المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل أبو يوسف الديسي، الخميس 5 شوال 1433هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية ألقاها
يؤكد المقطع أن الرجوع إلى الحق بعد تبين الخطأ من علامات متانة الدين وقوة الإيمان، ويسوق قصة الإمام ابن العربي مع الشيخ أبي الفضل الجوهري الذي أخطأ بنسبه الظهار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نبهه طالب علم قبل الحق، أعلن توبته علنًا، وكرم من علمه، مما يبرز أهمية تعظيم الحق وأهله.
يروي ابن العربي قصة طالب صحح خطأ شيخٍ له في السر بأدبٍ جمٍّ، فقبل الشيخ الرجوع أمام الناس، مبرزًا قوة إيمانه. وتستخلص القصة فائدتين: الأولى أن النصيحة في السر مثمرة بينما العلانية توبيخ، والثانية ضرورة التحلي بالأدب وحسن العبارة عند بيان الخطأ للعلماء، محذرًا من الطعن في أعراضهم بذريعة النصيحة كما حدث في فتن سابقة.
يبيّن المقطع عاقبة من يطعن في أعراض العلماء بغير حق، مستشهداً بهلاك من فعل ذلك وصغر شأنه، وينقل عن الإمام أحمد وابن عثيمين تحذيرهما من خطورة ذلك خاصة إذا صدر من منتسب للعلم. ويؤكد على وجوب الالتزام بالأدب والرفق في بيان الخطأ، وأن العالم الحق يقبل النصيحة ممن تبين له الصواب مهما كان مجهولاً، لأن الغاية زوال الخطأ لا التشنيع.
يُشير المقطع إلى رواية حماد بن أبي سليمان، شيخ الإمام أبي حنيفة، عن معمر بن راشد كما وردت في كتاب السير للذهبي. يبرز هذا النص مكانة حماد في سلسلة الرواة واتصاله بالرواة الثقات مثل معمر.
قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. ومن تعظيم الحق الرجوع إليه عند الخطأ، فإذا أخطأ العبد الحق ثم تبين له وبيّن له ذلك رجع وأناب إلى الله عز وجل وعمل بالصواب الذي نُصح فيه، فهذا يعتبر من متانة الدين ومن قوة الإيمان؛ فلا يغلب هواه على الحق، ولا يغلب نفسه الأمارة بالسوء على الحق، ولا يغلب رأي فلان أو فلان من الناس مهما بلغ من المكانة على الحق. ومن تعظيم الحق أيضًا من صوره: تعظيم أهل الحق، حملة هذا الدين من العلماء والمشايخ والدعاة؛ فإن هؤلاء جعل الله لهم عز وجل المكانة العالية في هذا الدين، فالغضّ فيهم والطعن فيهم ونبزهم بالألقاب يعتبر جريمة شنعاء ومزلة عظيمة تجاه هذا الدين، وشرخ في جدار الإسلام. فينبغي علينا أيها الإخوة الكرام، أيها الأحبة، أن نتفطن لذلك. وسأورد في هذا المجلس القصة لبعض العلماء فيها هذا الجزء الذي أردت الحديث عنه، وهو الرجوع عن الخطأ متى ما تبين لك. ذكر الإمام ابن العربي، وهذه القصة قد ذكرتها لبعض الإخوة في بعض المجالس، فيها ثوائد جمة، فقلت في نفسي: هذه فرصة في مثل هذا المجلس أن نتدارس هذه القصة، وفحوى هذه القصة التي ذكرها الإمام ابن العربي في كتابه الماتع «أحكام القرآن». قال: أخبرني غير مرة محمد بن قاسم العثماني. قال: هذا محمد بن قاسم يقول لابن العربي: جئت مرة إلى الفسطاط، إلى مجلس أبي الفضل الجوهري، وكان يحدث الناس، وكان يكلم الناس، وكان من كلامه لهم: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم طلق، وآلى، وظاهر. وكلنا نعلم معنى الطلاق، ومعنى الإيلاء، ومعنى الظهار. قال: فلما انتهى المجلس وذهب الشيخ إلى بيته تبعته، ومعه كبار أصحابه. قال: فلما دخل الدهليز جلس، وجلس معه الناس، فجلست معهم، فكأنه عرف، فكأنه عرف أني غريب لأنه رأى علي إشارة الغربة. قال: ثم انفض من المجلس بعض الناس، أي ذهبوا. قال: ثم نظر إلي وقال: كأن الرجل غريب. قلت: نعم. قال: فهل لك من حاجة إلى الكلام؟ قلت: نعم. فقال لأصحابه: أفرجوا له عن كلامه. قال: فغام القوم حتى جلست وحدي أنا وهو. فقلت له: إني حضرت اليوم مجلسًا وسمعت الدرس، وأنك ذكرت في هذا الدرس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق، وصدقت في ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأنك ذكرت أن رسول صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه، وصدقت في ذلك. وقلت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر. لاحظ الآن كيف بيّن هذا الطالب هذا البيان بالخطأ، وقلت: أن رسول صلى الله عليه وسلم ظاهر. قال: ولم يكن ذلك منه ولا يصح. لماذا يقول؟ لأن الظهار منكر من القول وزورًا، وذلك لا يصح من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فأطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه، ثم ضمني، ثم قبل رأسي، ثم قال: إني تائب من ذلك، من هذا الخطأ. إن الشيخ أخطأ في قوله: أن رسول صلى الله عليه وسلم ظاهر. قال له: وإني تائب إلى الله من ذلك القول، وجزاك الله خيرًا من معلمي. قال: ثم ذهبت، فلما كان من الغد بكرت إلى الجامع، فوجدت الشيخ قبلي يحدث الناس، والجامع مكتظ بأهله، يعني مليء بالناس. قال: فلما رآني الشيخ قام من مجلسه مرحبا بي بقوله: أهلا وسهلا بمعلمي. قال: فشرئبت الأعناق إلي، وحدقت الأبصار. قال: وأنت تعرفني يا أبا بكر؟ يريد ابن العربي. قال ابن العربي: وكنت إذا حصل لي شيء من هذه المواقف أخذتني الحمرة وذعر، وتصبب عرقا. ثم قال: فحملوني الناس على أكتافهم، فوالله يا أبا بكر ما أدري أين أنا من الأرض حتى أجلسوني بين يديه، وهو ما زال يرحب بي. قال: ثم لما توجه إلى الناس بحديثه، وقال لهم: لما حدثتكم البارحة بالحديث، وذكرت لكم ما ذكرت، وذكرت في حديثي أن رسول الله طلق وآلى وظاهر، لم ينبهني أحد منكم إلا هذا، تبعني إلى بيتي وأخبرني أن ذلك لم يكن من النبي عليه الصلاة والسلام، وإني أشهدكم إني راجع عن ذلك وتائب إلى الله جل وعلا. انظر، انظر إلى هذا الدين، وانظر إلى هذه المتانة في الدين والإيمان القوي. هذا الرجوع عن الخطأ يكفي أنه رجع أمامه، لكن هذا الشيخ رأى بل أمل عليه إيمانه أنه يحدث بذلك على مجمع ومشهد من الناس، وذلك على مجمع من الجامع، وهو شيء قد اشتهر بالعلم كما يقول ابن العربي، وهذا الأمر لا يتأتى إلا لمن قوي إيمانه. قال: فما زال يدعو لي ويؤمن الناس على ذلك حتى استحييت. قال: فما زال يدعو لي ويؤمن الناس حتى استحييت، وأخذني من العرق ما أخذني. الشاهد من ذلك، أو الفوائد التي أردت الحديث عنها من هذه القصة: أولاً، الإسرار في النصيحة. انظر إلى هذا الطالب والأسلوب الأمثل والعظيم الذي اتخذه في بيان خطأ الشيخ؛ فإنه لم يحدثه بخطأه حتى خلا به، ولم يكن معهم أحد، لأن النصيحة في السر تؤتي ثمارها وتؤتي أكلها، بخلاف النصيحة في العلن، فإنها توبيخ، ولذلك يغضب. وما ينسب إلى الإمام الشافعي: من نصح أخاه سرًا فقد وعظه، ومن نصحه في العلن فقد وبخه. وهذا من الفروق بين النصيحة والتعيير: أن النصيحة تكون في السر، والتعيير يكون في الإشهار. هذه فائدة. والفائدة الثانية: الأدب في بيان الخطأ. انظر إلى هذا الطالب وكيف عبر عن خطأ الشيخ. فلما قال له: وقلت أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلق، صدقت. ولما قال: جعل الظهار، قال: وقلت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهر. ما قال له: وكذبت، لا، ولم يقل له: جانبت الصواب، أو انحرفت عن الحق، أو ضللت ضلالا مبينًا. لا، إنما بيّن له واقع الأمر: وذلك لم يكن منه، أي من رسول الله. نحن في حاجة إلى مثل هذه الأخلاق مع أنفسنا، ومع بعضنا البعض، ومع علمائنا ومشايخنا بالدرجة الأولى. فربما يوفقك الله على خطأ لعالم ما، أو على خطأ لداعية ما، أو شيخ ما، فليعلم الله عز وجل منك الإخلاص والصدق في هذه النصيحة، فعليك بالأدب، باستخدام الأسلوب، باستخدام الألفاظ المحببة. فإن الرجل في أول كلامه قال: وقد حضرت هذا المجلس وهذا الدرس متبركًا به، أي مستفيدًا منه. أثنى عليه، وبين له الخطأ في نفس المجلس، لكنه بشيء من الأدب. وهذا الذي نحتاجه اليوم. في آخر فتنتين مرت على هذه الأمة، كان فيها الطعن على أهل العلم من باب النصيحة زعمًا، شيء يندى له الجبين وتدمع من أجله العين، ويبين ما عليه هؤلاء من الأخلاق الفجة مع علمائهم ومع كبرائهم. فتنة أبي الحسن، وما حصل فيها من الطعن على أهل العلم في أعراضهم والسب فيهم، وكانت حصيلة ذلك أن الله رفع العلماء وأهلك هؤلاء. فكانت الفتنة الثانية التي جاءت بعدها، ينبغي أن نأخذ الدرس من الفتنة الأولى، وأن لا نطعن في أعراض العلماء، وأن لا نقذفهم بالباطل، ولا أن نستهم بالباطل، ولا أن نوجه إليهم الكلمات الفاضحة الغليظة. والذي حصل على خلاف ذلك، وكانت العقوبة هي هي: أن الله عز وجل أهلك هؤلاء ورفع العلماء. وهذه سنة في الأرض: كل من طعن في أعراض العلماء، وكل من عبث فيهم بغير حق وبغير أدب، فإن مآله إلى الهبوط، طال الزمن أو قصر. ولذلك ذكر الإمام أحمد فيما ذكره عنه ابن مفلح في الآداب الشرعية في رواية الأكرم عنه: قال: كان رجل يحدث في البصرة من أصحاب الأعمش، وكان لا يسلم لسانه، ولا يسلم أحد من لسانه، يتكلم في الناس هكذا مثل ما يفعل هؤلاء القوم اليوم. قال الإمام أحمد: فما طال الزمن حتى صغر الرجل، وكان من أهل الحديث، هكذا وصفه الإمام أحمد: من أصحاب الأعمش، من أهل الحديث، لكنه كان لا يسلم من لسانه أحد. قال: فصغر، ومحي ذكره، انتهى من الأرض. فما ضر هؤلاء الذين تكلم فيهم شيء، ما ضرهم، وإنما أضر بنفسه، والله عز وجل عاقبه بهذه العقوبة. وهذه العقوبة لكل من تسول له نفسه المساس بهؤلاء. إن لم يكن هؤلاء أولياء الله فمن هو الولي؟ ولذلك الخطر العظيم يكمن في أن المتكلم ممن ينتسب إلى الشريعة، وينتسب إلى العلم، وأنه من حملة العلم. لذلك الشيخ ابن عثيمين يقول عليه رحمة الله: وضرر هؤلاء في طعن العلماء أعظم وأعظم من طعن العوام. فلذلك نتنبه، لأن باب الفتن مفتوح، وما ندري، ربما كما قال: نسأل الفتن في وصفه للفتن كالأمواج، فما ندري هذه الفتن القادمة ماذا يكون فيها وماذا تحمل في طياتها. فينبغي أن نأخذ الدرس مهما كانت هذه الفتنة، أن نلزم غرز العلماء، لا حديثًا ولا كلامًا ولا نثرًا، إلا مواضع، أعني ليس بالقول فحسب، لأنه كان هناك من يتكلم كثيرًا في هذا الباب: يلزموا غرز العلماء، يلزموا من شابت لحاهم في السنة، يلزموا، يلزموا، حتى لزمنا نحن، وترقوا. لأن الله عز وجل يختبر، يختبر هذا الكلام، ويعرضك لفتنة، الواجب فيها أن تأخذ بالأصل لا بالتقليد. لكن في الفتن تعمى الأبصار والبصائر، ويرتفع الهوى، والعصمة من الله سبحانه وتعالى. فلذلك أيها الأحبة: هذه الفائدة، الأدب، الأدب في طرح الخطأ وبيانه مع أهل العلم بالألفاظ الطيبة، بالألفاظ التي تدخل إلى قلوبهم الطمأنينة، بذلك نصل إلى مبتغانا. لأن المبتغى من ذلك هو بيان الخطأ وزواله. أنت عليك جزء، والآخر على صاحب الخطأ. بين الذي عليك بالطريقة الشرعية الصحيحة، وهو بيانه في حدود الأدب. زوال هذا الخطأ على صاحبه: إن زال كان المقصود، وهذا الذي حصل. وإن لم يزل الخطأ، أديت الذي عليك. أما بالتشنيع، وأما بفضاضة القول، وغلظة القول، وقسوة القول، فهذا إنما ينالك الإثم من ذلك. وانظر أيضًا كذلك في الفائدة الأخيرة إلى سعة صدر الشيخ الذي نُصح. وهكذا هم علماء أهل السنة، وهكذا هم علماء الحق: صدورهم واسعة لقبول النصيحة. فهذا العالم المشهور، ولذلك قال ابن العربي: فانظروا رحمكم الله، أو قال: انظروا رحمكم الله، إلى متانة دين هذا الرجل، أي الشيخ. فإنه اعترف بخطئه على المشاهير، أو على الجماهير، أو على الناس، لرجل غير معروف بالعلم بالنسبة له، رجل مار، فجاء سمع حديث المجلس فجلس، لكنه من طلبة العلم. لكن هنا انظر إلى الشيخ، العجب هنا في الشيخ: أنه دان ورجع إلى رجل لا يعرفه، ليس من خاصة أصحابه، وليس ممن هو معروف له بالعلم، لا رجل يُنكر كما يُقال. لكنه هو لا يضع الحق بالناس ولا بمن حوله، إنما الحق يعرف بالحق. فلما تبين له الحق، ولقوة دينه وإيمانه رجع. ولذلك يقول حماد بن أبي سليمان، شيخ الإمام أبي حنيفة: لما قال له معمر، كما في السير للذهبي