الدرس في تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 5، ألقاها
محبة الله الحقيقية تتحقق باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما تدل آية المحبة وأقوال العلماء كابن القيم وابن كثير. طاعة الرسول هي دليل صدق المحبة وسبيل للهداية ومغفرة الذنوب، والفضل العظيم للنبي في إخراج الأمة من الظلمات إلى النور يستوجب اتباعه.
طاعة النبي صلى الله عليه وسلم تعد طاعة لله، واتباعه هو الطريق الوحيد إلى الجنة بينما مخالفته تؤدي إلى النار والعقوبات الدنيوية. يستشهد المقطع بآيات قرآنية وأحاديث وقصص عملية كقصة الغلام الذي أكل بشماله والرماة في أحد.
هزيمة أحد تُعرض كنموذج لعاقبة مخالفة أمر واحد من أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، محذراً من أن انتشار المخالفات يستدعي الذل والهوان. يؤكد المقطع على لزوم اتباع السنة النبوية اقتداءً بالصحابة وأقوال الأئمة، مبيناً أن صيام رمضان مدرسة لتحقيق التقوى بطاعة الله ورسوله.
يختتم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وأصحابه، تليها عبارة الحمد لله رب العالمين. ثم تُذكر ترجمة نانسي قنقر ثلاث مرات كإشارة إلى المترجمة.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس الرمضانية التي نتحدث فيها حول ما يتعلق بجملة من أسباب محبة الرحمن لعباده وخلقه. وفي هذا المجلس تذكروا سببًا عظيمًا من الأسباب الجالبة لهذه المحبة من المولى تبارك وتعالى لعباده، هذا السبب هو ما يتعلق بإتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول ربنا جل في علاه في محكم تنزيله: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. يقول الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذه الآية الكريمة: «يحببكم الله: إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها، وفائدة الاتباع أو فائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدة الاتباع وثمرته محبة الله عز وجل، فإذا لم تحصل المتابعة فليست المحبة بحاصلة». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فإذا لم تحصل المتابعة أي للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فليست المحبة» أي من الله بحاصلة. وهكذا يقول أيضًا رحمه الله تعالى: «فلا تنالوا محبة الله، فلا تنالوا أو وعلى ذلك فلا تنالوا محبة الله محبة الله إلا باتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم عليه وسلم». ولهذا إخواني في الله، سميت هذه الآية بآية المحبة، وهكذا سميت أيضًا بآية المحنة. ولهذا يقول الإمام أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: «لما ادعت القلوب محبة الله عز وجل أنزل الله هذه الآية محنة، أنزل الله هذه الآية محنة» أي امتحان واختبار وابتلا. وقد ذكر العلماء أن هذه الآية مع نظائرها من الآيات التي نزلت من صدري سورة آل عمران نزلت في وفد نصارى نجران حين أن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم. فسببها أنها في النصارى الذين يدعون محبة الله تبارك وتعالى لكنهم لم يتابعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجعلت متابعة النبي صلى الله عليه وسلم دليلًا وبرهانًا على صدق محبة هذا العبد لربه تبارك وتعالى. فإذا اتبع هذا العبد النبي صلى الله عليه وسلم تحصل على ثمرة فائدة هذا الاتباع ألا وهو أن الله تبارك وتعالى يحبه، وهكذا يغفر له الذنوب السالفة التي كان قد جناها. ولهذا يقول الإمام الحافظ أبو الفدى إسماعيل ابن عمر ابن كثير رحمه الله تعالى عند كلامه حول ما يتعلق بهذه الآية الكريمة: «وهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في نفس الأمر، بأنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله». قال رحمه الله تعالى: «قال والمراد بيحببكم الله أنه يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو محبته إياكم. قال وهذا أعظم من الأول، أي أن الله يحبك هذا أعظم من كونك تحب الله عز وجل، مع أن محبة العبد لربه يعتبر من أهم المهمات ومن أعظم الواجبات». قال رحمه الله تعالى: «قال وهذا أعظم من الأول، إذ ليس الشأن أن تحب، إنما الشأن أن تحب، إنما الشأن أن تحب». وهذه كلمات واضحات وعبارات نافعات. كذلك أيضًا تبين لنا معنى ما تقدم في قوله تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ومما ينبغي أن يعلمه الجميع أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل عظيم على هذه الأمة وحق كبير على هذه الأمة. بسبب النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية إلى الإسلام، ومن عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الله عز وجل الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. أخرجهم به من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى إلى جنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. بسبب النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الله الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، إلى سعة الدنيا والآخرة. كان العرب يا عباد الله حياتهم تعيسة وحياتهم مظلمة، كانوا في فقر وكانوا في ذل وكانوا في ضعف وهوان، وهكذا كانوا في تمزق وتفرق، وهكذا تعادي فيما بينهم البين، فيما بينهم البين. فأكرمهم الله عز وجل بنعمة الإسلام وبنعمة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم، فأبدلهم من بعد الضعف قوة، ومن بعد الذل عزة، ومن بعد الفقر غنى، ومن بعد كذلك العداوة والتفرق اجتماعًا وألفة، اجتماعًا وألفة. فما أعظم ذلك الفضل الذي هو لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما أكبر حقه عليه الصلاة والسلام على أمته، على أمته. ولهذا أمرنا ربنا عز وجل باتباعه، أمرنا ربنا عز وجل بالاستجابة إليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾. إذا استجبت لكلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أن حياتك السعيدة وحياتك الحقيقية في ذلك، في أن تعمل بما جاء في القرآن وما جاء في سنة هذا النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام. ومن حقه عليه الصلاة والسلام على أمته ما تقدم من طاعته والاستجابة لأوامره واتباع هديه صلى الله عليه وسلم. يقول ربنا جل فعلا في محكم تنزيله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾. هذا يا عباد الله هو حال أهل الإيمان، كنت مؤمن كنت مسلم وحصل بينك وبين أخيك شيء أو حصل بين فئتين شيء، فالمرجع إلى الكتاب وإلى سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يقول ربنا جل فعلا: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾، ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾. انظر يا عبد الله، جعل الله الهداية كل الهداية في متابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونجد أن الله تبارك وتعالى يذكر وجوب متابعة وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة بعد وجوب طاعته تبارك وتعالى، وهذا يدلنا على أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي من طاعة الله عز وجل، هي من طاعة الله عز وجل. ويقول ربنا جل في علاه في محكم تنزيله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾، ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. هذه قاعدة عامة يا عباد الله في أن جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فيجب علينا أن نأخذه وأن نستسلم له وأن نستجيب له في ذلك، وما نهانا عنه يجب علينا أن نبتعد ويجب علينا أن نجتنب. هذا إذا أردت الهداية، هذا إذا أردت جنة عظيمة عرضها السماوات والأرض، فليس للجنة طريق إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم. اذهب يمنه ويسره وشرقا وغربا لا تجد يا عبد الله طريق يوصلك إلى الجنة إلا عن طريقه صلى الله عليه وسلم. ولهذا أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». هذا فيه بشارة لأهل الإيمان وأمة التوحيد والإسلام، كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، إلا من يرفض ويأبى، يقال له: يا فلان هذه طريق الجنة، يقول: لا أنا ما أريدها، أنا عندي طريق آخر سأسير عليه. تعجب الصحابة، قال: «إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ هما طريقان: طريق إلى الجنة وطريق إلى النار، وينادى هذا إلى طريق الجنة فيأبى ويرفض إلا أن يسير في طريق النار. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني دخل الجنة، من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى، ومن عصاني فقد أبى». لهذا إخواني في الله، خالفت هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومجانبة طريقه القويم صراطه المستقيم، هذا يعتبر سببًا في دخول هذا العبد إلى النار والعياذ بالله. فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ أي الرسول يكون في شق وفي جانب وأنت يا عبد الله لا تكون هنا وإنما تكون في الشق الآخر وفي الجانب الآخر. قال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ سبيل وطريق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فمن تبعهم بإحسان، قال: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾، ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. ويقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾، ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾. فهذا يدلك يا عبد الله على خطورة الأمر وعظم الموقف إذا خالفت طريق النبي صلى الله عليه وسلم. ومما ينبغي أن يذكر أن مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم هذه معصية، وهذه كذلك أيضًا ذنب، لربما يعاقب عليه العبد في الدنيا قبل الآخرة، لربما تعاقب في الدنيا قبل الآخرة إذا خالفت هدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه. لهذا يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. تنبه يا عبد الله، ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. الفتنة فسرت بي الشرك وفسرت بما هو أعم من ذلك، يفتن هذا العبد في الدنيا قبل أن يعاقب على ما فعل في الآخرة إذا لم يتب إلى الله تبارك وتعالى. ومما يذكر في هذا المقام من بعض العقوبات العاجلة بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما جاء في صحيح مسلم رحمه الله من حديث سلمة ابن الأقوع رضي الله تعالى عنه: أن غلامًا كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، غلام كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم لكنه كان يأكل بشماله. فنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا غلام كل بيمينك». تربي يا عباد الله، يربي النبي صلى الله عليه وسلم ما عليها الصغير والكبير والذكر والأنثى والقريب والبعيد بل والجن والإنس. قال: «يا غلام كل بيمينك». فقال ذلكم الغلام: «لا أستطيع». قال: «لا أستطيع». قال الراوي: ما منعه إلا الكبر، يعني هو يستطيع لكن ترفع ولم يتواضع لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «لا أستطيع». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا استطعت». قال: فما استطاع أن يرفعها إلى فيه، أي أنها شلت، استطاع أن يرفعها في نفس الحال عقوبة من الله تبارك وتعالى. وهكذا في قصة تلكم الغزوة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وتلكم الليلة التي كانت ذات ريح، فالنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم من رحمته أمر أن من كان له بعيرًا فليعقده يربطه، وأنه لا يقم أحد هذه الليلة، لا يقم أحد هذه الليلة. فقام رجلان وخالفا النبي صلى الله عليه وسلم، قال الراوي: فجاءت الريح فأخذتهم إلى جبال طي، جبال طي بعيدة جدًا، أخذتهم الريح إلى تلكم الجبال. ولا يخفى علينا ما حصل في يوم أحد، هذا اليوم العظيم المشهود الذي التقى فيه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مع أعداء الله من المشركين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد العام لهذه الغزوة، وكان قد جعل جماعة من الرماة على جبل صغير لكي يحموا ظهور المسلمين ويمنعوا من وصول المشركين إلى معسكر أهل الإيمان، معسكر أهل الإيمان. ونهاهم أن يفارقوا الجبل، قال: «وإن رأيتم الطير تتخطفنا» أي لا تنزلوا أبدًا. وأمر عليهم الصحابي الجليل عبدالله ابن جبير. فلما كانت الدائرة لأهل الإيمان وجنود الرحمن، وجعل المشركون يولون الأدبار ويتركون الغنائم من ورائهم والأسلحة من ورائهم، وبدأ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بمطاردة المشركين وجمع غنائمهم، ظن أكثر من على الجبل أن المعركة قد انتهت وأنه قد آن الأوان لمشاركة إخوانهم في جمع الغنائم والنيل من المشركين. وذكرهم أميرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ووصيته إياهم، لكن رأى أكثر من كان على الجبل إلا النزول، ولم يبق إلا عبدالله ابن جبير ومعه نحوا من تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى خيالة المشركين هذا الموقف فداروا عليهم وقتلوا من بقي على الجبل، وأتوا على الصحابة وعلى المسلمين من ورائهم. وهذا كله بسبب ماذا؟ كله بسبب مخالفة أمر واحد من أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما نتيجة هذه المخالفة؟ شجى رأس النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته، ودخلت حلقة المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم. وهكذا ابتلي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، بل أذيع بين الناس أن محمدا قد مات. طيب، قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، بل قتل نحوا من سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. انظر ما سبب هذا؟ سببه مخالفة أمر واحد. أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ. قتل منكم سبعون وأنتم أصبتم في يوم بدر أنكم قتلتم سبعين وأسرتم سبعين. ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ يعني في يوم أحد ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ﴾ أي في يوم بدر ﴿ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾. ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾. فقلنا هذا بسبب مخالفة واحدة، كيف إذا نظر الناظر إلى المخالفات الجمة وكذلك المخالفات العديدة التي هي بين أوصاط أهل الإسلام، بين أوصاط أهل الإسلام، من انتشار للربا بشتى صوره وأنواعه، من انتشار للزنا والخنا، وكذلك الذعارة والفحش في القول والفعل. كيف إذا نظر الناظر إلى ما ابتلي به المسلمون اليوم من مسايرة أعداء الله من اليهود والنصارى ومن شابههم؟ وهكذا المخالفات كثيرة وكثيرة جدًا. وهذا إخواني في الله يعتبر نذير شر وأمر يؤذن بضرر عظيم على هذه الأمة إذا هي خالفت أمر النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في مسند الإمام أحمد بسند يحسنه جماعة من أهل العلم من حديث عبد الله ابن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، أَوْ بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» أي في الجهاد، ﴿ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ﴾، ﴿ وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ﴾، ﴿ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ﴾. شاهدنا من هذا قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ﴾. ولهذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم على جانب عظيم من الاتباع والاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم، والواجب علينا أن نقتدي بهم في ذلك. عمر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح البخاري، وبل في الصحيحين، يأتي إلى الحجر الأسود فيقبله ثم يقول: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، يقبلك ما قبلتك». مع أنه الحجر الأسود، كيف لرؤية اليوم أهل التصوف عند المقابر ماذا يصنعون بالقبور؟ تمسح وطواف واستغاثة واستعانة وطلب المدد من هذا المقبور، الله أعلم بحاله، قد يكون هو أحوج ما يكون إلى الدعاء منك يا أيها الحي، منك يا أيها الحي. فكيف يطلب منه ما لا يقدر عليه أو ما لا يطلب إلا من الله تبارك وتعالى؟ وعمر يقول: الحجر الأسود، وماذا سيصنع به وماذا سيتعامل معه؟ هل سيتمسح به ويطوف حوله ويفعل معه بعض الأشياء التي لا تجوز؟ لا، وإنما يتابع ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ﴾. عمر ابن أبي سلمة كان غلامًا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن النبي كان زوجًا لأمه أم سلمة، وكان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم في صحفة. قال عمر: «فكانت يدي تطيش في الصحفة» يعني تارى يأكل من هنا وتارى يأكل من هنا، وكما يصنع الغلمان اليوم إذا أكلوا مع الكبار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم معلما له: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك». هذه ثلاث وصايا ينبغي أن يحفظها الأطفال منذ نعومة الأظافر. إذا رأيت ابنك يأكل قل له: يا بني قل باسم الله، يا بني لا تأكل بالشمال كل بيمينك، يا بني كل من تحتك لا تأكل من تحت الناس. علمه هذا التعليم وربه هذه التربية التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يربي بها هؤلاء الصغار. قال عمر ابن أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما: «قال فكان الطعمة» ما معنى فكان الطعمة؟ كان الذرس، ما نسيه إلى أن مات. مرة واحدة كلمه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا فكانت الاستجابة من هذا الصحابي الجليل، أمر ابن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه. والأمثلة كثيرة والنماذج عظيمة التي تدل على أهمية التأسي والمتابعة لأن نبي صلى الله عليه وسلم، ولزوم غرزه واتباع هديه وسنته. قال الإمام مالك رحمه الله: «سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كسفينة نوح، كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك، غرق وهلك». والأوزاعي رحمه الله تعالى يقول: «ندور مع السنة حيث دارت، نبقى مع السنة، السنة تأمرك بالإقدام أقدم، تأمرك بالتوقف فعليك أن تقف وأن تنظر الذي يرضي الله تبارك وتعالى». وأخيرًا إخواني في الله، نحن في شهر رمضان الذي هو شهر الصيام، والحكمة التي جعلها الله عز وجل من الصيام هي تحقيق تقوى الله تبارك وتعالى. فهذا من أعظم الدروس والتي تستفاد من شهر الصيام ومدرسة رمضان العظيمة. وتقوى الله عز وجل هي بفعل الأوامر واجتناب النواهي، في الصائم يتعود، وهكذا يمرن نفسه، وهكذا يلزمها على الاستجابة لأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، والبعد عن كل ما يغضب الله، وكذلك أيضًا يخالف هدي نبيه صلى الله عليه وسلم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحوما، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقيا ولا محروما. وهكذا نسأله أن يجعلنا جميعا من عباده الذين يحبهم ويرضى عنهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر