التعليقات على كتاب الأدب المفرد 297

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 297، ألقاها

مفهوم الافتخار بالأحساب في الإسلام

الإسلام يذم الافتخار بالأحساب إذا كان على وجه الكبرياء، بينما يجيز ذكر الإنسان حسبه إذا كان لغرض التعريف بقدره ومنزلته. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله أزال عُبية الجاهلية وفخرها بالآباء.

جواز ذكر الإنسان لحسبه ونسبه

ذكر الإنسان لحسبه ونسبه جائز إذا كان من باب الإخبار وليس الافتخار، واستدلال ذلك بأحاديث نبوية تشير إلى جواز ذكر النسب إذا لم يكن بغرض الفخر. كما أن النسب لا ينفع الإنسان يوم القيامة إن لم يكن له عمل صالح.

معنى الكرم والتقوى في الإسلام وتفسير الحسب

الكرم الحقيقي هو تقوى الله، وأن الأكرم عند الله هو الأتقى، وليس حسب النسب أو الحسب. الحسب هو حسن الخلق في التعامل مع الناس، وتحسين الأخلاق ينال به الفضل والحسب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب الحسب، قال: حدثنا شهاب بن معمر العوفي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم». هذه الترجمة جمعها الإمام البخاري رحمه الله بقوله «باب الحسب»، وأراد رحمه الله بذكر هذا الباب بيان الجواز أن يذكر الإنسان حسبه وذكر آبائه وأجداده إذا لم يكن ذلك على وجه الفخر والكبرياء، وإنما المقصود من ذلك الإخبار. وكذلك أيضا قد يذكر الإنسان حسبه حتى يعرف قدره وتعرف منزلته، ولا يقصد بذلك أن يفتخر على الناس أو يتكبر عليهم. وأما إذا كان على وجه الفخر والكبرياء، فهذا هو المذموم الذي جاءت النصوص في ذمه وتحريمه. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، من حديث أبي مالك الأشعري: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت». فذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الجاهلية الفخر بالأحساب، فكانوا يفتخرون بأحسابهم: أنا ابن فلان ابن فلان، وكان من شأن أبي كذا وكذا، ومن أمر جدي كذا وكذا، فيفتخر بآبائه وأجداده ويذكر أفعالهم ومآثرهم ويتكبر على الناس بذلك، فهذا الذي ذمه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من أمور الجاهلية التي جاء الإسلام بوضعها وجاء الإسلام بإبطالها. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وإنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم من آدم، وآدم خلق من تراب». رواه الإمام أبو داود وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله أذهب ما كان عليه أهل الجاهلية من افتخارهم بآبائهم وأجدادهم، وأن الناس سواء كلهم من آدم، وآدم خلق من تراب، فلا فرق بين عربي ولا أعجمي، ولا أسود ولا أبيض، ولا غني ولا فقير، إنما أكرم الناس أتقاهم. وأما ذكر الإنسان لحسبه كما قلنا، إذا كان من باب الإخبار ليس من باب الافتخار، فهذا جائز، ويدل عليه حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم». فذكر النبي عليه الصلاة والسلام نسب وحسب يوسف عليه السلام، فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، فدل ذلك على جواز مثل ذلك ذكر الحسب إذا لم يكن على وجه الفخر والكبرياء. ومن ذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». فهذا أيضا ذكره النبي عليه الصلاة والسلام من باب الإخبار، ليس من باب الافتخار. ومثل ذلك أيضا ما جاء في الصحيحين، لما نزل قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فنادى النبي عليه الصلاة والسلام قبائل قريش: «يا بني فهر، يا بني عدي»، فذكرهم بأسمائهم وذكر هذه القبائل وهي عشيرته، ولم يكن ذلك من النوع المذموم، لأن هذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الفخر، وإنما أراد أن ينذرهم وأن يحذرهم كما أمره الله سبحانه وتعالى، فناداهم بأحسابهم وكذلك بقبائلهم. قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون: يا محمد، فأقول: هكذا وهكذا، لا، وأعرض عنكم، لا ألوي على أحد منكم». وهذا الحديث أيضا فيه بيان أن الإنسان قد يكون له نسب وقد يكون له حسب، لكن حسبه ونسبه لا ينفعه عند الله سبحانه وتعالى، وإنما ينفعه عمله. إن أولياء يوم القيامة المتقون، أي أولياء النبي عليه الصلاة والسلام هم أهل التقوى، وإن كان نسب أقرب من نسب، يعني لي من الأنساب ومن ينتسب إليه، من هو أقرب ممن هو بعيد، ليس بيني وبينه نسب، لكن مع ذلك لا ينفع هذا النسب إن لم ينفع الإنسان عمله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». الذي أبطأ به العمل، يعني لم يعمل الأعمال الصالحة ويتقرب إلى الله بالطاعات، وإن كان من ذوي النسب، فإن نسبه لا ينفعه ولا يقربه عند الله سبحانه وتعالى، وإنما الذي ينفعه ويقربه هو عمله. قال: وحدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك، قال: حدثنا عطاء، عن ابن عباس، قال: لا أرى أحدا يعمل بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فيقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك. فليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله. وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فيقول ابن عباس: لا أرى أحدا يعمل بهذه الآية... أي أن حقيقة الكرم هي بتقوى الله، حقيقة الكرم والأكرم عند الله هو الأتقى. قال: يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، يعني أنا من ذوي النسب والحسب وأفضل منك. فيقول رضي الله تعالى عنه: فليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله. فالأكرم عند الله سبحانه وتعالى هو الأتقى، فمن كان لله تقي كان له ولي. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. فأولياء الله عز وجل هم المتقون، وأكرم الناس عند الله أتقاهم. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فأتقى الناس لله أكرم الناس على الله سبحانه وتعالى، وإن كان عند الناس حقير، وإن كان عند الناس ليس له شأن ولا يبالي به، لكن عند الله سبحانه وتعالى له المنزلة العالية وله المكانة الرفيعة بسبب تقواه لله سبحانه وتعالى. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، قال: قال ابن عباس: ما تعدون الكرم؟ وقد بين الله الكرم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ما تعدون الحسب؟ أفضلكم حسبا أحسنكم خلقا. وهذا الأثر أيضا صحيح إلى ابن عباس، فبين رضي الله تعالى عنه أن حقيقة الكرم هي بتقوى الله سبحانه وتعالى، كما سمعنا في الآية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وحقيقة الحسب هو بحسن خلق الإنسان. ما ينفع إنسان حسبه وهو يتكبر على الناس ويفتخر عليهم ويستصغرهم ويحتقرهم، فما ينفع حسبه. حقيقة الحسب أن تحسن خلقك في تعاملك مع الناس، وفي حسن أخلاقك، فإنك بذلك تنال الفضل وتنال كذلك الحسب. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على