الدرس في شرح العقيدة الواسطية 79، ألقاها
يثبت الشارح أن الجزاء على الأعمال ثابت بالعقل والشرع مستدلاً بالقرآن الكريم. العقل يدرك أن الخلق ليس عبثًا بل له حكمة.
الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة ويتضمن الإيمان بعلم الله القديم ومقادير الخلق المكتوبة. الإيمان بالقدر على درجتين دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
الدرجة الأولى تتضمن الإيمان بعلم الله المحيط وتسجيله في اللوح المحفوظ. هذا التقدير يشمل تفاصيل دقيقة مثل رزق الفرد وأجله وعمله.
هناك درجة من القدر يُعد إنكارها كفرًا لأنها معلومة من الدين بالضرورة. ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما قوله: وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب إلى آخره، فاعلم أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرها ثابت بالعقل كما هو ثابت بالسمع. وقد نبه الله العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من كتابه، مثل قوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾. هنا كما ترون، الشارح رحمه الله تعالى يلفت النظر إلى أن مسائل الجزاء، وأن من فعل خيرا وجد خيرا، ومن فعل غير ذلك يجد غير ذلك من الشر، كما أنه ثابت في الشرع، كذلك ثابت بالعقل. فإن العقل يثبت هذا الأمر. وقد أرشد الله جل وعلا إلى هذا المعنى ونوه بهذا المعنى بقوله في آيات كثيرة على هذا المعنى. فقال: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾، وهذا خطاب لمن؟ خطاب لهؤلاء الناس، وفيه معنى التنبيه إلى أن هذا الأمر مسلم عقلا، فلا يحتاج إلى تردد. ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾، أتظنون أن الله جل وعلا خلقكم عبثا؟ وهذا كما ترون، فيه معنى الاستفهام، وفيه معنى الإنكار، وكذلك فيه معنى التوبيخ. ثم قال في آخر الآية: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾، أي تعالى الله جل وعلا، ويتقدس ويتنزه أن يفعل فعلا لغير ما حكمة. واضح جماعة، أم لا؟ قال الشارح رحمه الله تعالى: وكذلك نبههم الله على ذلك بما أوقعه من أيامه في الدنيا من إكرام الطائعين وخذلان الطاغين. وأما تفاصيل الأجزية ومقاديرها، فلا يدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين. فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: ما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تبارك وتعالى أحد الأركان الستة التي يدور عليها فلك الإيمان، كما دل عليه حديث جبريل وغيره، وكما دلت عليه الآيات الصريحة من كتاب الله عز وجل. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقد ذكر المؤلف هاهنا أن الإيمان بالقدر على درجتين، وأن كل درجة تتضمن شيئين. فالدرجة الأولى تتضمن أولا: الإيمان بعلمه القديم المحيط بجميع الأشياء، وأنه تعالى علم بهذا العلم القديم الموصوف به أزلا وأبدا كل ما سيعمله الخلق فيما لا يزال، وعلم به جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثانيا: أن الله كتب ذلك كله وسجله في اللوح المحفوظ. فما علم الله كونه ووقوعه من مقادير الخلائق وأصناف الموجودات، وما يتبع ذلك من الأحوال والأوصاف والأفعال ودقيق الأمور وجليلها، قد أمر القلم بكتابته. كما جاء في حديث عبادة بن الصامت وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». قال الشارح رحمه الله تعالى: وأولها هنا بالنصب على الظرفية، والعامل فيها «قال». أي قال له ذلك أول ما خلقه. وقد روي بالرفع على أنه مبتدأ خبره «القلم». ولهذا اختلف العلماء في العرش والقلم أيهما خلق أولا؟ قال الشارح رحمه الله تعالى: فما علم الله كونه ووقوعه من مقادير الخلائق وأصناف الموجودات، وما يتبع ذلك من الأحوال والأوصاف والأفعال ودقيق الأمور وجليلها، قد أمر القلم بكتابته. قال: وهذا التقدير التابع للعلم القديم ثارة يكون جملة كما في اللوح المحفوظ، فإنه فيه مقادير كل شيء. ويكون في مواضع تفصيلا يخص كل فرد، كما في الكلمات الأربع التي يؤمر الملك بكتابتها عند نفخ الروح في الجنين. يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد. فهذا تقدير خاص. وهذا التقدير السابق على وجود الأشياء قد كان ينكره غلاة القدرية قديما مثل معبد الجهني وغيلان الدمشقي. وكانوا يقولون: إن الأمر أنف. ومنكر هذه الدرجة من القدر كافر، لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.