الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 17، ألقاها
يشرح المقطع أهمية تفسير الداعي لمعنى لا إله إلا الله وشروطها وواجباتها ونواقضها. كما يوضح أن العطف في عنوان الباب بين التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو من باب عطف الدال على المدلول.
يشرح المقطع معنى الآية الكريمة ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾ ويبين دلالتها على التوحيد. كما يشير إلى أن الصالحين يتبرأون يوم القيامة من عبادة غير الله.
التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بما يحبه ويرضاه، ومن أنواعه التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته، وبالتوسل بالعمل الصالح الخالص لله. كما يحذر من التوسل الممنوع مثل الشرك بالله ودعاء غير الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: قوله: «باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله» أولًا، قوله: «باب التفسير» أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: «باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله» أولًا. مناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ لأن فيه معنى التوحيد وتفسير التوحيد الذي دعت إليه الرسل. الأمر الثاني: مناسبة هذا الباب للباب قبله كذلك ظاهرة؛ وذلك أن الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لما ذكر في الباب الذي قبل هذا «باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله»، احتيج إلى معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وإلى تفسير معنى لا إله إلا الله، وإلى توضيح معنى لا إله إلا الله. ومنهم يُعلم علاقة الباب بالباب قبله، وهو أن الداعي إلى التوحيد -إلى توحيد الله جل وعلا- إلى دعوة الرسل، أنه ينبغي له أن يكون عالما بما يدعو إليه، وأن الداعي إلى التوحيد لا يكفي بأن يعلم الناس التوحيد تعليمًا عامًا، فيقول لهم: «قل لا إله إلا الله» فقط، دون أن يبين لهم معنى لا إله إلا الله، ويبين لهم شروط لا إله إلا الله، وواجبات لا إله إلا الله، وقوادح ونواقض لا إله إلا الله، وكذلك يبين لهم ما يحتاجون إليه من واجبات التوحيد، وما ينقص به التوحيد، إلى غير ذلك. وإلى هذا المعنى أشار الله جل وعلا، بل بيّن الله جل وعلا ووضح في دعوة الرسل، كما مر معنا في الآية الأولى في الباب قبل ذلك، قول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، ومر معنا كذلك ما جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، وفيه: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله»، ثم قال: «فإنهم أطاعوا لك بذارك، فأخبرهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات» الحديث. وفيه جاء في بعض روايات الحديث: «فإنهم أطاعوا لك بذارك، فأخبرهم بما أوجب الله جل وعلا عليهم»، فمنه نعلم أن الداعي إلى الله جل وعلا لابد له أن يفسر للمدعو ما يحتاج إليه من معنى لا إله إلا الله، وما دلت عليه لا إله إلا الله، ومقتضيات لا إله إلا الله، ولوازم لا إله إلا الله، وما هو الناقض للا إله إلا الله، والقادح فيها. ولا نقول كما يقول بعض الدعاة من أهل الضلالة: أن تعليم لا إله إلا الله وتفسير لا إله إلا الله بالتفسير الذي دعت إليه الرسل، سبب لتنفير الناس عن الدعوة إلى الله، أي دعوة لا تكون موافقة لدعوة الرسل، ومبثقة مما جاء به الرسل، فإنها دعوة ليس فيها خير، بل كل الخير بما جاء به الرسل، وما دعت إليه الرسل، والطرق التي سلكها الرسل في الدعوة إلى الله جل وعلى. فالحاصل من هذا أن قوله -رحمه الله تعالى-: «باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله»، له علاقة وثيقة واضحة مع الباب قبله. وقوله -رحمه الله تعالى-: «و» شهادة أن لا إله إلا الله «من باب عطف الدال على المدلول»، وهو من باب عطف الشيء على مرادفه؛ لأن التوحيد هو لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله هي التوحيد الذي دعت إليه الرسل. قال: «وقوله: وشهادة أن لا إله إلا الله من عطف الدال الذي هو لا إله إلا الله على المدلول الذي هو التوحيد؛ لأن التوحيد هو معنى هذه الكلمة العظيمة»، إذا قيل: ما معنى لا إله إلا الله؟ معناها التوحيد، وإذا قيل: ما معنى التوحيد؟ التوحيد هو أن يشهد الإنسان أنه لا إله إلا الله، أن يقر بلسانه ويقر بقلبه ويعمل بمقتضى ذلك القول والإقرار. فإذا هو من باب عطف الدال على المدلول. قد يقول قائل: فإذا كان هذا العطف من باب عطف الشيء على مرادفه، فما الفائدة منه؟ فالجواب: أن فيه زيادة معنى وتأكيدًا لهذا الأمر، وزيادة في توضيح هذا المعنى وتأكيدًا لهذا الأمر. قوله -رحمه الله تعالى-: «و» شهادة أن لا إله إلا الله «من عطف الدال على المدلول؛ لأن التوحيد هو معنى هذه الكلمة العظيمة»، وذلك يتبين بما ساقه من الآيات والحديث، مما فيها من زيادة البيان، وكشف ما أشكل من ذلك، وإقامة الحجة على من غالط في معنى لا إله إلا الله من أهل الجهل والإلحاد، وبعض أهل العلم. ذكر مناسبة أخرى لكون الشيخ -رحمه الله تعالى- ذكر هذا الباب هاهنا بعد الأبواب السابقة، مع أن هذا الباب قد تناولته الأبواب السابقة، أي معنى لا إله إلا الله وتفسير لا إله إلا الله. قال: «والفائدة من ذلك أنه بعد أن ذكر ما ذكر من الأبواب، وفيها بيان هذا المعنى مجملًا، أي ذكر ما هو التوحيد، وذكر حقيقة التوحيد، وذكر فضل التوحيد، والخوف من الشرك، ثم الدعوة إلى التوحيد، فكأن القائل يقول: فما هو التوحيد الذي هذه حقوقه؟ وما هو التوحيد الذي هذه فضائله؟ وما هو هذا التوحيد الذي يجب أن نخاف لأجله من الوقوع في الشرك؟ وما هو هذا التوحيد الذي ندعو إليه؟». فجاء الباب هاهنا بعد أن تشوفت النفوس للبحث عن المعنى، أي معنى التوحيد ولا إله إلا الله، فناسب ذكر هذا الباب هاهنا بعد الأبواب السابقة. قوله -رحمه الله تعالى-: «قال لما فيها من زيادة البيان»، أي أن هذا الباب ذكر هاهنا أيضًا لما فيه من زيادة البيان على الأبواب السابقة، وكشف ما أشكل من ذلك على ما تقدم كذلك في الأبواب السابقة، وإقامة الحجة على من غالط في معنى لا إله إلا الله من أهل الجهل والإلحاد، ممن زعم أنهم مسلمون وأنهم وحدوا الله؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، وإن أتى بما يناقضها ليلًا ونهارًا، وإن عبد من دون الله جل وعلا القبور والأضرحة، أي عبد أصحاب القبور والأضرحة، وغلا في عبادتهم، وصرف لهم أنواعًا من القرب والعبادات المختصة بالله رب العالمين جل وعلا، ومع هذا يزعم بأنهم وحدوا الله؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله. فكأن الشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: لا إله إلا الله لا تنفع أن يقولها الإنسان بلسانه وهو لا يعلم معناها، ولا ما دلت عليه، ولا يعرف كذلك ما ينقضها وما يخالفها، كما هو حال كثير من المشركين. بل لا بد من أن يعلم معنى لا إله إلا الله، قال الله جل وعلا: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، لا بد من العلم بها، وما دلت عليه، وما هي واجباتها، ومقتضياتها، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره فيما مضى. قوله -رحمه الله تعالى-: «وقول الله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾»، كما تقدم معنا مرارًا أنهم أعطوه على الباب في قوله: «باب»، وقول الله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، قال -رحمه الله تعالى-: أي أولئك الذين يدعوهم أهل الشرك ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله، من الملائكة والأنبياء والصالحين، كالمسيح وأمه والعزير. فهؤلاء دينهم التوحيد، وهو بخلاف دين من دعاهم من دون الله، ووصفهم بقوله: ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له، وطاعته فيما أمر، وترك ما نهاهم عنه. أي أن هذه الآية التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ضمن هذا الباب، وهي قول الله جل وعلا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، يقول -رحمه الله تعالى-: بأن هؤلاء الذين يدعون، هؤلاء الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي أن ناسًا من المشركين يدعون من دون الله جل وعلا المسيح ابن مريم، وهو رسول من أولي العزم، ويدعون أمته، وهي امرأة صالحة، ويدعون كذلك العزير، وهو رجل صالح أيضًا. وهؤلاء المدعوون برآؤون من هذه الدعوة، ومن هذه الدعوة بأنهم يستحقون العبادة مع الله جل وعلا، بل هم يتقربون إلى الله جل وعلا بأنواع القرب والوسائل التي توصلهم إلى ربهم جل وعلا. فكما ذكر الشارح -رحمه الله تعالى-: أن هؤلاء يعبدون هؤلاء الصالحين، يعبدون عيسى وأمته، ويعبدون العزير، وهؤلاء الصالحون لا يرضون بهذا، بل يأبون ذلك، وهم مسارعون إلى عبادة الله جل وعلا وحده لا شريك له. وهذا على أحد التفسيرين في الآية، على ما سيأتي معنى أن هناك تفسيرًا آخر، وهو ما جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود: أنهم ناس من الجن كانوا يعبدون، فأسلموا. وفي رواية: «كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم»، أي أن ناسًا من الإنس كانوا يعبدون ناسًا من الجن، فالجن علموا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فآمنوا ووحدوا، والإنس الذين كانوا يعبدونهم استمروا على عبادتهم، أي استمروا على عبادة الجن من دون الله جل وعلا. والآية تحمل على هذا المعنى، وعلى ما هو أعم؛ فهي عامة، والقاعدة عند المفسرين: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، بمعنى أنه لو نزلت في هذا أو ذاك، فعمومها يبقى على ما هو عليه، فيتناول كل من عبد شيئًا من دون الله جل وعلا، سواء كان نبيًا مرسلًا، أو كان ملكًا مقربًا، أو كان صالحًا من الصالحين، أو كان شجرًا أو حجرًا، أو شمسًا أو قمرًا، أو غير ذلك. فالآية باقية على عمومها، إلا أن الآية في قوله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، تدل على أن من عبد صالحًا -سواء كان ملكًا مقربًا، أو كان نبيًا مرسلًا، أو صالحًا من الصالحين- كائنا من كان، فإن الآية تشمله. أي أن هؤلاء يتقربون إلى الله، وأن أولئك يدعون من دون الله جل وعلا، أي المشركون ما لا ينفعهم شيئًا، ولا يضرهم. قال -رحمه الله تعالى-: «وأعظم القربات التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله، وأوجب عليهم العمل به والدعوة إليه، وهو الذي يقربهم إلى الله»، أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، فلا يرجون أحدًا سواه -تعالى-، ولا يخافون غيره، وذلك هو التوحيد؛ يرجون رحمته ويخافون عذابه، جمعوا بين هاتين العبادتين العظيمتين، بين الرجاء وبين الخوف، التي هما لب العبادة وروحها. قال: «فلا يرجون أحدًا سواه، ولا يخافون غيره، وذلك هو التوحيد؛ لأن ذلك يمنعهم من الشرك، ويوجب لهم الطمع في رحمة الله، والهرب من عقابه»، «والداعي لهم والحالة هذه قد عكس الأمر»، والداعي لهم أي من أهل الشرك الذين دعوهم من دون الله جل وعلا. قال: «والداعي لهم والحالة هذه قد عكس الأمر»، أي عكس الأمر؛ فدعا غير الله، وخاف غير الله، وطمع فيما عند غير الله جل وعلا. لذا يقول: «والداعي لهم»، أي من أهل الإشراك، والحالة هذه قد عكس الأمر، وطلب منهم ما كانوا ينكرونه من الشرك بالله، في دعائهم لمن كانوا يدعونه من دون الله. ففي معنى قوله: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾، أي يكفر أهل التوحيد والأنبياء والملائكة بشرك هؤلاء بهم من دون الله جل وعلا. قال: «وقوله: ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾، كانوا بعبادتهم كافرين»، وهذا يدلنا على أن يوم القيامة يتبرأ هؤلاء الصالحون من الأنبياء والملائكة، بل يتبرأ كل واحد من عبادة ما سوى الله، المعبود من دون الله جل وعلا، سواء كان صالحًا أو طالحًا، يتبرأ، وكل واحد يتبرأ من الآخر. قال الله جل وعلا عن غير الصالحين: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب﴾. وقال الله جل وعلا في حق الصالحين والأنبياء، كما ذكر الله جل وعلا ذلك في حق عيسى -عليه السلام-، قال الله جل وعلا لعيسى -عليه السلام-: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما كان ينبغي لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾، فذكر الله جل وعلا عن عيسى أنه تبرأ من ذلك. قال: ﴿سبحانك ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن يعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾، إلى آخر الآية؛ لذكرها الله جل وعلا في ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: «وفيه الرد على من ادعى أن شرك المشركين إنما هو بعبادة الأصنام»، وتبين بهذه الآية أن الله تعالى أنكر على من دعا معه غيره من الأنبياء والصالحين والملائكة، فمن دونهم، أي من باب أولى؛ لأن الآية جاءت في أناس صالحين يتقربون إلى الله جل وعلا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾. ففي الآية رد على هؤلاء المدعين بأن من عبد غير الله من الصالحين بأنه لا يكون مشركًا؛ ففي الآية بيان على أنه يكون مشركًا، وأن من صرف عبادة الخوف والرجاء إلى غير الله جل وعلا، وتعلق قلبه بغير الله جل وعلا -خوفًا وطمعًا ورغبة ورهبة- فإنه من أهل الإشراك بالله جل وعلا، من أهل الشرك الأكبر بالله جل وعلا، الشرك الذي لا يغفره الله جل وعلا. قال -رحمه الله تعالى-: «فتدبر هذه الآية العظيمة يتبين لك التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد»، فإنها نزلت في من يعبد الملائكة والمسيح وأمه والعزير، فهم المعنيون بقوله: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾، ثم قال الله جل وعلا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. إذن قول الله جل وعلا: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه﴾، أي من دون الله جل وعلا، ﴿فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾، لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر، ولا يستطيعون أن يحولوا عنكم الضر من حال إلى حال، أن يحولوا أحوالكم من حال إلى حال؛ لماذا؟ لأنهم عباد لله، وأن هذا الأمر هو بيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. فإذا كان كذلك، فإن من ظن في غير الله جل وعلا هذا الأمر، بل اعتقد في غير الله جل وعلا هذا الأمر، وتقرب إلى غير الله جل وعلا بهذا الأمر، أي اعتقد أن غير الله يملكه كشف الضر عنهم أو تحويلًا، فإنه أشرك بالله جل وعلا. وهذا النوع من الشرك هو من شرك الربوبية، وتعلق القلب بذلك المعبود بأنه يملك الضر أو يملك النفع والضر، هذا من الشرك في توحيد الألوهية. إذن اجتمع في حق هؤلاء شرك في توحيد الألوهية؛ بسبب ظنهم بأن هؤلاء يملكون شيئًا من النفع أو شيئًا من الضر. قال -رحمه الله تعالى-: «ثم بيّن تعالى أن هؤلاء المشركين قد خالفوا من كان يدعونه في دينه»، فقال: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، وقدم المعمول، أي في قوله: «أولئك الذين»، لأنه يفيد الحصر، يعني: يبتغون إلى ربهم الوسيلة لا إلى غيره. فهذا فيه بيان بهذا المعنى؛ من أن هؤلاء المدعوين من دون الله، المعبودين من دون الله جل وعلا من الصالحين، لا يتقربون إلى أحد إلا إلى الله، وإن كان المشركون بهم يعتقدون فيهم أنهم يملكون شيئًا من النفع أو شيئًا من الضر. قال -رحمه الله تعالى-: «وأعظم الوسائل إلى الله تعالى التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله، وخلق الخلق لأجله»، فهذه الوسيلة هي أعظم الوسائل المقربة إلى الله، والمُدَنية إليه جل وعلا، كما أن أعظم المصائب، وأعظم الآثام، وأعظم الظلم هو الشرك بالله جل وعلا؛ فأعظم حسنة هي حسنة التوحيد، وأعظم سيئة، وأشر سيئة هي سيئة الشرك بالله جل وعلا. قال: «ومن التوسل إليه التوسل بأسمائه وصفاته»، كما قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، أي أن التوسل المشروع أنواع، ومنه التوسل بأسماء الله جل وعلا وصفاته، التوسل بأسماء الله جل وعلا وصفاته؛ كما ذكر. قال: «ومن التوسل إليه»، أي المشروع، «التوسل بأسمائه وصفاته»، كما قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، وكما ورد في قوله: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، سواء كان دعاء مسألة، أو كان دعاء عبادة، فادعوه بها؛ فهذا من باب التوسل بأسماء الله جل وعلا. وقد ذكر من ذكر من العلماء -رحمهم الله تعالى- أن الداعي إلى الله جل وعلا من التوسل بأسماء الله جل وعلا، أن يضمن الداعي في دعوته اسمًا يناسب دعاءه، اسمًا من أسماء الله جل وعلا الحسنى يناسب دعاءه. فمثلًا إذا دعا بمغفرة الذنب، وطلب الرحمة من الله جل وعلا، فيتوسل إلى الله جل وعلا بإسم يناسب ذلك، فيقول: «يا غفور يا رحيم اغفر لي وارحمني»، إذا أراد طلب الرزق يقول: «يا رزاق يا كريم ارزقني»، إذا أراد الدعاء على غيره من الظلمة وما شابه ذلك يقول: «يا جبار انتق منهم»، وهكذا يتوسل بأسماء الله جل وعلا الحسنى، وفي كل دعاء يدعو بما يناسب ذلك الدعاء من الأسماء. قال -رحمه الله تعالى-: «وكما ورد في الأذكار المأثورة من التوسل بها في الدعوات»، أي من توسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء الله جل وعلا الحسنى في دعواته، قال: «كقوله: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام» إلى آخر الحديث. وهذا الحديث حسنه العلامة شيخنا العلامة الوادعي -رحمه الله تعالى- كما في «الصحيح المسند»، وهو من حديث أنس، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -رحمه الله تعالى- في المجلد الأول صفحة 91. وقال أي شيخنا: «حديث حسن»، وجاء في الحديث أي في آخر حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سمع هذا الدعاء، جاء في رجل أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو بهذا الدعاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سأل الله جل وعلا باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وإذا سئل به أعطى»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»، هذا الحديث كذلك حديث صحيح، رواه كذلك الأربعة من حديث بريدة بن الحصيب، وهو كذلك في «الصحيح المسند» مما ليس في الصحيحين لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- في المجلد الأول صفحة 131. «وغير ذلك من الأعمال الصالحة الخالصة التي لم يشبها شرك»، أي وغير ذلك من الأعمال الصالحة كذلك من التوسل المشروع، من أنواع التوسل المشروع، أن يتوسل بالعمل الصالح الذي لم يشب بشيء من الشرك، أي كان خالصًا لله رب العالمين جل وعلى. كما جاء في حديث أصحاب الغار، كما جاء في حديث أصحاب الغار: أن كل واحد منهم دعا الله جل وعلا، دعا الله جل وعلا بصالح عمله، وبخالص عمله، وكان يقول: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا هذه الصخرة»، فكانت تنفرج حتى انفرجت الصخرة كاملة بعد التوسل الذي توسل به أولئك ثلاثة من بني إسرائيل، فخرجوا. فهذا وهذا نوعان مشروعه من التوسل. قال: «فالتوسل إلى الله هو بما يحبه ويرضاه»، أي التوسل المشروع هو التوسل إلى الله جل وعلا بما يحبه ويرضاه، التوسل إلى الله جل وعلا كما ذكر بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، التوسل إلى الله جل وعلا بالعمل الصالح، التوسل إلى الله جل وعلا بالافتقار إلى الله جل وعلا، وإظهار الحاجة والفقر إلى الله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا عن موسى: ﴿إنه ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾. فهذا كما ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- فيه التوسل إلى الله جل وعلا والافتقار بالحال، أي: «اللهم إنك تعلم ضعفي وفقري وحاجتي إليك، فاغنني»، فاغنني؛ فهذا كذلك من أنواع التوسل. فكل توسل يطابقه الشرع الذي أذن به ربنا جل وعلا، لا بما يكره ويأباه من الشرك الذي نزه نفسه عنه بقوله: ﴿سبحان الله عما يشركون﴾، أي كما هو حال المشركين الذين يتقربون إلى الله جل وعلا بأشد شيء يبعدهم من الله، يتقربون إلى الله جل وعلا بالشرك بالله جل وعلا، يتقربون إلى الله جل وعلا بعبادة ما سوى الله. قال الله جل وعلا في هؤلاء: أنهم يدعون أو زعموا أنهم يعبدون من يعبدوا تقربًا إلى الله، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفًا﴾، إلا ليقربونا إلى الله زلفًا؛ فهم يعبدونهم ويجعلونهم وسائط موصلين لهم إلى الله جل وعلا، فيتقربون إلى الله جل وعلا بأشد شيء مبعد عن الله جل وعلا وعن رحمته، يتقربون ويتوسلون إلى الله جل وعلا بالشرك به. قال: «وقوله: ﴿وما أنا من المشركين﴾»، وقوله في الإنكار على من اتخذ الشفعاء: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. قال: «وأمثال هذه الآيات في القرآن الكثير، يأمر عباده بإخلاص العبادة له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، ويعظموا»، أي يعظم هذا الأمر، أي عبادة ما سوى الله، ويعظموا عقوبته، كما جرى على الأمم المكذبة للرسل فيما جاءوهم به من التوحيد والنهي عن الشرك، فلم يقبلوا. قال: «فأوقع الله تعالى بهم»، كقوم نوح، وعاد، وثمود، ونحوهم؛ فإنهم عصوا الرسول فيما أمروهم به من التوحيد، وتمسكوا بالشرك، وقالوا لنوح: «ما نراك إلا اتبعك الذين هم أراذلنا باديا الرأي»، وقالوا لهود: «ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين»، الآيات. وقالوا لصالح: «قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهان أن نعبد ما يعبد آباؤنا»، وقالوا لشعيب: «أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء». قال: «فتدبر ما قص الله تعالى في كتابه مما دعت إليه الرسل، وما أوقع بمن عصاهم؛ فإن الله تعالى أقام بهم»، في نسخة أخرى: «به»، «الحجة على كل مشرك إلى يوم القيامة»، أي أن الله جل وعلا أقام بالرسل الحجة على كل مشرك. قال: «وأما ما ورد في معنى الآية عن مسعود»، قال: «ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا»، أي فأسلم الجنيون، وفي رواية: «كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم»، أي تمسك المشركون بعبادتهم لهؤلاء الجن الذين تركوا الشرك وأسلموا لله رب العالمين جل وعلا. والحديث متفق عليه. قال الشارح -رحمه الله-: «قلت: وهذا لا يخالف ما تقدم»، أي هذا الأثر المروي عن ابن مسعود، أو نعم هذا الحديث يعني الذي هو موقوف، ولكنه في سبب نزول، والقاعدة عند المفسرين، بل عند المحدثين -رحمهم الله تعالى-: أن الموقوف أو أن قول الصحابي إذا كان في سبب نزول، فإنه يكون حكمه حكم المرفوع. والأمر هاهنا كذلك؛ فالشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: «وهذا لا يخالف ما تقدم؛ لأن هذه الآية حج على كل من دعا مع الله وليًا من الأولين والآخرين»، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في هذه الآية. «وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابدًا لله»، سواء كان من الملائكة، أو من الجن، أو من البشر، كما تقدم ذكره: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.