شرح الجوهرة الفريدة 85

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 85، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

فضل القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم الصالحون ومنهم الأنبياء وأتباعهم، وقد وصف الله نبيه محمد وأتباعه بذلك. هم ورثة الأنبياء في القيام بهذه الشعيرة.

ثمرات وفضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

القيام بهذه الشعيرة من صفات أهل الإيمان ويترتب عليه فضائل مثل الخيرية والفلاح والتمكين في الأرض، كما أن تركه يؤدي إلى ذهاب المجد والعز. له أجر عظيم وسبب للنجاة من العذاب والفتن.

ختام المبحث والإشارة إلى ما سيأتي

المبحث تضمن ضوابط القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصفات القائمين بها، وسيتم التطرق لمواضيع أخرى في الدرس اللاحق. الختام كان بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

  • 12 جمادى الآخرة 1433هـ - 03/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قد ذكرنا في درس الماضي بعض النصوص الواردة في الأمر بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا سناء من الله جل وعلا على القائمين بهذه الشعيرة. ونذكر أيضا فضائل القيام بهذه الشعيرة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقبل ذلك أيضا نذكر ما جاء في كتاب الله جل وعلا في بيان أن القائمين بهذه الشعيرة هم عباد الله جل وعلا الصالحون، وعلى رأسهم الأنبياء وأتباع الأنبياء. فأنبياء الله جل وعلا كلهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأعظم معروف أمر به الأنبياء ودعوا إليه الأمر بالتوحيد، الأمر بتوحيد الله عز وجل. وأعظم منكر أنكروه وحذروا منه ونهوا عنه الشرك بالله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فكل نبي بعثه الله أمر بالمعروف، وأعظم معروف أمر به ودعى إليه التوحيد، وأنكر المنكر، وأعظم منكر أنكره الأنبياء ونهوا عنه وحذروا منه الشرك بالله جل وعلا. ولذلك كان أول أمر في كتاب الله هو الأمر بالتوحيد، وأول نهي في كتاب الله أنهي عن الشرك، وذلك لأن أعظم المعروف التوحيد، وأعظم المنكر الشرك بالله جل وعلا. وذلك كان أول أمر في كتاب الله الأمر بالتوحيد، وأول نهي أنهي عن الشرك بالله جل وعلا. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد وصفه الله جل وعلا حتى في الرسالات السابقة، وصفه في التوراه والإنجيل بأنه أعظم ممن قام بهذه الشعيرة ودعا إليها. وهكذا وصف بذلك أتباعه عليه الصلاة والسلام، فقال ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هكذا وصف الله جل وعلا نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وهكذا كذلك أخبر ربنا سبحانه وتعالى في كتاب الكريم عن صفات أهل الإيمان، فأهل الإيمان من أعظم صفاتهم القيام بهذه الشعيرة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال جل وعلا في كتاب الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هكذا وصف الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات في كتاب الكريم، وهذا ثناء عظيم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. أما المنافقون والمنافقات بالعكس، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، كما قال جل وعلا: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾. فإذا القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات أهل الإيمان، وترك القيام بهذه الشعيرة من صفات أهل النفاق والعياذ بالله. وربنا عز وجل قد ذكر في كتابه الكريم، وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الفضائل والثمرات التي ينالها القائمون بهذه الشعيرة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من هذه الفضائل والثمرات حصول الخيرية، فهذه الأمة إنما كانت خير الأمم لقيامها بهذه الشعيرة العظيمة. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فقيام هذه الأمة بهذه الشعيرة العظيمة هو سبب خيريتها، فإذا قامت بهذه الشعيرة بقيت لها خيريتها ومكانتها وعزها وشرفها ومجدها. وإذا قصرت وفرطت وضيعت كان بقدر ذلك التقصير والتفريط والتضيع ذهاب لشيء من مجدها وشرفها ومكانتها وعزها واستخلافها. فخيرية الأمة بالقيام بهذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الثمار لمن قام بهذه الشعيرة حصول الفلاح، الفلاح في الدنيا والآخرة. فإنه لن يفلح أحد إلا بقيام بهذه الشعيرة العظيمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإلا فكل خاسر إذا لم يقم العبد بهذه الشعيرة فإنه من الخاسرين. قال جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فرتب الفلاح لهؤلاء الذين دعوا إلى الله جل وعلا، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. والمفهوم أن من لم يدعوا إلى الله جل وعلا ولم يقم بهذه الشعيرة ليس من المفلحين، بل هو من الخاسرين. قال جل وعلا في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. هؤلاء ناجون من الخسارة، ومن صفاتهم تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. والتواصي بالحق أمر بالمعروف، والتواصي بالصبر أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، أمر بالصبر وعدم الجزع وعدم التسخط على أقدار الله جل وعلا. فمن الفضائل والثمرات للقائمين بهذه الشعيرة حصول التمكين في أرض الله جل وعلا. فإنه لا تمكين لأحد في أرض الله عز وجل إلا لمن قام بهذه الشعيرة العظيمة. فمن أراد أن يكون من الممكنين في أرض الله جل وعلا فعليه أن يكون من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. في هذه الآية صفات الممكنين في الأرض، أخبر الله جل وعلا عن صفات الممكنين في الأرض الذين بمكنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فالقيام بهذه الشعيرة العظيمة هي من صفات أهل التمكين. فالأمة إذا أرادت التمكين في أرض الله عز وجل فعليها أن تقوم بهذه الشعيرة العظيمة. ومن الثمرات والفضائل للقائمين بهذه الشعيرة حصول الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله جل وعلا. قال سبحانه وتعالى في كتاب الكريم: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فسوف نؤتيه أجرا عظيما من الله جل وعلا لمن قام بهذه الشعيرة. ومن الفضائل وثمرات القيام بهذه الشعيرة العظيمة النجاة من عذاب الله جل وعلا والنجاة من الفتن. فإذا أراد الإنسان أن ينجو من عذاب الله جل وعلا في الدنيا والآخرة وأن ينجو من الفتن فعليه أن يكون ممن قام بهذه الشعيرة العظيمة، ألا وهي القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن قام بذلك نجا في الدنيا والآخرة ونجا من الفتن، فتن الشهوات وفتن الشبهات. ولذلك جاء في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في البخاري: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض كالصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وأسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». فالشاهد من هذا أن القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب النجاة من الفتن والنجاة كذلك من الشدائد. ومن فضائل وثمرات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول البراءة والسلامة والمعدرة إلى الله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿لِمَا تَعِضُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فعلى قراءة الرفع: أي واجب علينا أن نعظهم. وعلى قراءة النصب: أي نعظهم معذرة إلى الله جل وعلا. وهكذا من فضائل وثمرات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التشريف من الله جل وعلا. تأملوا كتاب الله جل وعلا كيف شرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالذكر، حتى غير البشر، نملة قالت لأخواتها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أثنى الله جل وعلا عليها وذكرها وهي نملة، لكن أمرت بمعروف ونهت عن المنكر. والغراب أمر بالمعروف ونهى عن المنكر بفعله، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليوريه كيف يواري سوءة أخيه. وهكذا ذكر الله جل وعلا الهدهد كذلك شرفه بالذكر، لماذا؟ قام بدعوة عظيمة، أمر بمعروف ونهى عن المنكر، دعا إلى التوحيد. وبقيت في هذا المبحث ذكر ضوابط القيام بهذه الشعيرة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصفات القائمين بذلك. وإن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.