الدرس في كتاب الطهارة 26، ألقاها
يتناول هذا الفصل حديث أبي هريرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أوضح النبي أن المسلم لا ينجس حتى لو كان جنبًا. هذا الحديث يدل على طهارة المسلم.
يفسر هذا الجزء حديث حذيفة بن اليمان مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدل به على طهارة المسلم حيًا وميتًا، كما يتناول آراء الفقهاء حول طهارة الكافر.
يناقش هذا الفصل آراء أهل العلم في طهارة المشرك وجواز مجالس الجنب، واستدلالهم بحديث «إن المسلم لا ينجس» على طهارتهم وطهارة فضلاتهم.
يبحث هذا المحور في حكم مس القرآن للمتوضئ، واستدلال بعض العلماء بحديث طهارة المسلم على جواز أو عدم جواز مس القرآن بدون وضوء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب "عمدة الأحكام" في كتاب الطهارة، باب "الغسل لجنابة": عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنس منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله، إن المسلم -وفي رواية: المؤمن- لا ينجس». وجاءت في رواية في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه، فأخذ بيده، فأخذ بيد أبي هريرة حتى سار معه حتى قعد، وقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم انسللت منه. فهذه الرواية تدل على الرواية الأخرى، أي هذه الرواية المذكورة الآن تدل على هذه الرواية من أنه في قوله: «لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب» قال: فانخنست منه، بعد أن أخذ بيده، وبعد أن سار معه وقعد، ثم انخنس منه. وقد يروي هذا الحديث عن حذيفة، رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في طريق وهو جنب، قال: فمعنى كلامه أنه اختفى ثم اغتسل ثم جاء. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أين كنت يا حذيفة؟ ألم أراك في الطريق؟» فقال له: يا رسول الله، إني كنت جنبًا، وكرهت أن أجالسك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم -أو قال: المؤمن- لا ينجس». وهذا يؤيد حديث أبي هريرة. نتكلم الآن على بعض ألفاظ هذا الحديث، ثم نتكلم على مسائله بإذن الله عز وجل. قوله: «فانخنستم» -بالنون ثم بالخاء المعجمة والسين المهملة- من الخنوس، وهو التأخر والاختفاء. وقوله: «وهو جنب» بضم الجيم المعجمة والنون، وأصلها البعد. وقوله: «لا ينجس» بضم الجيم وفتحها، ونَجَس الشيءُ يَنْجَس من باب تعِب. وفي الحديث مسائل كثيرة، لكن نأخذ منها ما تيسر إن شاء الله. المسألة الأولى: طهارة المسلم حيًا وميتًا. أما حيًا فبالإجماع، ولحديث الباب ونحوه في قصة حذيفة أيضًا في مسلم. وأما ميتًا، فللشافعية فيه وجهان، ولغيرهم أيضًا. والصحيح أنه طاهر؛ لحديث: «المؤمن لا ينجس». وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا». مسألة أخرى: حكم بدن الكافر، هل هو طاهر أم لا؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه طاهر أيضًا؛ لأن الأصل في الأعيان الطهارة، وعدم وجود دليل على نجاسته. وأما قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد به النجاسة المعنوية العقدية، أي نجاسة الشرك، لا نجاسة البدن. ويستفاد من هذا الحديث جواز ذهاب الجنب لقضاء حوائجه، ومجالسة أهل العلم والفضل؛ لأنه ليس بنجس. وإذا لم يكن نجسًا، ففضلاته الطاهرة باقية على طهارتها، كالدمع والعرق والريق. وهذا كله مجمع عليه بين العلماء. ويدل على هذا أيضًا ما ذكرناه في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده ومشى معه وأجلسه معه، ثم انسل أبو هريرة. فلما أخبر، قال: «سبحان الله، إن المسلم -أو المؤمن- لا ينجس». فهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم بجواز مجالسة الجنب. مسألة أخرى مستفادة من هذا الحديث: جواز تأخير غسل الجنابة ما لم يضق وقت الصلاة. وأيضًا، ما ينتضح من بدن الجنب في الماء الذي يغتسل منه ليس بنجس. وهذا قول عامة أهل العلم، ووقع فيه خلاف يسير. مسألة أخرى: أن الجنب إذا أدخل يده في الماء قبل أن يغسلها، وليس على يده نجاسة، فإن الماء لا ينجس؛ لأن المؤمن لا ينجس. ومسألة أخرى مستفادة من الحديث: جواز قراءة القرآن ومس المصحف للجنب. وفي هذه المسألة خلاف كبير، ولكن الظاهر هو جواز ذلك؛ لعموم الحديث: «إن المؤمن لا ينجس». فهذا يدلنا على أن المؤمن طاهر. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى صحة حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر». فالمسلم هنا طاهر؛ لأن المسلم لا ينجس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ﴾.