الدرس في شرح فتح المجيد 48، ألقاها
شرح مفهوم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله وبيان أنه يعتبر كفرا إذا كان عن علم واعتقاد. يستدل الشارح بآيات وأحاديث نبوية على ذلك.
يجب التفريق بين الحكم العام المطلق والحكم الخاص المعين عند الحكم على شخص معين بالكفر أو الفسق. يشترط توفر الشروط وانتفاء الموانع لذلك.
يتناول حكم المجتهد الذي يخطئ في اجتهاده إذا كان قصده اتباع الحق، ويبين حكم المقلد الذي يتبع عالمًا مخالفًا للرسول. يشير إلى اتفاق العلماء على عدم جواز تقليد أحد في خلاف الحق إذا عرفه.
يشير إلى انتهاء الحديث حول مسألة معينة مع تأكيد على صحة ما تم التوصل إليه وفقًا لأقوال أهل العلم. يتضمن تسبيحًا ودعاءً لله تعالى بالاستغفار والتوبة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام في معنى قوله: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله»، وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعون على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم. فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف للدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركا مثل هؤلاء. ذكر الشارح رحمه الله تعالى هنا هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذه المسألة العظيمة. وفيما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وسيأتي معنا بإذن الله عز وجل كاملا كلام الشيخ فيه بيان واضح كاف شاف في هذه المسألة، وهو كلام في الحقيقة محقق من إمام محقق من شيخ إسلام رحمه الله تعالى، الذي قد عرف بالتحقيق والتدقيق والتوضيح والبيان في المسائل التي يطرقها رحمه الله تعالى. فوذكر في هذه المسألة أن اتخاذ هؤلاء أحبارهم ورهبانهم أربابا، قال: «حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله»، قال: يكونون أو يكونون على وجهين، بمعنى في هذه الآية. وكذلك كما مر معنا في القاعدة المعروفة عنده، التفسير وعنده كذلك علماء الأصول، أصول تفسير القرآن وأصول الفقه، وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا كان كذلك، فتحليل ما حرم الله أو طاعة الغير طاعة غير الله عز وجل في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله على قسمين. قال: أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، أي أن يعلموا أن متبوعهم ورئيسهم من العلماء أو من الأمراء أو من العباد أو من اتخذه رأسا، علم أنه بدل حكم الله، فأحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله. قال: فيتبعهم على التبديل، فيتبعهم على التبديل، يعلم أنهم بدلوا دين الله، فيتبعهم على ماذا؟ على التبديل. إذن أولا أن يحصل هذا الاتباع في التبديل على علم واضح. ثانيا: فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فيعتقدون الأول العلم، الثاني الاعتقاد. واضح أن يعتقدون عن علم أن ما أحله الرئيس وقد حرمه الله عز وجل، يعتقدون أنه حلال، ويعتقدون ما حرمه يعتقدون ما حرمه الرئيس وقد أحله الله بأنه حرام، فيتبعوهم في التحريم والتحليل المخالف لحكم الله وأمره. إذن المسألة رجعت إلى الاعتقاد، وهل الاعتقاد فقط؟ الجواب: الاعتقاد وكذلك العلم بأنه قد خالف حكم الله، قد خالف حكم الله عز وجل. قال رحمه الله: «اتباعا لرؤسائهم»، أي اتباعا مطلقا لرؤسائهم، اتباعا مطلقا لرؤسائهم. فهؤلاء اعتقدوا أن لرؤسائهم الاتباع المطلق، ولو خالف حكم الله جل وعلا، واعتقدوا أن لهم هذه المنزلة، أي جواز تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله. قال: «مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل»، هذا تكرير وتوضيح من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ليزيد هذا المقام بيانا ووضوحا. قال: «فهذا كفر»، لماذا؟ هذا كافر أو هذا كفر، لأنهم أشركوا بالله عز وجل معه غيره في هذا الباب، أشركوا مع الله عز وجل غيره في هذا الباب عن علم واعتقاد، عن علم واعتقاد. فاعتقدوا أن حكم غير الله عز وجل جائز، بل مقدم على حكم الله عز وجل، بل مقدم على حكم الله عز وجل، فصاروا بذلك كفارا، لا سيما مع كونهم يعلمون أنه مخالف لحكم الله جل وعلا. قال: «وقد جعله الله ورسوله شركا»، مستفاد من الآية والحديث، أي حديث «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» و «المسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون». فقال الله عز وجل: «أربابا»، وقال في آخر الآية: «سبحانه عما يشركون»، فسماه الله عز وجل شركا، والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في حديث عدي أنه قرأ هذه الآية، فقال عدي: «ما عبدناهم»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى»، ثم بين لهم أو بين لعدي وجه ذلك. إذن قد نص: الله عز وجل على أنه شرك، وكذلك نص رسوله صلى الله عليه وسلم بأن هذا شرك بالله عز وجل. قال: «وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم»، أي ليس من شرط الإنسان حتى يكون عابدا لغيره أن يسجد له أو أن يصلي له أو ما شابه ذلك، بل لو حصل منه شرك وعبادة لذلك الغير، فإنه يكون عابدا له ومشركا به. قال: «فكان من اتبع غيره في خلاف الدين»، أي مع علمه بذلك، «مع علمه أنه خلاف للدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله». الشيخ رحمه الله تعالى كما ترون يكرر هذين الشرطين: ما هما؟ هذين الشرطان: العلم والاعتقاد. قال: «واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله»، أي اعتقد أن ما قاله غير الله ورسوله أن الحكم فيه جائز أو أنه أفضل أو مثل حكم الله عز وجل، وما كان كذلك فهو كفر اتفاقا. قال: «فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف للدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركا». مثل هؤلاء. طيب ذكر الشارح رحمه الله تعالى هنا هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذه المسألة العظيمة. قال: «وعليه ينزل قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾»، كفرا أكبر إن كان صادرا على هذا الوصف، كان عن علم واعتقاد بجواز حكم غير الله عز وجل، أو اعتقاد أن حكم غير الله عز وجل مساو أو أفضل من حكم الله عز وجل، فهذا يكون كفرا أكبر مخرجا من الملة. وننبه ونكرر التنبيه على مسألة شهيرة من مسائل أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي أن أهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم العام وبين الحكم الخاص على المعين في هذا الباب. فهل السنة والجماعة إذا قالوا في حكم ما: «هذا كفر أكبر، وهذا شرك أكبر، وهذا فسق أكبر، وهذا ظلم أكبر»، لا يلزم من ذلك أن يكون منفعه كافرا، بل لا بد في الحكم على المعين بالكفر من توفر الشروط وانتفاء الموانع. فلا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع. فهذا حكم عام مطلق، وهذا حكم عام مطلق، وفرق بين الحكم العام المطلق والحكم الخاص المعين أو على المعين. هذه قاعدة نستصحبها في كل مسألة من هذه المسائل، أي من الحكم على شخص معين بكفر أو فسق أو بدعة. فلا نحكم على الشخص المعين إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع عما باعتبار الحكم العام، فيقال: «من فعل كذا فهو كافر، ومن قال كذا فهو كافر»، وما شابه ذلك. فالحاصل أن هناك فرقا بين الحكم العام والحكم على المعين. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، واضح. ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، لأن لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وأدلة هذا كثيرة، وقد استقصاها وبيناها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواطن من كتبه، وذكرها كذلك غيره من أهل العلم رحمه الله تعالى في كتبهم. قال رحمه الله: «الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا، لكنهم طاعوه في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص». فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف». أولا: الحديث متفق عليه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وجاء عن غيره بمعناه. ثانيا: أن قوله رحمه الله تعالى: «الثاني»، أي الثاني في حكم من اتبع غير الله عز وجل أو اتبع غير حكم الله ورسوله في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله. قال: «أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا»، واضح. لا يعتقدون أن الحلال ما أحله الله، وأن الحرام ما حرمه الله، أي ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. ولكنهم اتبعوا غير الله عز وجل، وأطاعوا غير الله عز وجل لشهوة وهوى، لشهوة وهوى، مع اعتقادهم أن حكم الله هو الحق، وما عداه باطل، وإنما اتبعوا غير حكم الله عز وجل لهوى ولشهوة. فهؤلاء ما حكمهم؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «لكنهم أطاعوه في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص». فهؤلاء لهم أحكام أمثال من أهل الذنوب، من أهل الذنوب. إذن صنف من الناس من يتبع حكم غير الله عز وجل ورسوله مع علمه بذلك، ولكنه يعتقد ماذا؟ أن حكم الله عز وجل وحكم رسوله هو الحق، وما عداه ماذا؟ باطل. واضح أنه اتبع غير حكم الله ورسوله لهوى ولشهوة. وهذا ما حكمه؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذا حكمه حكم أهل المعاصي، بمعنى أنه وقع في معصية من المعاصي، وقد نص غير واحد أنه وقع في كبيرة من الكبائر، وقع في كبيرة من الكبائر، لماذا؟ لأن الله عز وجل سمى من حصل منه ذلك أنه وقع في الشرك، وإطلاق الشرك أقل أحواله أن يكون الشرك الأصغر، وهو من جملة الكبائر. وكذلك أطلق على من لم يحكم بما أنزل الله أنه وقع في الكفر، والكفر ها هنا الكفر الأصغر، وهو كذلك من جملة الكبائر. واضح هذا. إذن من أطاع غير الله عز وجل في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على قسمين: قسم يكون ذلك الفعل كفرا أكبر مخرجا من الملة، وذلك إذا حكم بغير حكم الله عز وجل عالما به ومعتقدا لجوازه. واضح أنه معتقد لجواز حكم غير الله عز وجل مع حكم الله أو من دون حكم الله أو اعتقاده أنه أفضل من حكم الله أو أنه مساوي لحكم الله جل وعلا، هذا كفر أكبر مخرج من الملة. النوع الثاني من حكم أو اتبع غيره في حكم غير الله عز وجل في الحكم بغير ما أنزل الله، ولكنه وإن كان عالما بأنه غير حكم الله ورسوله، ولكنه يعتقد أن الحكم الحق لله عز وجل ولرسوله، وأن ما عداه فإنه حكم باطل. واضح أنه اتبع هواه. فهذا وقع في كبيرة من الكبائر، وليس بكافر. وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة التي تنازع فيها الناس، لا سيما في هذه الأعصار المتأخرة، وإن كان أصلها قد ظهر في زمن علي رضي الله عنه وأرضاه حينما خرج عليه الخوارج، وقالوا: «إن الحكم إلا لله»، فقال علي رضي الله عنه وأرضاه: «كلمة حق أريد بها باطل»، أي أن هذا حق الحكم لله، ولكنهم نزلوها في غير منزلها، فكفروا بهذا الأمر من كفروا من الصحابة وصالحي التابعين. قال رحمه الله: «ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطيئته». فهذا لا يؤاخذه الله بخطأه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى انتقل من التابع إلى المتبوع، الرئيس أو العالم أو المجتهد إذا حكم بغير ما أنزل الله، أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، ولكن عن اجتهاد، عن اجتهاد، أي نظر واجتهد في مسألة ما، فظهر له أن هذا الشيء ليس بحرام بل هو حلال، وحقيقة الأمر أنه حرام، والعكس اعتقد في أمر ما بعد اجتهاده واستفراغ وسعه في إصابة الحق، اعتقد أنه حلال وهو حرام. فهذا ما حكمه؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إن كان مجتهدا»، ولا بد للمجتهد أن يكون ماذا؟ أن يكون قد توفرت فيه شروط اجتهاد، أن يكون توفرت فيه شروط الاجتهاد. وكذلك وليس المراد الأول بشروط الاجتهاد الاجتهاد المطلق الذي يقول العلماء: أن يكون حافظا كذا وكذا ألف من الأحاديث، وأن يكون مطلعا على هذا، أن يكون مجتهدا، ولو كان مجتهدا اجتهادا نسبيا. قال: «قصده اتباع الرسول»، وهذا شرط ثاني حتى يخلص وينجو المجتهد من عذاب الله عز وجل في خطأه. أولا: أن يكون مجتهدا، أي أهلا متأهلا للاجتهاد، أن يكون متأهلا للاجتهاد. والثاني: أن يكون قصده إصابة الحق، أن يكون قصده إصابة الحق. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر»، خفي عليه الحق في نفس الأمر، هو يعتقد أن الحق كذا، ولكن الحق في نفس الأمر على خلافه. قال: «وقد اتقى الله ما استطاع»، اتقى الله ما استطاع، بمعنى أنه استفرغ وسعه. والله عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، واضح. قال: «فهذا لا يؤاخذه الله بخطأه»، وإن كان أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، لا يؤاخذه الله بخطأه، لماذا؟ لأنه اجتهد، استفرغ وسعه في تحصيل الحق، وكان قصده الحق، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فوصل أمره وعلمه إلى ذلك، فأخطأ. فما حكمه؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «فهذا لا يؤاخذه الله بخطأه»، قال: «بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه»، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن العاص. إذن المجتهد الذي بهذه الصفة هو بين الأجر والأجران، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، أجر واحد على اجتهاده. واضح. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد». قال رحمه الله: «ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطأه وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باليد واللسان مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه». قوله: «ولكن من علم أن هذا أخطأ»، الآن رجع الكلام إلى الأتباع، أو إلى المتبوعين، إلى الأتباع. أي الذين يتبعون العلماء، أي الأتباع. يقول: «ولكن من علم أن هذا أخطأ»، أي التابع علم أن الرئيس والعالم والشيخ الفلاني أخطأ في هذه المسألة، ثبت عنده أنه أخطأ في هذه المسألة، إما أنه وقف على كلام العلماء مع أدلتهم في بيان خطأه، أو ما شابه ذلك، أو لأمر آخر. فالحاصل أنه قد ثبت عنده أنه أخطأ. قال: «ولكن من علم أن هذا أخطأ»، أي المتبوع أخطأ، علم ذلك التابع أن متبوعه أخطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطأه، وعدل عن قول الرسول. قال: «فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله». وقوله: «له نصيب فيه» إلماحة إلى أنه وقع في شيء من الشرك، وقع في شيء من الشرك، أي من الشرك الأصغر، لأنه قدم هواه على أمر الله وحكمه، قدم هواه على أمر الله وحكمه. قال: «سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باليد واللسان»، وهذا كحال أهل البدع، وكذلك حال المتحزبين، حال أهل الأحزاب الذين يوالون ويعادون لأجل رؤسائهم، ولأفكارهم، وإن كانوا يعلمون أنها على باطل، وأنها مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء لهم نصيب من هذا الشرك، أي من الشرك الأصغر، لأنهم نصروا الباطل لأجل رؤسائهم، واتباعا للهوى، واتباعا للهوى. قال: «مع علمه بأنه مخالف للرسول»، فهذا شرك أصغر، يستحق صاحبه العقوبة عليه. قال رحمه الله: «ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق، لا يجوز له تقليد أحد في خلافه». وإنما تنازع في جواز التقليد للقادر على الاستدلال. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق»، أي عرف التابع الحق. طيب لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازع في جواز التقليد للقادر على الاستدلال. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق»، أي عرف إنسان الحق، كائنا من كان، لا يجوز تقليد أحد في خلافه أبدا، ولو كان من كان. فكل قول مردود مع قول من مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا جاء الحديث فهو مذهبك. كل قول يخالفه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على قائله. واضح. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إذا جاء أمر الله فلا إرفاق إلى غيره، فلا إرفاق إلى ماذا؟ إلى غيره. وهذا كما ترون نقل عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقبله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، نقل الاتفاق على ذلك، على أنه لا يجوز لأحد كائنا من كان إذا عرف الحق أن يعدل إلى غيره، أن يعدل إلى غيره. ولا يجوز له أن يقلد غيره مع ظهور الحق ووجوده وبيانه. وهذا لو نظرنا إلى المعنى، لأن من عرف الحق وظهر له الحق ظهورا واضحا جليا، ثم اتبع غير الحق، فهذا مقدم لهواه على حكم الله عز وجل. وقد تقدم حكم ذلك واضح أنه يكون أقل أحواله أنه واقع في الشرك الأصغر. قال: «وإنما تنازع في جواز التقليد للقادر على الاستدلال»، بمعنى أن من كان يستطيع الاجتهاد والنظر والفحص والتحقيق والتدقيق، فهل له أن يقلد غيره؟ أم ليس له أن يقلد غيره؟ هذه مسألة ذكرها علماء الأصول. والصحيح فيها أن للمجتهد أن يقلد غيره إذا احتاج إلى ذلك. واضح. أن للمجتهد أن يقلد غيره في مسألة ما أو في مسائل معينة إذا احتاج إلى ذلك، إما لأنه تصعب عليه استخراج الصواب والحق في المسألة المعينة، فيجوز له في هذه الحال أن يقلد غيره. ما ظهر له الحق في مسألة معينة واحتاج إلى العمل بتلك المسألة، هل يقلد أو لا يقلد؟ له أن يقلد عالما معينا في هذه المسألة ممن يعرف تقواه وإمامته في الدين. أو يكون نزلت به نازلة، وما استطاع لضيق الوقت أن يجتهد في استفراغ وسعه وفي تحصيل الصواب في هذه المسألة لضيق الوقت، فله أن يقلد ماذا؟ له أن يقلد غيره، وإن كان مجتهدا، وإن كان مجتهدا. هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم، والله أعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.