التحذير من فتنة الدنيا

المحاضرة بعنوان التحذير من فتنة الدنيا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 شعبان 1432هـ ألقاها

فتنة المال والسلطان في آخر الزمان وعلاجها بالقناعة

يستعرض المقطع حديث النبي ﷺ عن كثرة الفتن في آخر الزمان وأن فتنة هذه الأمة في المال والسلطان، مستدلاً بقصة ذي الخويصرة واعتراضه على القسمة. ويبين أن أول بدعة في الإسلام نشأت من حب الدنيا، وأن النجاة تكمن في القناعة بما قسم الله والبعد عن مواطن الفتن.

القناعة وغنى النفس والنظر إلى من دونك في الدنيا

يحث الحديث على عدم النظر إلى من هو أعلى في الدنيا لتجنب ازدراء النعمة والحسد، مؤكداً أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس والقناعة. كما يوجه إلى التنافس في أمور الآخرة، والصبر على قلة الدنيا، والرضا بقضاء الله مع شكر نعمة الإيمان.

خطر الفتن وفضل الزهد اقتداءً بسيرة النبي ﷺ

يؤكد المقطع أن النجاة من الفتن نعمة عظيمة تميز القلوب بين بيضاء تنجو وسوداء تهلك، مستشهداً بزهد النبي ﷺ وقناعته. ويحذر من طلب الدنيا بالمناصب أو الأموال إذا أدى ذلك إلى سفك الدماء، داعياً طالب العلم إلى الصبر والشكر والاستغفار والاقتداء بالسلف الصالح.

دعاء الختام والاستغفار والتوبة

يختم المتحدث المجلس بالدعاء طالباً من الله المغفرة وسترة العيوب والهداية للصواب. ويختتم بالحمد والثناء على الله تعالى خاتماً الجلسة العلمية بالذكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، اعلموا رحمنا الله وإياكم أننا في زمن قد كثرت فيه الفتن وعمت وطمت، كما أخبر بذلك رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي خارج صحيح مسلم بزيادة: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». وقال عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم: «إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، فالعافية العافية في الدين، العافية في القلوب، العافية في الاستقامة، كانت في أول هذه الأمة، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أراد أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه». هذا الحديث في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. يبين عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة العافية جعلت في أولها، وأما آخرها فسيصيبها البلاء والفتن التي لا تعد ولا تحصى، والمؤمن هو الذي يشعر بالفتن ويخاف منها، وأما غير المؤمن فإنه حاطب الفتن ومؤجج الفتن وشاعر الفتن، فأنت أيها المؤمن تشعر بالفتنة لأنك لا تحب الفتن، وأما ضعيف الإيمان، وأما قليل الإيمان، وأما فاقد الإيمان فهو صاحب الفتنة، فكيف يحزن من الفتن وكيف يهرب منها وهو الذي أنشأها وأججها وأتى بها؟ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها». رواه أبو داود عن المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه. فالسعيد من جنبه الله الفتن، «إن السعيد لمن جنب الفتن» أي جنبه الله وأبعده من الفتن، وصار في منأى ومعزل عن الفتن. أيها الناس، إن من أعظم الفتن ومن أشر الفتن في هذه الأزمنة فتنة الحكام وفتنة الكراسي والأموال، فإن كثيرا من الناس لا يرضون بما قسم الله عز وجل لهم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فاعتراض عند الناس: لماذا فلان ولي؟ لماذا فلان أعطي؟ لماذا فلان أعطاه الله؟ ولماذا فلان ولاه الله؟ ولماذا فلان ألم يعطى؟ وهكذا اعتراض على أقدار الله عز وجل وعلى أحكام الله سبحانه وتعالى. وأول فتنة وقعت في الإسلام هي بسبب هذا، يا عباد الله، فتنة الدنيا وحب المال وحب الكراسي، فقد قام ذو الخويصرة التميمي حرقوص بن زهير على النبي عليه الصلاة والسلام لما قسم الأموال وأعطى المؤلفة يتألفهم على الإسلام ويدعوهم للإسلام، ويرى أن بذل الأموال لهم يقوي إيمانهم ويسلم نظائرهم ويكف شرهم، فأعطاهم من الأموال ما رغبهم في الدين وفي الدخول فيه وفي الاقتناع به. فجاء رجل كث اللحية، نات الجبين، غائر العينين، محلوق الرأس، وقال: يا محمد، اتق الله واعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. انظر هذا الخطاب يوجه لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام. رجل لحيته تملأ صدره، نات الجبين، غائر العينين، محلوق الرأس، جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم كما أمره الله عز وجل، وكما يرى عليه الصلاة والسلام من تأليف هؤلاء الذين أعطاهم، فقال له: يا محمد، اتق الله واعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «من يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟». فقال بعض الصحابة: إذن لنا يا رسول الله نقتل هذا؟ قال: «سيخرج من ضئض هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». انظر يا عبد الله، قال الإمام ابن كثير رحمة الله عليه في تفسيره - وتعلمون أن تفسير ابن كثير أحسن التفاسير، من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها، تفسير يعتمد على الآية والحديث وعلى آثار السلف، وتجد في هذا العصر من يزهد في تفسير ابن كثير، وتفسير ابن كثير على قول أهل العلم الراسخين في العلم أهل الدين والإيمان أن تفسير ابن كثير من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسن التفاسير، لأنه يفسر كلام الله بكلام الله، ويفسر كلام الله بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، ويفسر كلام الله بما فهم وبما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعن السلف الصالح، الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح -. قال ابن كثير: وأول بدعة في الإسلام كان سببها الدنيا وحب الدنيا، فإن ذا الخويصرة - خسر الله أو بقر الله خاصرته - واجه النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام من أجل ماذا؟ من أجل الدنيا. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». رواه الترمذي عن كعب بن مالك رضي الله عنه. لكل أمة فتنة، لكل أمة فتنة، وفتنة هذه الأمة في المال. فانظر يا عبد الله، عليك بالقناعة، عليك بالقناعة بما قسم الله عز وجل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تنظروا إلى من فوقكم، وانظروا إلى من هو دونكم، فهو أجدى أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». متفق عليه عن أبي هريرة. لا تنظروا إلى من هو فوقكم، لا تنظر إلى من فضله الله في المال، ومن فضله الله عز وجل وأعطاه من الدنيا، لا تنظر إليه نظرا آه، ماذا؟ حسد، ونظر أنك تريد مثله، إنما تنظر إلى من هو دونك، فترى أن الله قد فضلك على كثير من خلقه تفضيلا. إذا رأيت من دونك، واليوم فتن الناس إنما هي في النظر إلى الدنيا وما أعطى الله غيرهم من الدنيا، فيرى المسؤول ويريد أن يكون مثله، ويرى الغني ويريد أن يكون مثله، ويرى صاحب كذا ويريد أن يكون مثله، فينظر إلى من هو فوقه ولا ينظر إلى من هو دونه، فيجره هذا إلى ازدراء النعمة. قال النبي عليه السلام معللا لماذا لا ننظر إلى من هو فوقنا، أي في أمر الدنيا: «فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله»، أي ألا تحتقروا النعم، فإن المؤمن إذا نظر إلى من هو فوقه رأى أنه أنزل وأنقص وأقل، فيحتقر هذه النعمة التي هو فيها، ويطلب المزيد، وربما لا يحصل على هذا المزيد إلا بطرق محرمة، فيقتل النفس التي حرم الله حتى يصل إلى هذه المنزلة، ويرتكب الجرائم والمنكرات، ويعمل ما قدر عليه من الأمور حتى يصل إلى تلك المنزلة، ولن يصل إليها إلا إذا كتب الله سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. فيا عبد الله ويا طالب العلم، كن غنى النفس، وغنى النفس لا يستشرف إلى ما أعطى الله عز وجل غيره، لأن الغنى في قلبه، ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني». رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. إن الله يحبك إذا كنت غنيا، أي غنيا نفسا، «إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني»، أي غنيا نفسا، أي غنيا نفسا، فإن كنت غنيا نفسا فإنك لا تنافس على هذه الدنيا ولا تنافس أهلها فيها، وإنما تقتنع بما أعطاك الله عز وجل، وتسأل الله سبحانه وتعالى المزيد، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، واسألوا الله من فضله. والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه الأنصار فسألوه، أي بعض الأنصار فسألوه، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، فلما نفد ما عنده قال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع - أو لا أوسع - من الصبر». متفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفيه: «من يستغن يغنه الله»، «من يستغن يغنه الله»، فالغنى يا عبد الله غنى النفس. نافس في أمور الآخرة، نافس في أمور الدين، نافس في حفظ القرآن وحفظ الحديث، نافس في الخيرات، وفي ذلك وما حصل يا عباد الله اليوم من الفتن إلا بسبب الإخلال بهذا الأمر، وهو التنافس فيما حذرنا منه، التنافس على الدنيا وعلى مناصبها وعلى كراسيها وعلى زينتها. وقد قال ربنا عز وجل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، انظر هذه الدنيا. وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. وهكذا يقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. لما حقر الدنيا وذكر هذه الدنيا ومثل لها وضرب المثل لها، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فيا طالب العلم ويا أيها المسلم، اعلم أنه لن يصلك إلا ما كتب الله لك. قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. انظر إلى هذه العقيدة الراسخة: الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا إذا أراد الله وإذا كتب الله، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله سبحانه وتعالى عليك. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لكل شيء حقيقة، وحقيقة الإيمان أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». فيا طالب العلم، اصبر، اصبر، وهي أيام وليالي وستنقضي، وهي أيام قليلة، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، قل متاع الدنيا قليل. وربنا عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمُ الَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. فيا من أعطاك الله العلم، ويا من أعطاك الله الإيمان، احمد الله على هذه النعمة، واسأل الله عز وجل مزيدا من ذلك، واحمد الله أن نجاك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فإن أهل الفتن يتقلبون ليل نهار في الفتن ويدعون إليها، وأنت نجاك الله عز وجل منها، لم تسفك دما، ولم تشارك في فتنة، ولم تكن قائدا ولا رئيسا ولا جنديا من جنود الفتن، فأحمد الله على هذه النعم أن نجاك الله وغيرك قد وقع في الفتن، إما بقلمه، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بيده، وإما بقلبه، وإما وإما، وأنت بعيد عن الفتن، هذه نعمة، نجاك الله عز وجل وعصمك الله من الفتن، فأحمد الله على ذلك واشكر الله على ذلك. سمعت في حديث عبد الله بن عمر: «تأتي الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي»، يخاف، يخاف من الفتن، ثم تأتي الفتنة تنكشف الأولى، فتأتي الفتنة الأخرى أعظم من الأولى، ويقول المؤمن: «هذه هذه»، أي هذه الفتنة العظيمة التي ربما تعصف بالمسلم. فإذا نجاك الله من الفتن، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث حذيفة: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وأسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». رواه الإمام مسلم في صحيحه. فكم من مؤمن من فضل الله نجا من الفتن، الفتن، أهله الفتنة، من فضل الله وبرحمة الله وبفضل الله وجوده وإحسانه على العبد أن نجاه من الفتن. قال: «حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة»، انظر يا عبد الله، وغيرك يتقلب، ما من فتنة إلا هو رأس فيها. والذي يدخل في الفتن يا عباد الله لا يسلم، لا يسلم، ربما يهلك فيها، وإن نجا ربما قلبه ضعفا وإيمانه قل وفتنته تكبر، والعياذ بالله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة»، فالذي يسأل من الله أن يجنبه الفتن يجنبه الله الفتن، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر قلب أسود مربادا كالكوز مجخيا مقلوبا منكوسا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه. فعليك يا طالب العلم، إن قلت الدنيا أو قل يعني شيء من متاعها، أن تصبر، فإن نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثلها كرجل استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»، كرجل أو كراكب استظل تحت شجرة تحت ظل شجرة ثم ذهب وتركها. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه»، قد أفلح، الفلاح من أسلم ورزق كفافا، أي ما يكفيه، وقنعه الله بما آتاه. رواه مسلم في صحيحه. وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». رواه مسلم أيضا في صحيحه. وقال عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يمر علينا الهلال والهلال والهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، هلال ثم الهلال شهر كامل ثم الهلال شهر كامل، شهرين، وما أوقد في أبيات النبي عليه الصلاة والسلام نارا». كم عنده بيوت؟ تسع بيوت. وما أوقد نار في بيت، لا اليوم الأول، ولا الثاني، ولا الثالث، ولا الرابع، ولا العاشر، ولا العشرين، ولا الثلاثين، ولا الأربعين، ولا في بيت، هلال وهلال وهلال، ثلاثة أهلة، وما أوقد في بيت من أبيات النبي عليه الصلاة والسلام نارا. اليوم ما يمر اليوم إلا وتوقد النار من فضل الله، ولا توقد إلا على خير موجود عند الناس، ما توقد النار على قدور فارغة، ولا على أواني فارغة، ما توقد النار إلا على خير موجود ورزق موجود، ومع ذلك في اليوم الواحد ربما توقد النار في بيوتنا أكثر من مرة في اليوم الواحد، والرسول عليه الصلاة والسلام خير خلق الله وصفوة خلق الله، يمر الهلال والهلال والهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، ولا توقد نار في جميع بيوته، سبحان الله. قال عروة لخالته عائشة: فما كان يقيتكم؟ قالت: «الأسودان: التمر والماء». أصرفت الدنيا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفتحت إلينا لكرامتنا على الله، أصرفت الدنيا عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن أصحابه، وفتحت علينا لكرامتنا على الله. فانظر يا عبد الله، ربما تكون الدنيا فتنة، والدنيا فتنة، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، فالخير قد يكون فيه شر، قد يكون هذا المال الذي ظن خير قد يكون فيه شر. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أترضى يا طالب العلم أن تكون وزيرا أو أميرا صاحب فتنة، أو غنيا أو من ذوي الأموال، وأنت في الفتن، وقد سفكت الدماء أو أمرت بسفك الدماء؟ أترضى أن تلقى الله وقد سفكت دم امرئ مسلم؟ أترضى أن تلقى الله وقد أفتيت بفتوى فيها سفك دم المسلم؟ أترضى أن تلقى الله وقد مالأت على دماء المسلمين؟ أترضى أن تلقى الله ويدك ملطخة بالدماء؟ لأن تلقى الله فقيرا لا تملك شيئا، خير من أن تلقاه بدماء المسلمين، ويدك ملطخة بدماء المسلمين، وإن أعطيت الدنيا بحذافيرها وقد قتلت مسلما أو أعنت على قتله أو أفتيت في قتله، فإنك على خطر عظيم، والعياذ بالله. فعليك يا طالب العلم أن تقنع بما أعطاك الله، وأن تعلم أن الله ما صرف عنك زهرة الدنيا وفتنة الدنيا إلا لإرادة الخير لك بإذن الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى قد يصرف عن العبد الدنيا كرامة لهذا العبد، فإنه لو أعطي الدنيا ربما تكبر وتجبر وطغى وبغى. ونحن في زمن كما سمعت يا عبد الله كثرت فيه الفتن، فالواجب على المؤمن أن يصبر وأن يحتسب وأن يسأل الله سبحانه وتعالى، ولا يسأل الناس شيئا، إنما يسأل الله، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وإن قل الطعام أو قل الشراب أو قل الثياب أو قل شيء من الدنيا، فعليك أن تنظر في سير السلف، وفي سير العلماء، وفي سير المتقدمين، وفي سير الصحابة، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أهو قدوتنا فقط في أمور وليس لنا قدوة في أمور أخرى؟ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فتتأسى بمن سلف وتقتدي بمن سلف، فإن السلف هم قدوتنا في ذلك. فعليك إذا أعطيت من الدنيا أن تشكر الله، وإذا ابتليت أن تصبر على البلاء، وإذا أذنبت أن تستغفر الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، ويسر عيوبنا، وأن يجعلنا هداة المهتدين، غير ضالين ولا مضلين، إن ربنا لسميع الدعاء، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على