الدرس في شرح فتح المجيد 89، ألقاها
بدأ الشارح بقراءة أسئلة الباب الماضي حول الغلو في الصالحين، ثم انتقل إلى شرح باب جديد يتعلق بالتغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح. شرح معنى عبادة الله عند قبر رجل صالح وخطورة الشرك الأكبر.
تناول الشارح التحذير من عبادة الله عند قبر رجل صالح، وبين أن بناء المساجد على القبور من أعظم الوسائل إلى الشرك. استدل بحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لعن من بنى مسجدًا على قبر.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور وعبادة الصور. فسر الشيخ الإسلام الكراهة في الحديث بأنها كراهة تحريمية، حيث إن اللعن يدل على أن الفعل المذموم هو كبيرة من الكبائر.
بسم الله الرحمن الرحيم نقرأ أسئلة الباب الماضي، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. كالعادة، الأسئلة الثلاثة: السؤال الأول: علاقة الباب بكتاب التوحيد، السؤال الثاني: علاقة الباب بالذي قبله، السؤال الثالث: علاقة الأذلة بالباب، السؤال الرابع: ما معنى الغلو في الصالحين؟ الخامس: ما وجه كون كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين؟ الذي يليه في قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، ما المراد بكلمة "ها هنا"؟ وما المراد بالروح؟ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، ما المراد بالكلمة؟ وما المراد بالروح؟ الذي يليه في قول الله جل وعلا: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، في رد على اليهود والنصارى. فما وجهه؟ السؤال الذي يليه: علق على أهم خمس مسائل من المسائل المذكورة في الباب، وسيظهر فقه كل واحد. ألقِ على خمس مسائل من المسائل المذكورة في الباب. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى، قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ قال الشارح رحمه الله تعالى: أي الرجل الصالح، فإن عبادته هي الشرك الأكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، وسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر، وهو أعظم الذنوب. قال: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ معنى هذا الباب وعلاقته بكتاب التوحيد: معناه ذكر ما ورد في النصوص من التغليظ والتهديد والوعيد الشديد على من يعبد الله عند قبر رجل صالح، مع أنه لا يقصد إلا الله، ومع كونه معصية، فهو وسيلة وذريعة من أعظم الوسائل والذرائع إلى الشرك. قال المصنف رحمه الله تعالى في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «في الصحيح» أي الصحيحين، قوله: أن أم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة، سنة أربع، وقيل ثلاث. قوله: «ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم» وفي الصحيحين: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتاه ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والكنيسة: بفتح الكاف وكسر النون، معبد النصارى. قوله: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح» هذا شك من بعض رواة الحديث، هل قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أو هذا؟ قوله: «وصوروا فيه تلك الصور» الإشارة إلى ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة. قوله صلى الله عليه وسلم: «أولئك شرار الخلق عند الله» وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور، وقد لعن من فعل ذلك كما سيأتي. قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيكثر اجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم، كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل» هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ذكره المصنف رحمه الله تنبيهًا على ما وقع من شدة الفتنة بالقبور والتماثيل. قال شيخ الإسلام: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك. قال: فإن النفوس قد أشرفت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم من الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. قال: فلأجل هذه المفسدة حتم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته. قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بصلاته تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وامتهداد دين لم يأذن به الله. قال: فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. قال: فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. قال: وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. قال الشيخ الإسلام: الأولى في مثل هذا الأمر أن يحمل إطلاق الكراهة على أن المراد بها الكراهة التحريمية؛ لأن اللعن يقتضي أن يكون ذلك الفعل كبيرة من الكبائر. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.