الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 256، ألقاها
ذكر الإمام البخاري بابًا عن كراهية الدعاء بـ 'اللهم اجعلني في مستقر رحمتك' لأن الرحمة قد تُفهم على أنها صفة الله أو الجنة. يُفهم من الأثر أن أبا رجاء العطاردي كره هذا الدعاء لسببين محتملين.
الرحمة قد تُراد بها صفة الله أو أثرها مثل الجنة. الدعاء بـ 'اللهم اجعلني في مستقر رحمتك' يمكن فهمه على أنه طلب للتنعم بنعيم الجنة.
نهى النبي عن سب الدهر لأنه سب لله، ويجوز وصف الدهر إذا كان إخبارًا. وصف الطقس جائز إذا لم يتضمن سبًا أو لعنًا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": باب من كره أن يقال "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك". قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثني أبو الحارث الكرماني، قال: سمعت رجلًا قال لأبي رجاء، وهو ملحان بن عمران العطاردي، ثقة مخضرم: أقرأ عليك السلام، وأسأل الله أن يجمع بيني وبينك في مستقر رحمته. قال: وهل يستطيع أحد ذلك؟ قال: فما مستقر رحمته؟ قال: الجنة. يعني هذا الذي سلم على أبي رجاء، قال له: الجنة. يعني مستقر رحمة الله، قال: لم تصب. قال: فما مستقر رحمته؟ قال: قلت: رب العالمين. وهذا الأثر صحيح. قَصَعَ الشيخ الألباني رحمه الله. ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب: باب من كره أن يقال "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك"، وذكر فيه هذا الأثر عن أبي رجاء أنه كره ذلك، ورد على من قال له: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في مستقر رحمته. فسأله: ما مستقر رحمته؟ قال: الجنة. قال: لم تصب. قال: فما مستقر رحمته؟ قال: قلت: رب العالمين. يعني ذات الله جل وعلا. وذلك أن الرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، صفة من صفات الله عز وجل. فكره أن يقال "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك"، والرحمة من صفات الله. وكذلك أيضًا إذا كان المراد بها الجنة، فإن الجنة هي مستقر المؤمنين. الجنة هي مستقر المؤمنين، كما قال الله جل وعلا: ﴿حسنة مستقرة ومقامة﴾. فمن كره ذلك يقول: إذا قلت "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك" كأنك قلت "اللهم اجعلني في مستقر جنتك"، والجنة هي المستقر. فكيف تقول "اللهم اجعلني في مستقر مستقرك"؟ فلأجل ذلك كره مثل هذا الدعاء وهذا اللفظ. وأجاب بعض أهل العلم إلى أن الرحمة تطلق ويراد بها الصفة، ويراد بها كذلك أثر الصفة. فالرحمة مصدر يراد به الصفة، ويراد به أثر الصفة. فالصفة ليست مخلوقة، فسائر صفات الله جل وعلا غير مخلوقة. ويراد كذلك بالرحمة أثر الصفة، والصفة التي هي الرحمة المخلوقة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله عز وجل خلق مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض". ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة: "إنك رحمتي أرحم بك من أشاء". يعني بالحديث القدسي: "إنك رحمتي أرحم بك من أشاء". والجنة مخلوقة، وهي من رحمة الله جل وعلا خلقت بالرحمة وللرحمة. وهكذا كذلك أيضًا سمى الله جل وعلا المطر رحمة، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، وهو الولي الحميد. ويُراد بها الصفة، كقول الداعي: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث". هنا الرحمة الصفة، صفة الله جل وعلا غير مخلوقة. فقول القائل "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك" يراد به هنا أثر الصفة، يراد به أثر الصفة، أي الرحمة المخلوقة التي هي الجنة. والجنة من رحمة الله عز وجل وهي مخلوقة. وكذلك أيضًا نبه الإمام ابن القيم رحمه الله إلى أن قول القائل "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك" أو "في مستقر جنتك" أن هذا القول كذلك لا بأس به. أن هذا القول لا بأس به، إذ أن الجنة مخلوقة وهي من رحمة الله، وكل ما في الجنة من مخلوقات فهي من رحمة الله سبحانه وتعالى. أنت تسأل الله جل وعلا أن يجعلك في مستقر الجنة، يعني أن تتنعم بنعيم الجنة، أن تتنعم بنعيم الجنة الذي هو من رحمة الله سبحانه وتعالى. فيُراد به التبيين والتمييز، كما تقول: "اللهم اجعلني أو كما تقول اجلس في مستقر مسجدك". في مستقر مسجدك يعني المسجد، لكن من باب التوضيح والتبيين والتمييز. كذلك يقال "في مستقر الجنة" يعني في أجزائها وأنواعها المخلوقة فيها. وعلى هذا الاعتبار فلا بأس أن يقال "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك". والإمام البخاري رحمه الله كأنه يجنح إلى القول بالكراهة لأجل ذلك، ذكر هذا الأثر وتبوب عليه بقوله: باب من كره أن يقال "اللهم اجعلني في مستقر رحمتك". وللإمام ابن القيم رحمه الله كلامًا نفيسًا حول هذه المسألة في كتابه "بدائع الفوائد" في الجزء الثاني، قال: باب لا تسب الدهر. قال: حدثنا إسماعيل ومن أبي أويس، قال: حدثني مالك ومن أنس إمام دار الهجرة، عن أبي الزناد أو عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج أو عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر». هذا الحديث صحيح، وهو كذلك في الصحيحين. وفي هذا الحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول العبد: "يا خيبة الدهر"، يعني أن يسب الدهر فيقول: "يا خيبة الدهر" أو كذلك "ما أشر هذا الدهر" أو نحو ذلك من ألفاظ التي فيها سب للدهر، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الدهر مسير ومدبر يدبره الله سبحانه وتعالى، فسبه سب لمدبره ومسخره وهو الله عز وجل. ولهذا قال في الحديث الآخر: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار». يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. فالذي يسب الدهر يسب خالقه ومدبره وهو الله سبحانه وتعالى. فلهذا قال: «لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر»، يعني هو المصرف له والمدبر له. فالساب له أي للدهر ساب لله سبحانه وتعالى. وليس الدهر من أسماء الله عز وجل؛ لأن أسماء الله عز وجل كلها تدل على صفات، والدهر لا يدل على صفة من الصفات. وكذلك يوضح ذلك الحديث في قوله: «وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار»، يعني أنا المدبر للدهر والمسخر له. فلا يجوز للمسلم أن يسب الدهر، لكن إذا كان من باب الإخبار والوصف فهذا جائز. كان يقول مثلًا: "اليوم الحر شديد" أو "اليوم فيه ريح عاصفة" أو نحو ذلك من الوصف أو الإخبار، فهذا جائز. أما أن يسب ما هذا اليوم أو ما هذه الرياح أو نحو ذلك مما فيه معنى السب، فإن ذلك لا يجوز. والله تعالى أعلم.