادم، ويكتفي بالحديث عن بعض النقاط في الوقت الحالي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، طيب ما زلنا في كلام على صفة الكلام. وصفة الكلام كما ذكرنا يذكر العلماء -رحمه الله تعالى- أنها أن لها اعتبارين، أن لها اعتبارين: باعتبار مجموعها قديمة، أي أزلية، وباعتبار آحادها وأفرادها حادثة. لذا يقول العلماء -رحمه الله تعالى-: "قديمة النوع، وحادثة الآحاد". قديمة النوع، وحادثة الآحاد. بهذا المعنى: قديمة النوع باعتبار أن الله عز وجل تكلم بها أزلا، وأن الله عز وجل متكلم أزلا. وحادثة الآحاد بمعنى أن أفراد الكلام متعلق بما شاء الله عز وجل يتكلم ما يشاء، مع من شاء، كيف يشاء سبحانه وتعالى. وقد ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- هاهنا عدة أدلة تدل على هذا المعنى. طيب، قال -رحمه الله تعالى-: "وقال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتُمُ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ [الماعون:1] هذا الظاهر". وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء". روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى مرفوعا، ولكنه ليس بثابت. رواه ابن خزيمة وغيره. وصواب أنه موقوف. والصواب في الوقف، أما المرفوع فلم يصح. روى مرفوعا وموقوفا، ورجح الموقوف الإمام الدارقطني -رحمه الله تعالى- وغيره. لكنه موقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الكلام لا يقال من قبيل الرأي، ولكن يقال بتوقيف. فقولهم: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء"، هذا فيه دلالة واضحة على ثبوت الكلام لله عز وجل. فإن فيه: "إذا تكلم"، إثبات الكلام لله عز وجل. وقوله: "سمع صوته"، دل على أن كلام الله عز وجل حقيق بصوت وحرف، وأنه مسموع. وكذلك بحرف؛ لأن الكلام لا بد أن يكون ماذا؟ لفظا مركبا مفيدا. لا بد أن يكون لفظا، واللفظ ما اجتمع فيه أمران: اللفظ لا بد أن يكون بحروف. والكلام -كما ذكر العلماء-رحمه الله تعالى- ما تكلم به الإنسان من صوت وحرف. الكلام لا بد أن يكون بصوت وحرف. وما لم يكن بصوت وحرف، فلا يقال فيه أنه كلام. قوله -رحمه الله تعالى-: "وروى عبد الله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان»". قال: "رواه الأئمة، واستشهد به البخاري". وهذا الحديث حسن بمجموع طرقه. بمجموع طرقه جاء من طريقين، في كل طريق منها مقال. لكن الحديث بمجموعه يرتقي إلى الحسن. وقوله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة»: العاري من لا لباس له. وقوله: «حفاة»: أي من غير نعال، ليس عليهم نعال ولا شيء. «غرلا»: من كان غير مختون. يغار له أغر. وقوله: «بهم» جاء له عدة تفاسير، منها: أنهم ليس فيهم شيء من الآفات والعيوب. قوله: «فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان». وقوله: «فيناديهم بصوت»، صريح وواضح في معناه في أن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. لأنه قال: «فيناديهم»، والنداء يكون بماذا؟ بصوت. ولا بد أن يكون بماذا؟ بحرف، أي: بصوت وحرف من أحرف النداء. فلا يكون منادى إلا مجتمع فيه هذان الأمران: الصوت والحرف. ومع هذا قال: «بصوت»، ليؤكد هذا المعنى. ثم أكده بمعنى: ثم قال بقوله: «يسمعه»، أي: أن هذا الكلام بصوت، وأنه مسموع. ولا يكون مسموعا إلا ما كان ماذا؟ إلا ما كان بصوت. ولا بد أن يكون كذلك بماذا؟ بحرف. إذ لو كان بصوت من غير حرف لما فهم. ففي تتمة الحديث بيان ذلك، أنه قال: «أنا الملك، أنا الديان». وهذه كلمة مكونة من حروف وصوت. كما ترون، فهي كلام ليس كمثل شيء. فهذا الحديث من أصرح الأحاديث في ثبوت كلام الله عز وجل، وأنه بصوت وحرف. أيضا من أصرح الأحاديث في أن صوت الله عز وجل ليس كصوت المخلوقين. وكلامه ليس كصوت المخلوقين وكلامهم. وذلك لأن كلام الله عز وجل وصوت الله عز وجل يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب. فهم في السماع سواء. بخلاف كلام المخلوق، فإن من قرب يسمعه أوضح ممن بعد. فنعتقد أن لله عز وجل كلاما يليق به، وأنه بصوت وحرف. وهذا الصوت والحرف لا يماثل كلام المخلوقين. لا يماثل كلام المخلوقين. قال -رحمه الله تعالى-: "وفي بعض الآثار: أن موسى -عليه السلام- ليلة رأى النار فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت". هذا الأثر إلى آخره جاء أو سبت عن وهب بن منبه. رواه الإمام أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم في التفسير. واستناده حسن. إلا أنه من الإسرائيليات. فإن وهب بن منبه كان ممن يأخذ من الإسرائيليات. فمثل هذا الأثر لا يفرح به. ولكن ابن قدامة -رحمه الله تعالى- لعله ذكره هكذا من باب الاستئناس، لا من باب الاستدلال. لأنه مقرر عند أهل السنة والجماعة: أن العبرة في هذا الباب بما ثبت عن الله عز وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا هو المعتبر في هذا الباب. فلعل ابن قدامة -رحمه الله تعالى- ذكر هذا الأثر من باب الاستئناس؛ ليدلل على أن الأمم السابقة مقرة بهذا المعنى. وفي الأثر أنه قال: «فأجاب سريعا استئناسا بالصوت، فقال: لبيك، لبيك. أسمع صوتك ولا أرى مكانك». الشاهد: «أسمع صوتك»، في إثبات أنه سمع الصوت، ولا أرى مكانك. فأين أنت؟ قال: «أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك». فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى. قال: «كذلك أنت يا إلهي. أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى». وهذا كذلك من الشواهد في هذا الأثر. وفي الأثر -أيضا- نوع من الغرابة. لأن موسى -بعد أن تأكد أنه ربه- على هذا الأثر -وهم الإسرائيليات- والإسرائيليات لا تصدق ولا تكذب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». وقال: «ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم». فهذا من باب الرواية عنهم. والحاصل من هذا: أن الصفة ثابتة بكتاب الله، والسنة. وأجمع عليها سلف هذه الأمة. وهي من الصفات التي وقع الصراع فيها بين أهل السنة والجماعة، وبين مخالفهم. فجميع الطوائف عطلاء عن هذه الصفة بأنواع من التعطيل. منهم من غال في التعطيل، فقال: "إن كلام الله عز وجل مخلوق". ومنهم من قال: "إن كلام الله عز وجل معنى، وليس لفظا". أي: أنه كلام نفساني. وأما اللفظ، فليس من كلام الله عز وجل. كما قال ذلك الكلابية والأشعرية والماتريدية، وطوائف كثيرة من المخالفين في هذا الباب. فالكلابية قالت: "حكاية عن كلام الله". والأشعري قالوا: "عبارة عن كلام الله". القرآن ونحوه: "عبارة عن كلام الله". أي: ليس هو كلام الله حقيقة. فالقرآن الذي بين أيدينا، ونقرأه ليلا ونهارا، يقولون: "هذا ليس من كلام الله عز وجل". هذه الحروف والكلمات الموجودة في القرآن ليست من كلام الله عز وجل. لماذا؟ قالوا: "هذه عبارة عن كلام الله". لأن الله لم يتكلم حقيقة، وإنما الكلام نفساني في نفس الله عز وجل. فمنهم من يقول: "إن جبريل عبر عن ما في نفس الله عز وجل". وهذا القرآن الموجود إنما هو تعبيرات جبريل -عليه السلام- عن ربه عز وجل، عن نفس ربه. وليس هو من كلام الله عز وجل حقيقة. ومنهم من قال: "إنما هو من تعبير نبينا صلى الله عليه وسلم". علم ما في نفس ربه، وأخذ ما في نفس ربه من المعاني، وعبر بها، وساقها من عند نفسه. وهذا كلام باطل. وحقيقته أنه يقول: "إن هذا القرآن الذي بين أيدينا أنه مخلوق". إذ لو كان من تعبير نبينا صلى الله عليه وسلم، أو من تعبير جبريل -عليه السلام- وجبريل مخلوق، لازم أن يكون الكلام مخلوقا. أن يكون مخلوقا. ولكنهم أتوا -كما يقال- بإسلوب فيه لف ودوران. فقالوا: "إنه ماذا؟" فقالوا: "إن الكلام باعتبار معناه نفساني". فكلام الله عز وجل -هل تقولون بأنه متكلم؟ يقولون: "نعم". ولا نقول: "إن كلام الله مخلوق". يقولون: "كلام الله ليس مخلوق". طيب، وما في القرآن من الكلام، هل هو من كلام الله عز وجل؟ يقولون: "من كلامه، وليس من كلامه". كيف هذا؟ يقولون: "باعتبار المعنى هو من كلام الله". وباعتبار اللفظ ليس من كلام الله عز وجل. فحقيقة الأمر: أن ما في القرآن ليس من كلام الله عز وجل. إنما هو تعبير عن كلام الله عز وجل. قال -رحمه الله تعالى-: "ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين على قلب سيد الأولين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود". قال: "وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات". من قرأه فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات. له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض. متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف. فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وقوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:88]. انتقل الشيخ -رحمه الله تعالى- إلى الكلام على نوع من كلام الله عز وجل، وهو القرآن الكريم. فالقرآن الكريم من كلام الله عز وجل. ثم عرف القرآن الكريم بقوله: "وهو كتاب الله المبين". أي: أن الله عز وجل أنزله كتابا مبينا. كما جاء في القرآن: ﴿تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ [يوسف:1]. "وحبله المتين". كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ [آل عمران:103]. "وهو صراطه المستقيم". في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [الآية]. وأيضا في قول الله عز وجل: ﴿صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الآية]. وقوله: "تنزيل رب العالمين". وهذا كذلك دل عليه القرآن العظيم: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [الزمر:1]. تنزيل كتاب من الله العزيز الحكيم. قوله: "نزل به الروح الأمين". كما قال الله عز وجل: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:193-194]. وقوله: "على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين". كما في الآية السابقة. قوله: "منزل غير مخلوق". بمعنى: أن الله عز وجل هو الذي أنزله. وهو الذي تكلم به حقيقة. أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم. لم يكن مخلوقا، بل هو منزل من الله رب العالمين. قال: "منه بدأ وإليه يعود". منه بدأ: أي الله عز وجل هو الذي ابتدأ الكلام به حقيقة. بمعنى: أن الله عز وجل هو الذي تكلم بهذا القرآن. ومنه كان ابتداء الكلام بهذا القرآن. وقيل أيضا: "منه بدأ" أي: بدو الكلام. فبدأ من البدو والبدو معناه الظهور. فمعنى "ومنه بدأ": أي ومنه ظهر. وقوله أيضا: "وإليه يعود". ذكر العلماء له معنيين. المعنى الأول: "إليه يعود" أي: أن الكلام يعود إلى من تكلم به ابتداء. لا إلى من نقله أو من تكلم به ليس ابتداء. فقوله: "إليه يعود" أي: يعود الكلام. أي: نسبة الكلام إلى من تكلم به ابتداء. ومعنى ثاني في قوله: "إليه يعود": "إليه يعود" بمعنى: أنه إليه يرجع. حينما يرفع الله عز وجل القرآن من صدور الرجال قرب الساعة. كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان عند الإمام أحمد وغيره: أنه قال: «ليسر على القرآن في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية». أخرجه ابن ماجه وغيره. وهو في الصحيح المسند. فهذان معنيان في قوله: "إليه يعود". والأول معنيان في قوله: "منه بدأ". ونكتفي بهذا في هذا اليوم إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، تغفرك وأتوب إليك. ونكمل ما تبقى في درس لاحق إن شاء الله.

شاركنا على