الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 267، ألقاها
يتناول المقطع تفسير الإمام البخاري لعبارة 'نفسي لك الفداء' ويشرح معناها في تقوية العلاقات. يظهر استعداد الصحابة للتضحية بأنفسهم من أجل النبي ﷺ.
يشرح المقطع فضل التوحيد ومصير الموحدين، حيث يدخل الموحدون الجنة حتى مع ارتكاب بعض المعاصي. يشير إلى أهمية الإيمان والابتعاد عن المعاصي.
يتناول المقطع حكم قول 'فداك أبي وأمي' ويقدم آراء أهل العلم حول جواز أو كراهة الفداء بالأبوين استنادا إلى أحاديث نبوية.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب قول الرجل: نفسي لك الفداء. قال حدثنا علي بن عبد الله، قال حدثنا سفيان، عن ابن جدعان، قال سمعت أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله ﷺ وينثر كنانته، ويقول: وجهي لوجهك الوقاء، ونفسي لنفسك الفداء. ترجم الإمام البخاري رحمه الله بهذه الترجمة باب قول الرجل: نفسي لك الفداء، ويريد أنه يجوز أن يقول الشخص لصاحبه ولمن بينه وبينه علاقة قوية: نفسي لك الفداء، أي أفديك بنفسي. وهي كلمة تقال لقصد تقوية الأخوة وبيان عظيم ما بينه وبينه من الارتباط والعلاقة. ذكر في هذا الباب حديث أنس، قال: كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله ﷺ وينثر كنانته، والكنانة هي الظرف من الجلد توضع فيه السهام، ويقول: وجهي لوجهك الوقاء، يعني أقيك بوجهي فيصاب وجهي ولا يصاب وجهك، ونفسي لنفسك الفداء، يعني أفديك بنفسي فتذهب نفسي ولا تذهب نفسك. هذا الأثر بهذا السند الضعيف، فابن جدعان، عبد الله بن جدعان، ضعيف. لكن صح في الصحيحين بمعناه، وذلك في غزوة أحد، أن أبا طلحة رضي الله تعالى عنه كان يقي النبي ﷺ بترس، وكان يرمي المشركين بالنبال والسهام، وكان الصحابة ينثرون له السهام ويرمون حتى انكسر في يده في ذلك اليوم ثلاثة أقواس. فأراد النبي ﷺ أن يرفع رأسه فينظر، فقال له أبو طلحة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، لا يصيبك القوم، نحري دون نحرك، يا رسول الله، نحري دون نحرك، يعني أن يصاب أنا ويقع السهام في نحري ولا يقع في نحرك، وهو بمعنى نفسي لنفسك الفداء. قال حدثنا معاذ بن فضالة، عن هشام، عن حماد، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: فانطلق النبي ﷺ نحو البقيع، وانطلقت أتلوه، يعني أتتبعه. فالتفت فرآني، فقال: يا أبا ذر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك وأنا فداءك. ولبيك وسعديك هي بمعنى أستجيب لك إجابة بعد إجابة، لبيك يعني إجابة بعد إجابة، وسعديك أي إسعاد بعد إسعاد، وهي بكلمة بمعنى ارتياح القلب وطمأنينته. فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا في حق. قلت: الله ورسوله أعلم. فقال هكذا ثلاثا، يعني ثلاث مرات يكررها عليه الصلاة والسلام. وقوله: إن المكثرين هم المقلون، يعني المكثرين من الأموال هم المقلون، يعني من الأجر والثواب. وذلك لأن المال في الغالب يشغل صاحبه، وكذلك أيضا ربما يبخل بإنفاق هذا المال فيمسك المال خشية أن يقل. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ في وصف الإنسان أنه لحب الخير، يعني لحب المال لشديد. قال: إلا من قال هكذا وهكذا في حق، يعني إلا من أنفق هذا المال في حق، يعني في وجوه الطاعة والبر. وجاء في رواية، قال: إلا من أنفق هذا المال هكذا وهكذا، وأشار إلى يمينه وشماله وأمامه وخلفه، يعني أنه أنفق المال في جهات متعددة من جهات البر والطاعة. فهو يتخذ من هذا المال قرب إلى الله سبحانه وتعالى بإنفاقه والتصدق منه. فإن هذا يستثنى من قوله: إن المكثرين هم المقلون، فإنه إذا أنفق المال في وجوه الخير والطاعة فإن ذلك مما يرفع درجته عند الله سبحانه وتعالى، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. ثم عرض لنا أحد، يعني جبل أحد، فقال: يا أبا ذر، فقلت: لبيك رسول الله وسعديك وأنا فداؤك. قال: ما يسرني أن أحدا لآل محمد ذهبا فيمسي عندهم دينار، أو قال: مثقال، يعني ما أسر ولا أفرح أن يكون أحد لآل محمد ذهب، يعني لو أعطوا كجبل أحد ذهبا ما سر لذلك أن يمسي عندهم منه دينار، يعني أن يبقى منه شيء. ومعناه أنه سينفقه ويبذله في وجوه الطاعة والبر، ولا يبقى منه شيء إلا ما كان له حاجة، يعني يبقى منه ما يحتاج له من سداد دين أو نفقة أو نحو ذلك. ما ورد في روايات أخرى، وهذا مما يدل على عظيم زهد النبي ﷺ وعظيم كرمه وجوده. فإن النبي ﷺ كان لا يتيه مال إلا ويأمر بإنفاقه ويأمر بالتصدق بهذا المال حتى لا يبقى منه شيء. مع حاجته ﷺ، ومع ذلك كان ينفق ما يأتيهم من المال، وتوفي ﷺ ودرعه مرهون عند يهود على ثلاثين صاع من شعير. قال: ثم عرض لنا واد، فاستنتل، يعني تقدم، فظلنت أن له حاجة، فجلست على شفير، والشفير هو طرف الشيء، والمراد به طرف الوادي. قال: وأبطأ علي، قال: فخشيت عليه، ثم سمعته كأنه يناجي رجلا، ثم خرج إلي وحده. فقلت: يا رسول الله، من الرجل الذي كنت تناجي؟ فقال: أو سمعته؟ قلت: نعم، قال: فإنه جبريل أتاني فبشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم. والحديث صحيح، وفي الصحيحين، وفيه فضيلة لأهل التوحيد. فالموحد الذي حقق التوحيد لله سبحانه وتعالى واجتنب الشرك والمعاصي والذنوب، فإن مصيره الجنة. قال: فبشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. والذي لا يشرك بالله عز وجل شيئا هو الموحد الذي حقق التوحيد وعرف الشرك فاحتسب وحذر منه، فإن مصيره الجنة. ودخول الموحد الجنة على صورتين: إما أن يكون مقتصد ممن أتى بالفرائض الواجبات واجتنب المحرمات، فإنه يدخل الجنة بغير حساب. وإما أن يكون ظالم لنفسه عنده شيء من المعاصي والذنوب، فهو إن دخل النار وعذبه الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يخلد فيها. فإنه لا يخلد في النار بل مصيره إلى الجنة. فإن المعاصي لا تمنع من دخول الجنة، لكن العبد تحت مشيئة الله، صاحب المعصي والكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وإذا عذبه وأدخله النار، فإنه لا يخلد فيها إذا كان موحدا وعنده أصل التوحيد، فإن مصيره إلى الجنة. ولهذا قال: وإن زنى وإن سرق، أي وإن ارتكب هذه الكبائر. قال: وإن زنى وإن سرق، فإن مصيره الجنة، لكن لا شك أن هذه المعاصي تضر بتوحيده وإيمانه. لأن من لوازم الإيمان ومن ثمرات الإيمان الابتعاد عن المعاصي والذنوب والإقبال على فعل الطاعة والعبادة. فإن الإيمان كما هو معلوم عند أهل السنة: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان. فلابد أن تظهر آثار هذا الإيمان في الجوارح بفعل الطاعات وفعل الفرائض والواجبات والابتعاد عن المعاصي والمحرمات. قال باب قول الرجل: فداؤك، فداك أبي وأمي. قال حدثنا قبيصة، قال حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، قال حدثني عبد الله بن شداد، قال سمعت عليا رضي الله عنه يقول: ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد، سمعته يقول: ارم، فداك أبي وأمي. قال وحدثنا علي، عن الحسين، قال أخبرنا الحسين، قال حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: خرج النبي ﷺ إلى المسجد وأبو موسى يقرأ، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا بريدة، جعلت فداك. قال: قد أعطي هذا مزمارا من مزامير آل داود. بواب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب، باب قول الرجل: فداك أبي وأمي، يعني يجوز أن يفدي الإنسان غيره بأبويه، فيقول: فداك أبي وأمي. وهذه المسألة، الفداء بالأبوين، فيها خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: لا بأس أن يقول الإنسان لغيره: فداك نفسي أو أفديك بنفسي أو أفديك بأخي أو بأبوي أو فداك أبي وأمي. قالوا: لأن المقصود ليس هو حقيقة هذا الفداء، وإنما المقصود إظهار البر والود والخوة وتمكينها بهذا اللفظ. قالوا: فإذا كان كذلك فلا بأس أن يفدي بالأبوين. ومن أهل العلم من كره ذلك، كره الفداء بالأبوين وكذلك بالنفس. ومن أهل العلم من فصل، فقال: لا بأس أن يفدي الإنسان نفسه أو بأخيه، وأما بالأبوين فلا، لعظم حق الأبوين. فإنه لا يفدى بهما. وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله، حديث علي رضي الله عنه، أنه قال: ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد، سمعته يقول: ارم، فداك أبي وأمي، يعني أنه فدى سعدا بأبيه وأمه. وقال: ارم، فداك أبي وأمي. ومات بسعد، سعد بن أبي وقاص، وكان ذلك في غزوة أحد. وقول علي رضي الله عنه: ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد، فهذا كما قال أهل العلم، قاله رضي الله تعالى عنه على حسب علمه. وإلا فقد فدى النبي ﷺ الزبير بأبيه وأمه، قد فدى الزبير يوم خيبر بأبيه وأمه، والحديث كذلك أخرجه البخاري في صحيحه. فعلي رضي الله عنه ذكر ما رأى وما علم، أو أنه أراد خصوص يوم أحد. ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ فداه بأبيه وأمه. قلنا كما قال بعض أهل العلم: أن الفداء بالأب والأم لا يجوز لعظم حق الأبوين. وما ورد في هذا الحديث فهو محمول على ما مات عليه أبوي النبي ﷺ. فإن أبوي النبي ﷺ كما أخبر ﷺ أنهما ما ماتا على الكفر. ولذلك إذا كان أبوي الإنسان كحال أبوي النبي ﷺ فيجوز الفداء بهما. وأما إذا كان مسلمين فلا يجوز. وإلى هذا التفصيل ذهب الإمام ابن القيم رحمه الله، كما في كتابه بدائع الفوائد، فإنه ذكر أنه لا يجوز الفداء بالأبوين إذا كانا مسلمين لعظم حق الأبوين. ثم ذكر حديث أبي موسى حين سمعه النبي ﷺ وهو يقرأ، فقال ﷺ: لقد أعطي هذا مزمارا من مزامير آل داود. والمراد بالمزمار أي حسن الصوت وجماله. من مزامير آل داود، أي داود نفسه عليه الصلاة والسلام. والشاهد منه قوله: جعلت فداك، قول أبي موسى: جعلت فداك، أو قول بريدة للنبي ﷺ: جعلت فداك، وهو مناسب للباب الأول الذي ترجمه رحمه الله بقوله: باب قول الرجل: نفسي لك الفداء.