الدرس في شرح فتح المجيد 111، ألقاها
يبدأ الشرح ببيان أهمية محبة الله تعالى وضرورة إفرادها له دون غيره، مع توضيح الفرق بين أنواع المحبة مثل محبة العبادة ومحبة الطبيعة.
يناقش المقطع معنى اتخاذ الأنداد من دون الله والمحبة الشركية التي تؤدي إلى الشرك الأكبر، ويوضح أن المشركين يشركون في العبادة لا في الربوبية أو الخلق.
يتناول المقطع تفسير الآية الكريمة "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ" ويفرق بين حب المؤمنين لله وحب المشركين لآلهتهم.
يشرح المقطع علامات محبة الله تعالى وآثارها، مثل اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وصفات قوم يحبهم الله ويحبونه، وأهمها أن يكونوا أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين.
بسم الله الرحمن الرحيم طيب، هذه أسئلة باب الاستثقاب بالأنواء، باب ما جاء في الاستثقاب بالأنواء. السؤال الأول: ما علاقة الباب بكتاب التوحيد؟ طيب، تكون أسئلة كالعادة. السؤال الثاني: ما علاقة الباب بالباب الذي قبله؟ والسؤال الثالث: ما علاقة الأدلة المذكورة في الباب بالباب؟ طيب، السؤال الرابع: ما معنى الاستثقاب بالأنواء؟ والخامس: كم حالات الناس أو أحوال الناس بالاستثقاب بالأنواء؟ الذي يليه: هل يجوز الاستدلال بالنجوم كعلامات لوقت نزول الأمطار؟ الذي يليه: في حديث أبي مالك في قوله: «أربع من أمور الجاهلية»، وضح معنى هذا الحديث. وفي حديث زيد بن خالد الجوهري: السؤال الذي يليه: فيه «أصبح من عباد مؤمن وكافر»، الكفر ها هنا هل هو الأكبر أو الأصغر؟ طيب، بسم الله، ندخل في الباب الذي يليه بإذن الله عنه. بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: لما كانت محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب الحياة بكمالها يكمل، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، نبه المصنف على ذلك بهذه الترجمة. وبسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن آله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فأولا: قول الشيخ رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. هذا الباب، والأبواب التي بعده -كما ذكر بعض الشراح- أنه شروع من الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذكر العبادات القلبية. شروع من في ذكر العبادات القلبية، وما يجب من أن تكون تلك العبادات لله جل وعلا، فهذا في ذكر واجبات التوحيد ومكملاته. ذكر هذا الباب، والأبواب الآتية في ذكر واجبات توحيد ومكملاته، وبعض العبادات القلبية، وكيف يكون إفرادها، أو كيف يكون إفراد الله جل وعلا بها. كيف يكون إفراد الله جل وعلا بتلك العبادات القلبية، وابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى بباب المحبة، وأن العبد يجب أن يكون الله جل وعلا أحب إليه من كل شيء، حتى من نفسه. وهذه المحبة المراد منها محبة العبادة، وهي المحبة التي فيها تعلق القلب بالمحبوب، بما يكون معه امتثال الأمر، رغبة واختيارا. فمحبة العبادة هي محبة القلب التي يكون معها الرغب والرهب، ويكون معها الطاعة، ويكون معها الطاعة. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المحبة المتعلقة بالله تعالى ثلاثة أنواع. المحبة المتعلقة بالله تعالى ثلاثة أنواع: محبة الله على النحو السابق، وهي محبة العبادة، وهذه أجل المحبة، أو قل هي أجل محبة، ويجب أن لا تكون إلا لله جل وعلا. وهذه المحبة خالصة لله جل وعلا، والنوع الثاني: محبة الله ولأجل الله، كمحبة المرسلين والصالحين، وهؤلاء إنما يحبون لأجل الله، وفي الله جل وعلا. النوع الثالث: محبة مع الله، وهذه محبة المشركين لآلهتهم، فهذه المحبة من محبة العبادة، فصرف العبادة، فصرف المحبة التي هي محبة العبادة لغير الله شرك، كما أن إخلاصها لله جل وعلا توحيد. والنوع الثاني من المحبة: المحبة المتعلقة بغير الله، من جهة المحبة الطبيعية، كحب الوالد والولد والزوجة وما شابه ذلك، فهذا جائز. ومعنى المحبة الطبيعية: هي التي يجدها الإنسان طبيعة، ليس فيها معنى من معاني التأله، من التعظيم والإجلال والرغبة والرهبة والإنابة والطاعة إلى غير ذلك من المعاني. هذه محبة طبيعية مجردة، وهذه المحبة الأصل فيها أنها مباحة وجائزة، وقد يترتب عليها شيء، فتكون بحسب ما ترتب عليها. بمعنى: إن ترتب عليها محرم، فتكون تلك المحبة محرمة، مثال ذلك: أن يحب الإنسان مثلا ولده أو والده أو زوجته أو كبيرا له محبة، بحيث أنه يترك بسبب هذه المحبة بعض ما أوجب الله جل وعلا عليه. بسبب المحبة يريد أن يخرج إلى الصلاة، لكن لأجل تعلق قلبه بمحبوبه لا يخرج إلى الصلوات، لا يخرج إلى الطاعات، لأجل ماذا؟ لأجل محبوبه. هذه المحبة، وإن كان أصلها مباحا، لكن بسبب ما تعلقت به تصير محرمة، تصير ماذا؟ محرمة. فهذه من المحبة المحرمة، لماذا؟ لأنها ترتب عليها محرم، إما لفعل محرم، وإما لترك ماذا؟ لترك واجب. إما لفعل محرم، أو لترك واجب، واضح هذا؟ جماعة، وقد ترتقي عند بعض الناس ممن لا خلاق له في الدنيا ولا في الآخرة، فتكون تلك المحبة سببا لكفره، والعياذ بالله. كأن يطلب منه محبوبه لأجل أن يصل إليه أن يفعل شيئا من الكفر، أن يفعل شيئا من الكفر. فإن كان كذلك، فإن كان كذلك، فإنه يكون ماذا؟ يكون كافرا بذلك. قال الشارح رحمه الله تعالى: لما كانت محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاه، فبكمالها يكمل، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، نبه المصنف على ذلك بهذه الترجمة. وفي هذا إشارة إلى أن الباعث للعبد على عبادة ربه جل وعلا، والمحفز للعبد على طاعة ربه جل وعلا إنما هو محبة القلب. القلب كلما امتلأ حبا لله، وتعظيما لله، وشوقا لله، كلما كان أكثر مسارعة إلى طاعة الله جل وعلا، وتعظيمه وإجلاله، وإلى عبادة الله جل وعلا وحده. فإذن، الحافز والمنشط والدافع للعبد على عبادة ربه جل وعلا: المحبة، ولكن أي محبة؟ المحبة المصحوبة بماذا؟ بالتعظيم والإجلال والخوف والرغبة والرهبة. لا بد أن تكون كذلك، وهي الملقبة بمحبة العبادة، وهي الملقبة بمحبة العبادة، التي متى ملئ القلب منها، ملئ القلب حبا وشوقا ورجاء وقربا من الله جل وعلا. وكان ذلك العبد حيث أراد الله جل وعلا منه أن يكون، فلا يكون إلا حيث أراد منه ربه جل وعلا أن يكون، فلا يراه إلا في مكان يحب ربه جل وعلا أن يكون. فالحاصل من هذا: أن هذه العبادة التي هي عبادة المحبة القلبية، التي مشربة بالتعظيم والإجلال والخوف والرغبة والرهبة، هذه محبة عبادة، وهي من أعظم العبادة القلبية. من أعظم العبادة القلبية التي لا يقول صرفها لغير الله جل وعلا، لا لنبي مرسل، ولا لملك مقرب. قد يقول قائل: نبينا صلى الله عليه وسلم هل يجوز أن نحبه لذاته؟ هل يجوز أن نحب نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق على الله جل وعلا، هل يجوز أن نحبه لذاته؟ الجواب: معنى أن نحبه لذاته، أي حب عبادة، هذا لا يجوز، لا يجوز إلا لمن؟ إلا لله جل وعلا. محبة العبادة لا تجوز لأحد، لا لنبي مرسل، ولا لملك مقرب، إنما هي محض حق الله جل وعلا، لا يجوز فيها التشريك. فالنبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأنبياء، وجبريل عليه السلام، وغيره من الملائكة، إنما يحبون لله جل وعلا، وفي الله. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ الآية. قال في شرح المنازل: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا، فهو ند في المحبة، لا في الخلق والربوبية. فإن أحدا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذ من دون الله أندادا في الحب والتعظيم. قوله رحمه الله تعالى: قال في شرح المنازل، والمراد بقوله: قال، أي قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل، أي في كتابه المسمى بمدارج السالكين في شرح منازل السائرين. قال رحمه الله تعالى: أخبر تعالى -وهو يشرح هذه الآية- أي قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. قال رحمه الله: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى، أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى. تأمل إلى قوله رحمه الله تعالى: كما يحب الله تعالى، أي مثل ما يحب الله تعالى، والمحبة ها هنا هل هي من قسم المحبة الطبيعية، أو من قسم محبة العبادة؟ هيا يا جماعة، تأملوا إلى قول ابن القيم رحمه الله: إن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى، هذا من قسم المحبة المتعلقة بالله، والتي هي محبة العبادة، والتي هي محبة العبادة. فمن أحب غير الله جل وعلا محبة عبادة، من أحب غير الله جل وعلا محبة عبادة كحب الله جل وعلا، فإنه قد وقع في ماذا؟ وقع في الشرك الأكبر. لذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا. وقد تقدم معنى أن معنى النظير المساوي، أي اتخذ مع الله جل وعلا نظيرا، جعل الله جل وعلا نظراء، وجعل الله جل وعلا ماذا؟ أمثالا. وجعل الله جل وعلا ماذا؟ وجعل الله عز وجل مساوين، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال رحمه الله: فهذا ند في المحبة، أي هذا شريك، وهذا نظير، وهذا مساوي لله جل وعلا في ماذا؟ في المحبة، أي في محبة العبادة. إذن، وقع الشرك من أولئك في ماذا؟ في حب العبادة، وقع الشرك من المشركين في -كما في هذه الآية- في ماذا؟ في حب العبادة. فهم صرفوا العبادة لغير الله جل وعلا، صرفوا المحبة التي هي عبادة خالصة لله جل وعلا، صرفوها إلى غير الله جل وعلا، وجعلوا مع الله جل وعلا أندادا ونظراء. قال: فهذا ند في المحبة، لا في الخلق والربوبية، فهذا ند، أي نظير، أي هذا الشرك الذي وقع منهم إنما هو الشرك في ماذا؟ في المحبة، أي في العبادة. واضح جماعة؟ أم لا؟ وقع منهم الشرك في ماذا؟ في المحبة، أي في العبادة، لم يقع منهم الشرك في ماذا؟ في الربوبية، ولا في الخلق. هذا التقرير، وقد تقدم معنا مرارا: أن شرك الأولين إنما كان في ماذا؟ في توحيد الربوبية، أم في توحيد الألوهية؟ في توحيد الألوهية. واضح جماعة؟ إذا قال ابن القيم رحمه الله: فإن أحدا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، أي لا في الخلق والربوبية. قال: فإن أحدا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، أي لا يثبت لله جل وعلا ندا، أي نظيرا مساويا في الربوبية، وفي الخلق. بل كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَهُمْ لَا يُشْرِكُونَ فِي مَاذَا﴾؟ في الخلق، ﴿وَلَا يُشْرِكُونَ فِي مَاذَا﴾؟ في الربوبية. وإنما يشركون في العبادة. ولعل هذا السبب، وهذه المناسبة التي لأجلها ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الباب بعد الأبواب قبله، الأبواب التي قبله: باب الاستثقاب بالأنواء، وغيرها؛ لأن فيها معنى من معاني الالتفاتة، معنى من معاني الالتفاتة إلى غير الله جل وعلا. وليتكن هذا الالتفاتة إلا عن ماذا؟ عن محبة وتعظيم ورجاء وطمع، واضح جماعة؟ فلعل الشيخ رحمه الله تعالى نظر إلى هذا المعنى، والشيخ رحمه الله تعالى -كما تعلمون- ومر معنا مرارا: وهبه الله جل وعلا دقة في هذه الأبواب، دقة في هذه الأبواب، وفي ترابطها، وفي انسجامها. فلعله رحمه الله تعالى لحظ هذا المعنى: أن كل من عبد غير الله جل وعلا، فإنه نظر إلى غير الله جل وعلا بهذا المعنى، نظر إليه نظرة محبة وإجلال وتعظيم. نظرة محبة وإجلال وتعظيم، واضح جماعة؟ قد يقول قائل: تقدم معنا في الأبواب الماضية، في أبواب التنجيم والاستسقاء ونحوها: أن المشركين يعتقدون نوع تأثير في النجوم، نوع تأثير في النجوم، أنها هي التي تنزل المطر بذاتها. وهذا حقيقة، وهذا حقيقته ماذا؟ في توحيد الربوبية، لا في توحيد الألوهية، واضح هذا جماعة؟ التأثير داخل في توحيد الربوبية، أو توحيد الألوهية؟ داخل في توحيد الربوبية، واضح جماعة؟ فكيف يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فإن أحدا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، أي لا في الخلق، ولا في الربوبية؟ واضح جماعة؟ فالجواب -كما تقدم معنا مرارا- أن هذا هو الأصل، أن هذا هو الأصل، وأن كل مخلوق بفطرته يقر بربه جل وعلا. كل مخلوق بفطرته يقر بربه جل وعلا: بأنه هو الخالق، وهو المدبر، وهو الذي بيده الأمر، وهو الذي بيده النفع والضر. ولكنهم ربما اعتقدوا في بعض المخلوقات شيئا من التأثير، شيئا من التأثير. وتأمل إلى الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: أن المشركين كانوا يقولون في تلبية ماذا؟ «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك». واضح جماعة؟ أي: إن اعتقدوا في ذلك الشريك أن له تأثيرا، فيعتقدون أن الله جل وعلا هو الذي أمده بذلك التأثير، وأن الله جل وعلا إنما بيده الأمر كله. فشاهد من هذا: أن هذا المعنى موجود، أن هذا المعنى موجود، أي: اعتقاد شيء من النفع والضر، أو اعتقاد شيء من التأثير، وهو من أفراد الربوبية. ولكن اعتقاد أن ربا غير الله لا يقول به أحد، اعتقاد أن خارقا غير الله لا يقول به أحد، كما تقدم، أو على تفصيل عند أهل العلم في التنويع، من المجوس الذين يقولون بالإلهين: إله الظلم وإله النور. قال رحمه الله: ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وفي تقدير الآية قولان. أحدهما: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله. ورواه ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مباهاتا ومضاهاتا للحق بالأنداد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ من الكفار لأوثانهم. ثم رواه عن ابن زيد قال: هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ من حبهم آلهتهم. طيب، انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، كلام ابن القيم رحمه الله تعالى ها هنا، يبين أن العلماء سلفا وخلفا في تفسير هذه الآية على قولين، في قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. القول الأول: أن معنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ من أصحاب الأنداد، أندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله. في قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله. لماذا؟ لأن الله جل وعلا هو الإله الحق، الله جل وعلا هو الإله الحق، بخلاف غيره، بخلاف غيره، فإنهم وإن عبدوه، وإن آلهتهم وإن تعبدوا من دون الله جل وعلا، فإنهم يعتقدون فيه النقص. لذا كان من المشركين من يعبد إلها في الصباح، ويعبد إلها آخر إذا أمسى، ومنهم من يصنع إلهه من التمر، فإذا جاء أكل ذلك الإله، أكل ذلك الإله. فهل يدل على ماذا؟ هل يدل على غاية المحبة والتعظيم، كمحبة المؤمنين ربهم جل وعلا؟ الجواب ماذا؟ الجواب: لا. وذلك لأن الله جل وعلا محبة حق، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، ففي قرار أنفسهم يقرون بأن ذلك الإله لا ينفع ولا يضر. ولكن الشيطان سول لهم، وأملى لهم. فالحاصل: أن هذا التفسير الأول لهذه الآية، وقد ذكر الإمام ابن القيم هذا القول عن مجاهد رحمه الله تعالى، وأثر مجاهد رواه ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره، في المجلد الثالث، صفحة سبعين ومائتين، بإسنادين إلى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وإسناده حسن. وإسناد الآخر في قوله: ثم رواه عن ابن زيد، كذلك رواه ابن جرير، في المجلد الثالث، صفحة ثمانين ومائتين، ورجاله ثقات. وابن زيد -عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- فقير ومفسر، إلا أنه يضع في الحديث، ولا يضر هذا هنا؛ لأنه قول مسند إليه. قال رحمه الله تعالى: والثاني: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، مبني على ماذا؟ على أول الآية، أول الآية: قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. الكافة ها هنا: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، هل معنى أنهم يحبونهم كما يحبون الله، فيحبون آلهتهم كما يحبون الله؟ أم أن المعنى: بأنهم يحبون آلهتهم كما يحب المؤمنون الله؟ واضح جماعة؟ لا، قولان، لأهل العلم، الأول: أنهم يحبون آلهتهم كحب الله، القول الثاني: يحبون آلهتهم كمحبة المؤمنين لله، كمحبة المؤمنين لله. وعلى كلا القولين وقعوا في ماذا؟ وقعوا في الشرك بالله جل وعلا، في المحبة، وقعوا في الشرك في الله جل وعلا بالمحبة. سواء جعلوا المحبة لآلهتهم كلها، أو جعلوا المحبة قسمة لآلهتهم، وقسمة لله جل وعلا، فالكل شرك بالله جل وعلا. قال الشارح رحمه الله: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرجح القول الأول، ويقول: إنما ذموا بأن شركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله، كمحبة المؤمنين له. يعني: شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: إن المشركين يحبون الله، محبة الله موجودة في قلوبهم، لكن ماذا؟ وقع في قلوبهم محبة غير الله، كمحبة الله. وقع في قلوبهم محبة غير الله، كمحبة الله جل وعلا، فذمهم الله جل وعلا على هذه المحبة، فيكون في الآية على هذا التفسير دليل على أن من أحب الله جل وعلا، وأحب غير الله جل وعلا محبة عبادة، أنه يكون مشركا. ولا يكون من الناجين، بوجود هذه المحبة؛ إذ أن المشركين الأول كانوا كذلك، يحبون الله جل وعلا محبة عبادة، ولكنهم كذلك أشركوا في هذه المحبة مع الله جل وعلا غيره. فمن جاء من القبوريين، فقال: أنا أحب الله، وأعبد الله، وأسجد لله، وأصلي لله، وأصوم لله، وأعظم الله، ولكن أحب سيد فلان، أتقرب إليه بالطواف، أتقرب إليه بالذبح والنذر، إلى غير ذلك من العبادات. فنقوله: قد وقعت فيما وقع فيه المشركون الأول، فالمشركون الأول قد كانوا يحبون الله جل وعلا، وكذلك يحبون آلهتهم كحب الله جل وعلا. فكان هذا سببا لشركهم، وذمهم، وجعلهم مع الله جل وعلا أندادا. واضح هذا جماعة؟ لماذا؟ لأن حقيقة الشرك ما هو؟ تسوية غير الله جل وعلا بالله، بشيء من خصائصه، أو قل: بشيء من ماذا؟ من حقوق الله. بشيء من حقوق الله جل وعلا، وأعظم حقوق الله ما هو؟ العبادة، يا معاذ، النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- من حديث معاذ، قال: «أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حق الله على العباد أن يعبدوه، فلا يشركوا به شيئا»، هذا حق الله خالص، حق الله جل وعلا خالص، لا يقبل فيه ماذا؟ التشريك. قال رحمه الله: وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم -وهم في النار- أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم، وهي محضرة معهم في العذاب: ﴿إِنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا دليل يدل على ما تقدم من أن حقيقة الشرك: تسوية غير الله جل وعلا بالله، واضحة جماعة؟ حقيقة الشرك: تسوية غير الله جل وعلا بالله، كما قال الله جل وعلا عن أولئك المشركين الذين في النار: ﴿إِنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال رحمه الله: ومعلوم أنهم ما سووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم، المحبة والتعظيم. هذا معنى المحبة التي هي محبة العبادة، واضحة جماعة؟ محبة العبادة مشربة بماذا؟ مشربة بالتعظيم والإجلال والخوف والرجاء. مشربة بهذه المعاني؛ لأن حقيقة العبادة ما هي؟ حقيقة العبادة: الذي يدور عليها فلك العبادة، كما قال إمام بن القيم رحمه الله تعالى: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطباه». فحقيقة العبادة، وقطبا العبادة يدور على ماذا؟ على غاية المحبة، مع غاية ماذا؟ مع غاية الذل، مع غاية الذل. وهذا هو حقيقة محبة العبادة، واضحة جماعة؟ قال: وقال تعالى -يعني هم الذين كفروا بربهم يعدلون- كما ذكر: يعدلون به غيره في العبادة، التي هي المحبة والتعظيم. قال: وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وهذه تسمى آية المحنة. قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله عز وجل آية المحنة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. إشارة إلى دليل المحبة، وثمرتها، وفائدتها، ودليلها، وعلامتها: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدتها، وثمرتها: محبة المرسل لكم، محبة المرسل لكم. محبة المرسل لكم، أي: محبة الله، محبة المرسل لكم، المرسل، وثمرتها، وفائدتها: محبة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة، فلا محبة له حاصلة، ومحبته لكم منتفية. يعني: في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، كما ذكر رحمه الله: إشارة إلى دليل المحبة. قد يقول قائل: أنا أحب الله، قد يقول قائل، ويدعم الدليل أنه يحب الله، فالله جل وعلا يقول: «قل»، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قل إن كنتم تحبون الله فماذا؟ فاتبعوني». فاتبعوني يحببكم الله، قال الشارح رحمه الله تعالى: إشارة إلى دليل المحبة، وثمرتها، وفائدتها. قال: فدليلها، وعلامتها ما هو؟ دليل المحبة؟ أنت تقول: إنك تحب الله، ما الدليل على أنك تحب الله؟ وما هي العلامة التي ظهرت منك دلالة على أنك تحب الله جل وعلا؟ العلامة، والدليل: اتباع الرسول، اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، إن كنت متبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنت ماذا؟ فأنت حقا محبا لله جل وعلا. لماذا؟ لأنك ممتثلا لأمر الله جل وعلا، في طاعة الرسول، وفي اتباعه. قالوا: فائدتها، وثمرتها ما هي؟ الثمرة في اتباع الرسول؟ قال: محبة المرسل لكم، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ماذا؟ يحصل؟ يحببكم الله. واضح جماعة؟ فاتبعوني يحببكم الله، فإذا اتبعتم الرسول، حصلت لكم الثمرة، وحصل لكم الفائدة، ما هي الثمرة؟ وما هي الفائدة؟ محبة ماذا؟ محبة الله جل وعلا لكم. قال رحمه الله: قال: فما لم تحصل المتابعة، أي: متى لم تحصل المتابعة؟ قال: فلا محبة له، أي: لله جل وعلا حاصلة على ذلك العبد. قال: ومحبته، أي: الله جل وعلا لكم منتفية، واضح جماعة؟ إذن، محبة الله جل وعلا من أسبابها ما؟ متابعة الرسول، وطاعة الرسول، والتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ظاهرا وباطنا. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. قال: ذكر لهم أربع علامات.