الدرس في شرح فتح المجيد 119، ألقاها
يشرح أهمية الصبر على أقدار الله وأنه من الإيمان الواجب، ويبين أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان. كما يذكر بعض الأحاديث النبوية التي تدل على فضل الصبر.
يتناول شرحًا لأقسام الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة. كما يذكر فضائل الصبر ويشرح الآية الكريمة المتعلقة به.
يشرح أحاديث نبوية تتعلق بالصبر والرضا بقضاء الله، ويبين أن الرضا والتسليم من أعمال القلب التي تدخل في مسمى الإيمان. كما يتطرق إلى بعض الأعمال الجاهلية ويوضح الفرق بين أنواع الكفر.
يتناول تخريج حديث معين حيث أشار إلى روايته من قبل الترمذي والحاكم، وأخرجه كل من الطبراني والحاكم عن عبد الله بن مغفل، مع الإشارة إلى أن الحديث حسن أو صحيح بشواهده.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا المصنف رحمه الله تعالى باب من الإيمان بالله والصبر على أقدار الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، بواب الشيخ رحمه الله تعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب ظفر الله له بهذا الباب، باب من الإيمان الصبر على أقدار الله. وأراد رحمه الله تعالى بهذا الباب بيان وجوب الصبر على أقدار الله وبيان فضله وتحريم ضده، وتحريم ضده المنقص لكمال التوحيد. هذا الكتاب كما مر معنا أكثر من مرة أن الشيخ رحمه الله تعالى صنفه لبيان التوحيد ومكملاته، وكذلك لبيان الشرك ومنقصات التوحيد. فالشيخ رحمه الله تعالى بوب بهذا الباب لهذا المعنى. والشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا المعنى باب الصبر على أقدار الله جل وعلا ليبين أنها من الإيمان الواجب، أن يؤمن العبد بأقدار الله جل وعلا، وكذلك من الواجب عليه أن يصبر على أقدار الله جل وعلا. فالصبر على الأقدار المؤلمة من واجبات الإيمان، والإيمان بالقضاء والقدر من حيث هو معلوم ركن من أركان الإيمان. وعلاقة الباب بالباب الذي قبله والله أعلى وأعلم أن الشيخ رحمه الله تعالى عندما ذكر في الباب الذي قبله الكلام على مسألة الأمن من مكر الله، وكذلك مسألة القنوط من رحمة الله، وهذا كما هو ظاهر منافي للصبر، سواء كان على طاعة الله أو صبر عن معصية الله أو صبر على أقدار الله المؤلمة. فظهر بهذا والله أعلى وأعلم مناسبة بين الباب والباب. قال رحمه الله: قال الشارح رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من كتابه. وذكر الله جل وعلا للصبر كما ذكر الإمام أحمد في تسعين موضعا يدل على أهمية الصبر في الإسلام وعلى مكان الصبر في الإسلام. وسيأتي لهذا مزيد. قال رحمه الله: وفي الحديث الصحيح: «الصبر ضياء» رواه أحمد ومسلم. والحديث كما ذكره عند مسلم، ورواه كما ذكر غيره، وكذلك رواه الإمام النسائي. وما في النسائي الصح رواه كذلك الإمام النسائي، وسند الإمام النسائي الصح مما فيه صحيح مسلم. والحاصل أن الحديث صحيح. قال رحمه الله: وللبخاري ومسلم مرفوعا: «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر». وهذا كذلك متفق عليه، مما ذكر من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. قال عمر: «وجدنا خير عيشنا بالصبر» رواه البخاري. وقال علي: «إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له». وهذا الأثر عن علي رضي الله عنه وأرضاه أخرجه ابن أبي شيبة كما في كتاب الإيمان، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان بسند جيد إلى عكرمة قال: قال علي ابن أبي طالب فذكره. وعكرمة لم يسمع من علي فيما قاله الإمام أبو زرعة الرازي. ورواه البيهقي أيضا في الشعب من طريق أبي إسحاق وهو السبيعي عن علي، وهو كذلك لم يسمع منه. ورواه أيضا ابن الكائي رحمه الله في شرح وصول اعتقاد أهل السنة من طريق ميمون بن مهران عن علي، وميمون بن مهران لم يسمع من علي. قال رحمه الله: فضل الصبر واشتقاقه من صبر إذا حبس ومنع. والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم القدود وشق الجيوب ونحوهما. ذكره ابن القيم في مدارج السالكين في المجلد الثاني صفحة 56 و100. وكما ترون ذكر الشيخ رحمه الله تعالى الشارح رحمه الله تعالى ها هنا جملة من فضائل الصبر. الأول حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وأرضاه الذي في صحيح مسلم، وكما ذكرنا أنه كذلك رواه النسائي وإسناد النسائي صحيح. وإسناد مسلم مختلف فيه، ومنهم من حكم أن فيه انقطاعا. لكن كما سمعتم جاء موصولا عند النسائي بسند صحيح. قال رحمه الله: وعلم أن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى عنه، وصبر على ما قدره الله من المصائب. وهذا كما ذكرنا أن العلماء يقولون: الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وبعضهم يعبّر عنه بالصبر على طاعة الله. ومعنى هذا أن العبد إذا أمره الله جل وعلا بأوامر، هذه الأوامر قد تكون فيها نوع مشقة بالنسبة للعبد، ولكن العبد إذا عملها وقام بهذا الأمر وامتثل هذا الأمر وجد الثواب العظيم. ولا يكون ذلك إلا بالصبر على طاعة الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال الشارح رحمه الله: وأول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: بأمر الله، يعني عن قدره ومشيئته. أي بمشيئته وإرادته وحكمته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. قال رحمه الله: قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي: من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب، جازاه الله بهدايته قلبه. جازاه الله بهدايته قلبه، التي هي أصل كل سعادة وخير في الدنيا والآخرة. وقد يخلف الله عليه في الدنيا ما كان أخذه أو خيرا منه. قال المصنف رحمه الله تعالى: قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. قال الشارح رحمه الله: هذا الأثر رواه ابن جريج وابن أبي حاتم. طيب رواه ابن جريج رحمه الله تعالى كما في تفسيره، وإسناده حسن. وخرجه الحافظ في تغليق التعليق من طريق عبد بن حميد، ومن طريق كذلك الفربر في تفسيره عن سفيان الثوري بإسناد صحيح. قال رحمه الله: وفي هذا دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان. وهذا واضح في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. الرضا من أعمال القلب، والتسليم من أعمال القلب. فدل على أن أعمال القلب داخل في مسمى الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت». قال الشارح رحمه الله: أي هما بالناس كفر، حيث كانتا من الأعمال الجاهلية، وهما قائمتان بالناس. ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله ورزقه علما وإيمانا يستضيء به. ولكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا الكفر المطلق. قال رحمه الله: وفرق بين الكفر المعرف بالله كما في قوله: «ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة»، وبين كفر منكر في الإثبات. هذه قاعدة ذكرها الإمام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، وهي التفريق بين الكفر المعرف والكفر المنكر. قال رحمه الله: قوله: «الطعن في النسب» أي عيبه. ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه شرعا. قال رحمه الله: قوله: «والنياحة على الميت» أي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائله، لما فيه من التسخط على القدر المنافر للصبر. كقول نائحة: «عضوضة» و«ناصرة» ونحو ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة جاهلية». قال الشارح رحمه الله: هذا من نصوص الوعيد. وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهية تأويلها، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة». قال الشارح رحمه الله: هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم وحسنه الترمذي، وأخرجه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن مغفل، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة، والطبراني عن عمار بن ياسر. والحديث إما حسن بشواهده أو صحيح بشواهده.