والله متم نوره ولو كره الكافرون

الخطبة بعنوان والله متم نوره ولو كره الكافرون، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 12 ذو القعدة 1433هـ ألقاها

وعد الله بحفظ الإسلام وتمكينه

يتناول وعد الله بحفظ الإسلام رغم محاولات الكافرين لإطفاء نور الله، وأن العاقبة للمؤمنين المتقين. يُبين فشل محاولات أعداء الإسلام لإخماد دين الله.

انتشار الإسلام ونصره في المستقبل

يؤكد أن الله سيتم نوره ولو كره الكافرون، والإسلام سينتشر ويتمكن في المستقبل. يشير إلى أن التغيير يبدأ من الداخل بتغيير ما بأنفسنا.

العزة والتمكين بعودة إلى الدين

يُشدد على أهمية العودة إلى الدين لتحقيق العزة والنصر، وأن العزة الحقيقية تأتي من التمسك بالإسلام وتحكيم شرع الله.

دعاء لنصرة الإخوة المؤمنين

دعاء الله لنصرة الإخوة المؤمنين المستضعفين والصلاة على النبي وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رَاسِخَةً فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَتَكُونَ ثَابِتَةً نَصْبَ أَعْيُنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، هُوَ مَا تَمُرُّ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، بَلْ وَقَبْلَهَا بِمُدَدٍ مِنَ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ، وَمِنْ تَسَلُّطِ أَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَاخْتِلَاطِ الْأَمْرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَأَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ فِي ذِلَّةٍ وَقِلَّةٍ وَهَوَانٍ، صَارُوا مُسْتَضْعَفِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمُ الْعِزَّةُ وَالْقُوَّةُ وَالتَّمْكِينُ. وَمَعَ هَذَا، وَمَعَ مُحَاوَلَاتِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ لِلنَّيْلِ مِنْ هَذَا الدِّينِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرًا وَجَهَارًا، بِأَنْوَاعٍ وَأَلْوَانٍ مِنَ الْمُؤَامَرَاتِ، وَمِنَ الْحِيَلِ وَالْكَيْدِ وَالْمَكْرِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لِهَذَا الدِّينِ، الْمُسْتَقْبَلَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا مُحَالَةَ، إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَعَدَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بِحِفْظِهِ، وَوَعَدَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بِتَمْكِينِهِ وَإِتْمَامِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَلَوْ تَآمَرَ الْمُتَآمِرُونَ، وَلَوْ كَادَ الْكَائِدُونَ. قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وَقَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ يَهُودٍ وَنَصَارَى وَمُنَافِقِينَ وَفَجَرَةٍ، يَدْأَبُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا لِلصَّدِّ عَنْ هَذَا الدِّينِ، وَلِإِطْفَاءِ نُورِهِ، وَلِإِخْمَادِ الشُّعَاعِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا، فَكَانَ سَبَبًا لِهِدَايَةِ النَّاسِ، يَرِيدُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا إِطْفَاءَ هَذَا النُّورِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَكَائِدِ، بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْأَحْقَادِ، بَلْ وَالْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ عَلَيْهِمْ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. وَقَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وَقَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾. هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَمَرَدُّ الْأَمْرِ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَدِينُ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا مَاضٍ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا لَهُ. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، انْظُرْ إِلَى سَفَهِ عُقُولِ هَؤُلَاءِ، كَيْفَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا هَذَا النُّورَ الرَّبَّانِيَّ، نُورٌ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بِمَاذَا يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوهُ؟ بِأَفْوَاهِهِمْ. بَيَّنَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَا يَسْعَى إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ وَالْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، مِنْ إِرَادَةِ اسْتِئْصَالِ هَذَا الدِّينِ، لَا يَكُونُ أَبَدًا، لَا يَكُونُ أَبَدًا، بَلِ الْعِزَّةُ وَالْمَكَانَةُ لِهَذَا الدِّينِ، بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَ وَعَلَا. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، يَتَصَوَّرُ إِلَى هَذَا الْمَنْظَرِ، وَإِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، إِنْسَانٌ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا وَإِشْعَاعَ الشَّمْسِ بِنَفْخِهِ، أَوْ ضَوْءِ النَّارِ، أَوْ ضَوْءِ النُّورِ، وَمَا يَكُونُ هَذَا، لَا وَاللَّهِ. لِذَا قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا، رَادًّا عَلَيْهِمْ، وَقَاطِعًا لِأَطْمَاعِهِمْ وَآمَالِهِمْ: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَلَوْ كَانُوا كَارِهِينَ لِهَذَا الْأَمْرِ وَلَوْ كَانُوا بَاغِضِينَ لِهَذَا الْأَمْرِ فَإِنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ، لِلَّهِ جَلَ وَعَلَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾، أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. مَا أَرْسَلَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْهُدَى، هُوَ الْخَيْرُ، هُوَ الصَّلَاحُ لِلْمُجْتَمَعَاتِ أَجْمَعَ، لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَالْعُقُولِ، وَلَكِنَّ الْكَافِرِينَ فِي إِعْرَاضٍ، وَلَكِنَّهُمْ فِي بُعْدٍ عَنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَ وَعَلَا. وَإِلَّا فَإِنَّ النُّورَ كُلَّ النُّورِ، وَالْهُدَايَةَ كُلَّ الْهُدَايَةِ، وَالْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي هَذَا الدِّينِ، وَهُوَ مَنْصُورٌ بِنَصْرِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا لَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَلَوْ اجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا هَذَا النُّورَ، وَيَتَصَدَّوْا لِهَذَا النُّورِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ لِهَذَا الْأَمْرِ أَبَدًا. إِنَّ الْمُبَشِّرَاتِ جَاءَتْ بِأَنَّ هَذَا الدِّينَ يَكُونُ لَهُ التَّمْكِينُ، وَأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّ النَّصْرَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، هَذِهِ حَقِيقَةٌ، وَهَذَا يَقِينٌ يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ، تَضِييقًا وَإِيمَانًا بِإِخْبَارَاتِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَبِإِخْبَارَاتِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَإِلَيْكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، طَوَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». هَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ جَلِيٌّ، إِنَّ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيَمْتَدُّ وَيَتَوَسَّعُ، وَيَكُونُ لَهُ الْأَمْرُ وَالْعَاقِبَةُ، بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ فِيهِ هَذَا الدِّينُ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَيُذِلُّ بِهِ الْكُفَّارَ». وَهَكَذَا يَقُولُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَيْضًا، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ -أَيْ بِالرَّغَدِ- وَالْغِنَى، وَالنَّصْرِ، وَرِفْعَةِ هَذَا الدِّينِ، وَرِفْعَةِ هَذَا الدِّينِ، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ مَرْفُوعٌ وَلَا مُحَالَةَ، وَمَنْصُورٌ وَلَا مُحَالَةَ». أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَِّذِهِ الْحَمْدَ الْكَثِيرَ الْمُبَارَكَ فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَبَعْدُ، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ، وَيَسْأَلُ سَائِلٌ، فَيَقُولُ: مَتَى هَذَا الْأَمْرُ؟ وَالْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ؟ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ هَدِيثِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ مُغَيِّرًا نِعَمًا أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. إِذَنْ التَّغْيِيرُ مِنَّا أَوَّلًا، التَّغْيِيرُ مِنَّا أَوَّلًا، أَنْ نُغَيِّرَ مَا بِأَنْفُسِنَا، وَمَا فِي أَنْفُسِنَا. وَتَأَمَّلُوا مَعِي إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». تُرِيدُ الْعِزَّةَ، وَتُرِيدُ النَّصْرَ، وَتُرِيدُ التَّمْكِينَ مِنْ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَ وَعَلَا، فَعَلَيْكَ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، عَلَيْكَ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ جَلَ وَعَلَا. وَقِفْ مَعِي مَعَ آيَاتٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، كَيْفَ أَنَّ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا يُصَوِّرُ لَنَا الْأَمْرَ، وَأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا مِنَ الْأُمُورِ، مِنْ تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ، وَتَدَاوُلِ الدُّوَلِ، إِنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ جَلِيلَةٍ. قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فَاللَّهُ جَلَ وَعَلَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ دُولًا، هَذِهِ الدُّولَةُ تَدُولُ عَلَى هَذِهِ، وَتِلْكَ عَلَى هَذِهِ، لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، مِنْ هَذِهِ الْحِكَمِ: أَنْ يُمَيِّزَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُمَحِّصَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا الَّذِينَ آمَنُوا، وَيُمَحِقَ الْكَافِرِينَ. قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. تُرِيدُونَ الْجَنَّةَ؟ أَوَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ، وَجَاهَدُوا أَعْدَاءَهُمْ، وَجَاهَدُوا الشَّيَاطِينَ، وَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ؟ هَلْ يَجْعَلُهُمُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا وَاللَّهُ جَلَ وَعَلَا هُمْ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً؟ لَا وَاللَّهِ. إِذَنْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، إِنْ أَرَدْتَ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ، وَأَرَدْتَ التَّمْكِينَ مِنْهُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَ وَعَلَا، فَعَلَيْكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الدِّينُ، وَبِهِ ظَهَرَ هَذَا الدِّينُ، مِنْ التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَ وَعَلَا، وَمِنَ التَّمَسُّكِ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَتَأَمَّلْ مَعِي إِلَى فِقْهِ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ، وَإِلَى دَقَّةِ نَظَرِهِ، وَبُعْدِ بَصَرِهِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، إِذْ يَقُولُ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَذِلَّةً -أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ- فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِهَذَا الدِّينِ، فَمَهْمَا نَبْتَغِي الْعِزَّةَ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ». أَذَلَّنَا اللَّهُ، تَأَمَّلْ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ، مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْمُلْهِمِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَ وَعَلَا، كَيْفَ يُصَوِّرُ لَنَا كَيْفَ تَكُونُ الْعِزَّةُ، وَكَيْفَ تَكُونُ الْمَكِنَةُ، وَكَيْفَ يَكُونُ النَّصْرُ، وَكَيْفَ يَكُونُ الذُّلُّ وَالصِّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ. «إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَذِلَّةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ احْتِضَانِ الْإِسْلَامِ، كَانُوا فِي ذِلَّةٍ وَفِي خَوْفٍ»، قَالَ: «فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِهَذَا الْإِسْلَامِ»، مَتَى أَعَزَّهُمُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بِهَذَا الْإِسْلَامِ؟ يَوْمَ أَنْ كَانُوا أَعِزَّةً بِالْإِسْلَامِ، أَعَزَّهُمُ الْإِسْلَامُ. فَيَا أَسَفًا عَلَى الْإِسْلَامِ، أَيْنَ أَعِزَّتُنَا الْيَوْمَ لِلْإِسْلَامِ؟ وَبِالْإِسْلَامِ؟ كَيْفَ حَالُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنَ الْإِسْلَامِ؟ هَذَا فِي حَالٍ يُرْثَى لَهُ، وَآخَرُ فِي حَالٍ أُخْرَى. هَذَا يَتَشَبَّهُ بِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، يَنْظُرُ إِلَى الْكَافِرِينَ مِنْ يَهُودٍ وَنَصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُبْتَهِرًا، كَأَنَّهُ رَامٍ لَكَ مِنْ أَعْلَى السَّمَاءِ. أَيْنَ الْعِزَّةُ لِلْإِسْلَامِ؟ «إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَذِلَّةً، فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِهَذَا الدِّينِ، فَمَهْمَا نَبْتَغِي الْعِزَّةَ فِي غَيْرِهِ»، إِذَا أَرَدْنَا الْعِزَّةَ مِنْ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، أَرَدْنَا الْعِزَّةَ بِتَحْكِيمِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، بِالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، بِغَيْرِهَا مِنْ أَصْنَافِ وَأَنْوَاعِ الْحُكْمِ الَّذِي يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّهِ، «أَذَلَّنَا اللَّهُ»، أَذَلَّنَا اللَّهُ. اَلْعِزَّةُ كُلُّ الْعِزَّةِ فِي تَحْكِيمِ شَرْعِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَفِي تَحْكِيمِ دِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَفِي الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا. نَسْأَلُ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا بِعِزِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُمَكِّنَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اَللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الْكُفْرَ وَالْمُشْرِكِينَ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. اَللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

شاركنا على