الدرس في كتاب الصلاة 52، ألقاها
يناقش هذا الفصل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المرور بين يدي المصلي، ويبين دلالة الحديث على تحريم المرور بين يدي المصلي وعقوبة من يفعل ذلك. كما يشير إلى أن العلم المثمر للعمل هو المقصود في الحديث.
هذا الفصل يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينهى عن المرور بين يدي المصلي، ويبين آراء العلماء في حكم المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن هناك طريق آخر، ويشير إلى أهمية السترة في الصلاة ومنع المرور بين يدي المصلي.
يناقش هذا الفصل اختلاف العلماء في حكم المرور بين يدي المصلي، حيث ذهب بعضهم إلى تحريمه، بينما ذهب آخرون إلى كراهته أو إباحته في بعض الحالات، وتختلف الأحكام باختلاف وجود سترة المصلي والمسافة بينه وبين المار.
هذا الفصل الأخير يشرح معنى المقاتلة بأنها المناجعة بالأيدي، ثم اختتم الدرس بالدعاء والاستغفار.
الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب المرور بين يدي المصلي. تقدير معنى "مرارا" أن الباب يطلق ويراد به المدخل، وهنا مدخل معنوي، والمدخل هنا مدخل معنوي، والمراد به باب أو مدخل في الكلام على أحكام المرور بين يدي المصلي. باب في الكلام على أحكام ومسائل المرور بين يدي المصلي. قال رحمه الله تعالى: عن أبي الجهم، عن أبي جهيم، عن أبي جهيم - عندكم من الحارث، أنا في نسختي: عبد الله بن الحارث - عن أبي جهيم عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه». قوله رحمه الله تعالى: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم». قوله: «من الإثم»، ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى أن هذه الزيادة، أي لفظ «الإثم»، جاءت في بعض نسخ البخاري ومسلم، وذكر أنها غير محفوظة. قلنا: ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى أن هذه اللفظة، أي لفظ «الإثم»، ليست محفوظة، جاءت في بعض نسخ البخاري ومسلم، وليست محفوظة. قال: وذكر ابن عبدالبر رحمه الله تعالى أنه رواها سفيان الثوري - أي بهذه الزيادة - قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: ورواه عبدالرزاق من طريق سفيان الثوري، ولكن من كلامه، فهو مدرج، تفسير للكلام، وهو مقتضى هذا المقام، فتكون هذه رواية مدرجة على قول الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله. طيب، في حديث أبي جهيم رضي الله عنه وأرضاه كثير من المسائل والفوائد، نشير إلى بعضها. قوله رحمه الله تعالى: «لو يعلم المار» فيه جواز إطلاق هذه اللفظة، أي «لو»، إذا لم يكن على سبيل التسخط، على ما مر من القضاء. فهذا في هذا المقام جائز، أو إذا أتى بها للزيادة من العلم ونحوه، فكذلك. كما جاء في حديث ابن عباس، عن أبي بن كعب، في قصة موسى مع الخضر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى، لو أنه صبر حتى يقص لنا من أخبارهما» أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قوله: «يعلم لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه» - كما جاءت في هذه الرواية - «من الإثم» يدل على أن الإنسان - كما قال الله عز وجل - فيه جهالة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وفيه أيضًا أن الإنسان لو علم - والمراد هاهنا بالعلم المثمر للعمل - وإلا فإن كثيرًا من الناس يعلمون ولكن لا يعملون. فكثير من الناس قد يسمعون بمثل هذه الأحاديث ولكنهم ماذا؟ لا يعملون بهذا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين». وكما جاء فيه: قال أبو النظر: «لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة خيرًا له من أن يمر بين يدي المصلي». وهذا كما ذكرنا: العلم المثمر. لو يعلم المار بين يدي المصلي كذلك قد يحتمل على أنه لو يعلم ما أعده الله عز وجل أو ما رتبه الله عز وجل عليه من الإثم، لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم العظيم والجرم الكبير، لماذا لم تنه عن المرور بين يدي المصلي؟ لذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر، نص على هذا الإمام الذهبي، وكذلك أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وكذلك العلامة الشوكاني رحمهم الله جميعًا. قالوا: إن فيه وعيدًا جديدًا: «لو يعلم لكان خير له أن يقف كذا وكذا». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه». قال العلماء رحمه الله تعالى: فيه إشعار بأنه إذا كان المار بين يدي المصلي وكان المصلي في طريق، لكان خيرًا له أن يقف ولا يمر حتى يفرغ المصلي من صلاته. أي: إذا كان المصلي في مكان وكان هذا المار يريده أن يمر إلى أن يجاوز المصلي حتى يصل إلى ذلك المكان، قالوا: لأن يقف وقوفًا طويلًا حتى يفرغ المصلي من صلاته خير له من أن يمر بين يديه. وفي الحديث أيضًا إشارة إلى أن لفظ «خير» قد يطلق ويراد به ولا يراد به معنى الأفضلية، بل يراد به معنى المنع، كما في هذا الحديث. فليس معنى الحديث أنه بين خير وأخير واضح، لأن «خير» تستخدم ويراد بها أفعل التفضيل. فليس معنى أن «خير له» أي أخير له أن لا يمر، وخير له أن يمر. ولكن المراد به أنه يمنع عليه أن يمر مطلقًا بين يدي المصلي. وكما قال الله عز وجل: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى﴾ مقارنة بين الله عز وجل وبين ما يشركون، فدل هذا على أن «خير» تطلق ولا يراد بها معنى الأفضلية. وقوله رحمه الله تعالى: «كان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه». في إشارة إلى أن المنهي أن يمر بين يدي المصلي، أما إذا مر من ورائه، أو من مكان بعيد، وإن كان أمام مصلي، لكن من مكان بعيد، فليس عليه شيء. وتحت هذا الحديث مسائل سيأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: معناه ما عليه من الإثم، لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم. طيب، يقول النووي رحمه الله تعالى شارحًا هذا الحديث بشرح مجمل: قال معناه ما عليه من الإثم، أي على هذا المار لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. يقول الإمام النووي: معناه ما عليه من الإثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم. ثم قال رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث النهي الأكيد والوعد - أو قال: والوعيد الشديد - في ذلك. قال رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث النهي الأكيد والوعد - أو قال: والوعيد الشديد - على ذلك، أي على المرور بين يدي المصلي. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: فإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكًا يباح له المرور فيه، خير له من المرور بين يدي المصلي، وإن لم يجد طريقًا غيره. وكما ذكرنا هذا، قال: وقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه، متى لا يكره ولا يمنع؟ إذا كان ليس له طريق إلا هذا الطريق. ذكر رحمه الله تعالى أن بعض الشافعية وبعض المالكية وبعض الحنابلة ذكر أن بعض هؤلاء يقولون: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه، أي لا يمنع من المرور بين يدي المصلي إذا كان المصلي يصلي في طريق ليس له طريق سواه. قال أصحابنا: لكن يضع المار شيئًا يمر من ورائه، أو يخط خطًا إذا لم يجد. قال: وكلام أحمد، أكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي. والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه، وعمل به، مستدلًا به. أو لا يشير. قال: أو يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، وهو الثاني. أحاديث هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، فيه: نقرأ حديث أبي سعيد؛ لأنه متعلق كذلك بحديث أبي جهيم. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان». طيب، حديث أبي سعيد فيه كذلك من الفوائد إلى جانب ما تقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس». في إشارة إلى مشروعية السترة. وأن المصلي إذا صلى، فإنه يصلي إلى شيء يستره من الناس. والسطر - كما ذكر من ذكر من أهل العلم - هو الشيء الذي يجعله المصلي بينه وبين الناس في الصلاة، ليمنع الناس من المرور بين يديه. وفيه: قال: «إذا صلى أحدكم إلى شيء». يدل على أن السترة تكون في الجماعة للإمام، وتكون كذلك للمنفرد. وسواء كانت هذه الصلاة فريضة أو كانت هذه الصلاة نافلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى». فيدخل فيه صلاة الجماعة، وصلاة المنفرد، ويدخل فيه كذلك صلاة الفرض، وصلاة النفل. قوله: «إلى شيء». يدل على أن الإنسان لا بد أو ينبغي له أن يستتر بشيء. قال: «يستره من الناس أن يمنعهم من مرور الناس بينه وبين تلك السترة». قوله: «فأراد أحد أن يجتاز». يدل على إطلاق ذلك الأحد، سواء كان من الإنس أو كان من الحيوان. لا يجعل أحدًا يمر بين يديه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه». ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنهم يدفعوا بمعنى: أن أول ما يبدأ به أن يمنعهم، فإن أبى دفعه دفعًا يسيرًا، فإن أبى يدفعه دفعًا شديدًا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأراد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه». قالوا: أول ما يكون أن يمنعه حتى يتنبه؛ لأن مثل هذا لا يحصل إلا عن غفلة. فإن ظهر له أنه لم يكن عن غفلة، وأراد الدخول، في هذه الحالة يدفعه دفعًا أقوى من الدفع الأول. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في قوله: «فليقاتله»، يعني: فليدفعه، لكن يكون دفعًا أشد من الدفع الأول. كما جاء في سبب الحديث: أن بعض بني أبي معيط أراد أن يمر بين يدي أبي سعيد، فدفعه، ثم أراد مرة أخرى فدفعه بقوة. وجاء في بعض الروايات أنه دفعه حتى سقط. فذهب إلى مروان بن الحكم - وكان أميرًا على المدينة - فتبعه أبو سعيد. فقال له مروان لأبي سعيد: «ما حملك على أن تفعل بابن أخيك ما فعلت؟» فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وذكر هذا الحديث. وفي قوله: «فإنما هو شيطان». بهذا الأسلوب الذي يفيد الحصر، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن قوله: «فإنما هو شيطان». قالوا: قد يحمل على أن ذلك الرجل بمروره يمر معه الشيطان. وذهب بعض أهل العلم إلى أخص من ذلك، فقالوا: يدخل معه قرينه، وقرينه شيطان. وذهب بعضهم إلى أن ذلك الرجل بذلك الفعل، بأنه شيطان، أي: فعل شيطان، وليس فعل إنسان يخاف الله عز وجل. طيب، هذه بعض المسائل كذلك أو الفوائد المتعلقة بحديث أبي سعيد. وفي الحديث مسائل: الأولى: حكم المرور بين يدي المصلي. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الفتح: وهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وهو الصحيح عند أصحابنا، والمحققين من أصحاب الشافعي، وطائفة منهم. ومن أصحابنا أطلقوا الكراهة، ولم يطلقوا التحريم. قال: وكذلك أطلقها غيرهم من أهل العلم، منهم ابن عبدالبر وغيره. قال: وحكاه الترمذي عن أهل العلم، أي: حكى الكراهة. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم. قال: فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرًا، أي: إطلاق الكراهة على التحريم. قال ابن رجب رحمه الله: وقد حكى ابن حزم في كتاب الإجماع الاتفاق على أن المار بين يدي المصلي وسترته آثم. نقل ابن حزم في كتاب الإجماع - وهو المسمى بمراتب الإجماع - الاتفاق على أن المار بين يدي المصلي وسترته بأنه آثم. وقد تقدم وذكرنا أن بعض العلماء رحمه الله تعالى حكموا عليه بأنه فاعل لكبيرة، إذا تعمد المرور بين يدي المصلي لغير حاجة. فنص بعض أهل العلم على أنه قد ارتكب كبيرة. طيب، هذه المسألة أولى هذه المسائل في هذا الباب. المسألة الثانية: هل هذا الحكم في من صلى إلى سترة؟ أم عام لكل مصل؟ أم هو عام لكل مصل؟ حديث أبي جهيم فيه إطلاق الأمر، إذا صلى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم المار بين يدي المصلي». قوله: «بين يدي المصلي». قوله: «بينه وبين سترته». وفي حديث أبي سعيد يقول: أن نبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه». فلأجل هذين الحديثين ذكرت هذه المسألة: وهي هل هذا الحكم، أي التحريم، هل هذا الحكم وهو التحريم المرور بين يدي المصلي فيمن صلى إلى سترة؟ أم عام لكل مصل، سواء صلى إلى سترة أم لم يصل إلى سترة؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: في الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي - أي حديث أبي جهيم - سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن. فإن كان يصلي إلى سترة، حرم المرور بينه وبينها إذا لم يتباعد عنها كثيرًا. إذا كان إنسان نصب سترة أمامه، يصلي إليها، فمن مر بين يديه وقع بالتحريم. لكن إذا كانت سترة متباعدة، هو هنا وسترة الجدار، هل المرور بين يديه على هذه الحالة يجوز أم لا يجوز؟ يقول حافظ ابن رجب رحمه الله: فإن كان يصلي إلى سترة، حرم المرور بينه وبينها إذا لم يتباعد عنها. قال: وإن لم يكن بينه وبين القبلة سترة، صلى من غير سترة، كما يحصل من كثير من المصلين. قال: أو كانت سترته وتباعد عنها تباعدًا فاحشًا. قال: ففي تحريم المرور وجهان لأصحابنا. أصحهما التحريم لعموم حديث أبي جهيم. قال: والثاني: يكره ولا يحرم، وهو قول أصحاب الشافعي. قال: والذي نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث: أنه مباح غير مكروه. واستدل عليه بحديث ابن عباس، والمطلب بن أبي وداعة - حديث ابن عباس - في ثالث أحاديث هذا الباب. والظاهر والله أعلم أنه كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إذا لم يكن له سترة، فلا يجوز المرور بين يديه، أي: عن قرب. أما أن يمر بعيدًا عنه، فلا شيء عليه. مثلًا: من رجل يصلي هنا، مثلًا: منتصف المسجد، فمن مر وهو بعيد عنه، مر من أمامه، ولكن بعيد عنه، فإنه لا شيء عليه. وهذه المسألة ستتبين بالمسألة التي تليها، وهي ثالث المسائل في هذا الباب. المسألة الثالثة: في قدر القرب الذي يمنع المرور فيه. أي: ما هو القدر الذي يمنع المرور فيه؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: كذلك وجهين لأصحابه. قال: أحدهما: أنه محدود بثلاثة أذرع. قال: أنها منتهى المسنون في وضع السترة. أي: أن السترة تكون بينه وبين المصلي على قدر الثلاثة أذرع. قال: والثاني: حده بما لو مشى إليه لدفع المار، أو غيره، لم تبطل صلاته. وهؤلاء كأنهم قيدوا بالحركة التي تبطل الصلاة، وبالحركة التي لا تبطل الصلاة. فكأنهم يقولون: الحركة إذا كانت حركة كثيرة أخرجته عن هيئة المصلي، هذه حركة تبطل الصلاة. وهذه المسافة التي بها هذه الحركة خارج عن المرور بين يديه. فلو أن يمر على هذه المسافة، وما لم يكن كذلك، أي: لم تبطل صلاته بالحركة فيها، فإن داخل في المرور بين يدي المصلي. قول من الأقوال: وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة. وحكى أبو بكر بن العربي عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح. قالوا: إذا كان قدر الرمح، فلا يمر بين يديه على قدر الرمح، أما إذا كان أكثر من الرمح، فلو أن يمر بعد ذلك أو بعد تلك المسافة. وكذلك حكى عن آخرين: أنه قدر برمية السهم. قال رحمه الله تعالى: وقالوا: أي هؤلاء، وهو حريم المصلي، أي: أنهم محرموا للمصلي. قال: وأخذوا من لفظ المقاتلة، ولم يفهموا المراد منها. قال: والمقاتلة هنا المناجعة بالأيدي خاصة. والله أعلم. طيب، نتوقف هنا في هذه اليوم إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.