الدرس في شرح فتح المجيد 50، ألقاها
يشرح هذا الفصل أهمية البراءة من الشرك في تحقيق التوحيد، حيث أن محبة الله وحدها لا تكفي لدخول الإنسان في الإسلام بل يجب أن يرافقها البراءة من كل ما يعبد سوى الله. يُؤكد أن تحقيق لا إله إلا الله يتطلب نفي الآلهة المعبودة سوى الله وإثبات استحقاق العبادة لله وحده.
يفسر هذا الفصل دلالة آية البقرة على أهمية التوحيد وخطورة الشرك، موضحا أن من يحب غير الله مثل محبته لله لا يكون موحدا، وأن من صرف أنواعا من العبادة لغير الله لا تنفعه شهادة أن لا إله إلا الله. يُبين أن التوحيد يتطلب الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده.
يتناول هذا الفصل توحيد المحبة وشركها، موضحا أن التوحيد يتطلب عدم إشراك أحد مع الله في العبادة أو المحبة. من يحب الله وحده ويقدم محبته على نفسه يعتبر مخلصا، بينما من يحب معه غيره يعتبر مشركا. يُحذر من قياس حب الله بمحبة المخلوقين لبعضهم البعض.
بسم الله الرحمن الرحيم أغالي المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "فتح المجيد" قال: قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، فلم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ انتهى. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ذكر الشارح رحمه الله تعالى ها هنا كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وكلامه هذا في المسائل، في مسائل هذا الباب، قال رحمه الله: هو من الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله آية البقرة. وفي هذا إشارة إلى وجه تعلق الآية بهذا الباب، من الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نفسه، من المؤلف نفسه. ورب البيت أدرى بما فيه، فالمؤلف لكتاب التوحيد، وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، يقول: ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد، والباب عندنا باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. فيقول: وشهادة أن لا إله إلا الله، قال: آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ قال: ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، كما قال الله عز وجل في الآية: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يحبونهم كحب الله. فيقول إمام محمد بن عبد الوهاب: ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، قال: فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، يحبون الله حبا عظيما، فلم يدخلهم في الإسلام. إذن ليس العبرة في أن يحب العبد ربه جل وعلا فحسب، بل لابد من أمر زائد على ذلك، وهو البراءة والكفر بكل ما يعبد سوى الله عز وجل. لابد من البراءة، لابد من الكفر بالطاغوت، لابد من هذا في التوحيد، ومن التوحيد أن يأتي الإنسان بلا إله إلا الله كاملة، فلا إله لا معبود حق، فهذا فيه نفي الآلهة المعبودة سوى الله، وفيه معنى البراءة من كل ما عبد سوى الله، وفيه معنى الكفر بكل ما عبد من دون الله عز وجل. ﴿إِلَّا اللَّه﴾ إثبات استحقاق العبادة لله جل وعلا وحده، إذن لا إله إلا الله لابد لها من هذين أمرين: من براءة من الكفر بكل ما عبد من دون الله جل وعلا، والبراءة من كل ما عبد من دون الله عز وجل، وإثبات استحقاق العبادة لله جل وعلا وحده. فمن لم يأتي بالأول لم يأتي بالثاني، لأنه إذا لم يأتي بالأول فلم يثبت استحقاق العبادة لله جل وعلا وحده، بل أثبت استحقاق العبادة لله جل وعلا ولغيره. واضح هذا. جماعة عملاء أثبت استحقاق العبادة لله جل وعلا ولغيره، إذن هذا ما أراده الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: أن هذه الآية تفسر الباب، أن هذه الآية تفسر الباب، بمعنى أن من قال: أنا أحب الله جل وعلا حبا عظيما، وهو كذلك يحب الله جل وعلا حبا عظيما، ولكنه كذلك يحب غير الله عز وجل حبا عظيما، فهل هو موحد ومؤمن؟ الجواب لا. هل هذا يكون مؤمنا؟ هل هذا الصف من الناس يكون مؤمنا؟ الجواب لا، لماذا؟ لأنه ما أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها، ما أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها. واضح هذا. لماذا؟ لأنه ما كفر بكل ما عبد من دون الله عز وجل، وما نفى استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، وأثبتها لله عز وجل وحده، بل أثبت العبادة لله عز وجل، وأثبت العبادة لغير الله عز وجل، فلم يكن موحدا، بل كان مشركا. وهذا وجه الدلالة من هذه الآية على هذا الباب، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أندادا، نضراء وشركاء، يحبونهم أي يحبون هؤلاء الأنداد كحب الله عز وجل، يحبونهم كحب الله، أي محبة عظيمة. فهم يحبون الله، ولكنهم أشركوا في العبادة مع الله عز وجل غيره، فلم يكونوا موحدين، إذن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومع هذا أحب غير الله عز وجل مثل محبة الله عز وجل، حب عبادة، فإنه ليس بموحد. وفي هذا إشارة إلى أمر آخر، وهو أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومع هذا صرف نوعا أو أنواعا من أنواع العبادة إلى غير الله عز وجل، لم يكن موحدا، لم يكن موحدا. من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو يستغيث بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو يذبح لغير الله عز وجل، وهو يتعبد بالطواف على القبور والأضرحة، وهو إذا نذر لغير الله عز وجل، بل يسجد أو يركع لغير الله عز وجل، أو يخشى غير الله عز وجل خشية عظيمة، خشية عبادة، أو يخاف غير الله عز وجل خوف السر ونحوه. فهذا وإن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ليلا ونهارا، ما تنفعه، لماذا؟ لأنه ليس بموحد، ولم يأتي بلا إله إلا الله، ولم يعلم معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بمقتضاها، لم يعلم معنى لا إله إلا الله الذي معناها: الكفر بكل ما سوى الله، والبراءة منه، ونفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، واستحقاق وإثبات استحقاق العبادة لله عز وجل وحده. هذا هو معنى هذا الباب، تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. واضح هذا. إذن في قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فيه الإشارة إلى أن من وقع فيه من وقع منه الشرك في المحبة، فهو مشرك بالله عز وجل، وإن كان يحب الله عز وجل حبا عظيما. فكذلك من وقع منه الخوف من غير الله عز وجل خوف العبادة، وإن كان يخاف الله عز وجل، فليس بموحد، من توكل على الله عز وجل وتوكل على غيره، فليس بموحد، من عبد الله عز وجل بأنواع من العبادات، وعبد غيره أيضا، ليس بموحد. واضح هذا. لا بل من اعتقد أن غير الله عز وجل يستحق العبادة، وإن لم يعبده، وإن لم يعبده، ولكنه يعتقد أنه يستحق العبادة مع الله عز وجل، فإنه ليس بموحد، بل لابد في التوحيد من الكفر والبراءة من كل ما سوى الله من المعبودات، وإثبات استحقاق العبادة لله جل وعلا وحده. هذا هو التوحيد، وهذا هو تفسير التوحيد، وهذا ما أراده الشيخ رحمه الله تعالى من هذا الباب. وكما ترون، الشيخ رحمه الله تعالى استطرد في ذكر الآيات والأدلة على هذا المعنى، ليثبت معنى لا إله إلا الله، ومتى يكون الإنسان من أهل لا إله إلا الله، ومتى لا يكون من أهل لا إله إلا الله، وإن كان ينطق بلا إله إلا الله ليلا ونهارا. قال رحمه الله تعالى: ففي الآية بيان أن من أشرك مع الله غيره في المحبة، فقد جعله شريكا لله في العبادة، واتخذه ندا من دون الله، وأن ذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ والمراد بالظلم هنا الشرك، كقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ كما تقدم. فمن أحب الله وحده، وأحب فيه وله، فهو مخلص، ومن أحبه وأحب معه غيره، فهو مشرك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: قول الشارح رحمه الله تعالى: في الآية بيان أن من أشرك مع الله في المحبة، فقد جعله شريكا لله في العبادة، وقوله: فقد جعله شريكا لله في العبادة، وإشارة إلى أن المقصود بالمحبة هاهنا محبة العبادة. قال رحمه الله تعالى: فكلمة الإخلاص لا إله إلا الله تنفي كل شرك في أي نوع كان من أنواع العبادة، وتثبت العبادة بجميع أفرادها لله تعالى. وقد تقدم بيان أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب بالمحبة وغيرها من أنواع العبادة، فلا إله إلا الله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فتوحيد المحبوب ألا يتعدد محبوبه أي مع الله تعالى بعبادته له، وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له. قال: فهذا الحب وإن سمي عشقا، فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما. قال: ومن أحب الله وحده، وأحب فيه وله، فهو مخلص، ومن أحبه وأحب معه غيره، فهو مشرك. قال رحمه الله تعالى: ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه، وهو الكفر بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد. ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه، بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر، كان أحب إليه من نفسه. وهذه المحبة هي فوق ما يجده العشاق المحبون من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة، وتقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والإنقياد ظاهرا وباطنا. وهذا لا نظير له في محبة مخلوق، ولو كان المخلوق من كان. قال رحمه الله تعالى: ولهذا من شرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة، كان مشركا شركا لا يغفره الله. والصحيح أن معنى الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أن هؤلاء المشركين يحبون أندادهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم. قال: ومن ضرب بمحبة الأمثال التي في محبة المخلوق في محبة المخلوق للمخلوق، كالوصل والهجر والتجني بلا سبب من المحب، وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه علوا كبيرا، فهو مخطئ أقبح الخطأ وأفحشه، وهو حقيق بالإبعاد والمقت. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.