الجواب الكافي 24

الدرس في الجواب الكافي 24، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الاغترار بالفهم الخاطئ للنصوص

يغتر بعض الناس بفهمهم الخاطئ للنصوص الشرعية، مما يؤدي إلى الوقوع في المعاصي. يضرب ابن القيم أمثلة على ذلك مثل سوء فهم بعض الآيات القرآنية.

أهمية الفهم الصحيح وتجنب الغلو

يجب فهم النصوص الشرعية بشكل صحيح لتجنب الضلال والغلو أو التطرف، كما حدث مع فرق مثل الخوارج والمرجئة. الاعتماد على نصوص دون أخرى يؤدي إلى انحرافات.

شروط الهداية والمغفرة الإلهية

الله جل وعلا يغفر الذنوب لمن تاب وأناب، بينما لا يغفر لمن مات على الشرك. الرسول حريص على هداية الناس، لكن الحكم الفصل لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الداء والدواء"، المعروف بـ "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، قال رحمه الله: الاغترار بالفهم الفاسد للقرآن والسنة. قالوا: منهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة، فاتكلوا عليه. كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، قال: وهو صلى الله عليه وسلم لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته. وهذا من أقبح الجهل وأبين الكذب على الله ورسوله، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم يرضى بما يرضى به ربه عز وجل، والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر، فحاشا رسوله أن يرضى بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى. وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وهذا من أقبح الجهل، فإن الشرك داخل في هذه الآية، وهو رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين، فإنه يغفر ذنب كل تائب من أي ذنب كان. ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها، وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة. وهذا إنما أتى صاحبه من قلة علمه وفهمه، فإنه سبحانه هنا عمم وأطلق، فعلم أنه أراد التائبين. وفي سورة النساء خصص وقيد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فأخبر الله سبحانه أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه. ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره. وكاقترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، فيقول: كرمه. وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته. وهذا جهل قبيح، وإنما غره بالغرور وهو الشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء وجهله وهواه. وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه، فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به. وكاقترار بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾، ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، وهو قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، ولم يدر هذا المغتر أن قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ هي نار مخصوصة من جملة دركات جهنم. ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: لا يدخلها، بل قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾، ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. ثم إن هذا المغتر لو تأمل الآيات التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونا له أن يجنبها. وأما قوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فقد قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن يدخلها الفساق والظلمة، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ولم يعمل خيرا قط. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الفصل بعض ما اغتر به أصحاب الفهم الفاسدة. فمن الناس من فهم أفهاما فاسدة من القرآن والسنة، نظر إلى بعض ما جاء في كتاب الله أو في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففهمها على غير فهمها الصحيح، وفهمها فهما فاسدا، فاغتر بها. ودفعه هذا الغرور إلى التفريط في حق الله جل وعلا، وعلى الوقوع في محارم الله جل وعلا، بحجة أنه ممن ذكر في هذه النصوص، وأنه ممن ينجو، وأنه ممن تشمله المغفرة، وأنه إلى خير ذلك. فأطلق العنان لنفسه في فعل المعاصي وفعل المحرمات، ويتسلط بمثل هذه النصوص ويتكل عليها، وأهمل بالمقابل نصوصا كثيرة فيها قيام الحجة عليه، وفيها بيان أنه ليس من هؤلاء الذين ظن أنه منهم. ولو تأمل فيها ونظر فيها لدفعه ذلك إلى الجمع بين الأمرين: بين رجائه لله جل وعلا وبين خوفه من الله جل وعلا، فسار سيرا صحيحا سيرا مستقيما، ولم يتكل لا على هذه النصوص ولا على تلك. ولذلك ينتبه لهذا الأمر، فإنه أمر عظيم، مسألة فهم النصوص في الكتاب والسنة، لا تفهمها بفهمك أنت. فربما بعض الناس يقرأ الآيات في كتاب الله ويفهمها فهما من نفسه، يظن أن هذا هو فهم هذه الآيات، فيبني ربما عليها اعتقاده وسيره ومعاملته وغير ذلك. وهذا المسكين قد جهل وقد ضل بهذا الفهم السيئ. وما ضل من ضل من الناس إلا بسبب الفهم الفاسد، الخوارج والمرجئة والجهمية والمعتزلة والممثلة، هذه الفرق فهمت أفهاما فاسدة. الخوارج على طرف نقيض مع المرجئة في نصوص الوعد والوعيد، غلوا في نصوص الوعيد، والمرجئة غلوا في نصوص الوعد. فظلوا، أهل التمثيل كذلك أهل التعطيل بالجانب الآخر. ووفق الله جل وعلا أهل الحق للفهم الصحيح. وما نرى في واقع الناس وفي دنيا الناس من وقوع في ذنوب والمعاصي والمخالفات والجرأة على فعلها، إنما بسبب هذه الأفهام الفاسدة. ربما ترى شخصا قد وقع في مخالفة، ولو كان من العوام، إذا أنكرت عليه، فإذا هو يذكر لك آية من كتاب الله: أليس الله يقول كذا؟ أو يذكر لك حديثا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: أما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام كذا؟ وهكذا. ألم يقول الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾؟ ألم يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟ وهكذا: ﴿لَوْ لَمْ تَكُنْ تُذْنِبُونَ لَأَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَهُ فَيَغْفِرُ لَهُمْ﴾، وهكذا. فهم من هذه النصوص هذا الفهم الفاسد، ظن أن هذه النصوص تبيح له وتجوز له أن يكون على هذا التقصير وعلى هذا التفريط الذي هو عليه، فيستمر على ما هو عليه ولا يرجع. والذي سيجعله يرجع إلى الله ويتوب هو قد تعلق بهذه النصوص وبهذه الأفهام الفاسدة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الفصل شيئا من من يقع من هؤلاء من أفهام فاسدة في نصوص الكتاب والسنة. فمنهم من اتكل على قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، هذه آية في كتاب الله، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني: ما من أمر ترضى إلا وعطاك الله إياه، سيعطيك ما تريد. يفهم من هذه الآية ما لا يليق، أن كل ما يريده النبي عليه الصلاة والسلام فإن الله جل وعلا سيعطيه إياه. طيب، ينظر في نفسه: أنا من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أنا أقول: أشهد أن محمدا رسول الله، أنا أقول: اللهم صل على محمد، أنا أحب الرسول عليه الصلاة والسلام، أيرضى الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدخلني الله النار؟ أن يدخلني الله النار؟ لا، لا يرضى، إذن لا أدخل النار. لأن الله قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، والرسول لا يرضى أن أدخل النار، وأنا أقر له بالشهادة وأنا أحبه. فيغتر مثل هذا وهو واقع في الكبائر وواقع في الذنوب والمعاصي. هل ممكن أن يرضى الرسول عليه الصلاة والسلام على أمر لا يرضاه الرب جل وعلا أبدا؟ الله جل وعلا هو الحكيم وله الحكمة، وهو جل وعلا العدل، ومن عدله سبحانه وتعالى أنه يثيب الطائعين ويعاقب العاصين، هذا عدله سبحانه وتعالى. والعدل أمر بأوامر ورتب على من انتثلها الوجور، ونهى عن نواه ورتب على فاعليها العقاب، هذا الذي يرضاه جل وعلا: إثابة الطائعين وعقوبة العاصين. هل النبي عليه الصلاة والسلام يرضى بخلاف ما رضيه الله؟ هل النبي عليه الصلاة والسلام يرضى بإثابة الطائعين ولا يرضى بعقوبة العاصين؟ حاشا عليه الصلاة والسلام. قد علم أن الله جل وعلا هو العدل، وقد اقترض حكمته: عقوبة العاصين وإثابة الطائعين. الرسول عليه الصلاة والسلام نعم، حريص على هداية عموم الناس، حرص عظيم حتى في آخر لحظات حياة يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة نحاج لك بها عند الله، يريد لعمه الهداية وأن يهديه الله جل وعلا، لكن الأمر لله جل وعلا من قبل ومن بعد. ولو كانت الحكمة البالغة سبحانه وتعالى في قضائه وقدره، مات أبو طالب على ملة عبد المطلب، طيب، هو أهون أهل النار عذابا، أبو طالب أهون أهل النار عذابا عليه نعلان من النار يغلي منهما دماغه. النبي عليه الصلاة والسلام هل لا يرضى بهذا؟ هل لا يرضى بأن يكون عمه أبو طالب أهون أهل النار عذابا؟ أبدا، لماذا؟ لأن هذا حكم الله جل وعلا، هذا الذي رضيه الله جل وعلا، فلا يمكن أن لا يرضى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. بل هو عليه الصلاة والسلام أعظم المعظمين لشرع الله جل وعلا، وأعظم من آمن بالقضاء والقدر، وأعظم من فهم هذا الأمر العظيم، فما فيه رضا رب العالمين جل وعلا هو الذي يرضى به رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا لا يغتر هذا بقوله: أنا من أمة محمد صلى الله وسلم، وإذا الرسول لا يرضى أن يعذبني الله في النار، هذا فهم فاسد غلط، لأنه ينافي عدل الله جل وعلا وحكمه في خلقه سبحانه وتعالى. فما فيه رضاه جل وعلا هو الذي يرضى به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كله موافق لعدله وحكمته سبحانه وتعالى. وهكذا قد يقتر بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، يعني إذن يقع في الذنوب والمعاصي بحجة أن هذه الذنوب مغفورة مهما فعل مهما فعل من الذنوب والمعاصي، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، فيقع في الذنوب والمعاصي، وهذا فهم فاسد. هذا في حق التائبين، الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعا، ذنوب من؟ ذنوب التائبين، أما من لم يتب، فإذا قد وقع في الشرك، فالله لا يغفر له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فمن مات على الشرك غير تائب من الشرك هذا لا مغفرة له، ومن مات على الكبائر غير تائب منها فهو تحت مشيئة الله جل وعلا. لكن هذا يفهم فهما خاطئا، يظن أن الله جل وعلا يغفر ذنوبه ولو لم يتب، إن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعا ولو لم يتب، فإن ذنوبه مغفورة تغفر له، لا، الذنوب تغفر إذا تاب العبد، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، إذن فيه شروط: توبة، إيمان، والعمل الصالح، فحينئذ يغفر الله جل وعلا للتائبين. هناك أمور تتعلق بحقوق الناس، حتى لو توبت إلى الله جل وعلا، لكن أموال الناس ما رددتها، كيف يتوب الله عز وجل عليك وأنت ما أرجعت أموال الناس؟ لا، فالتوبة لها شروط، والمغفرة تتوقف جل وعلا على التائبين، أما أنت تفعل الذنوب والمعاصي وتصر عليها يا فلان، ما تفعل الذنوب والمعاصي؟ قال: إن الله غفور رحيم، إن الله يغفر الذنوب جميعا. نعم، إن الله يغفر الذنوب جميعا، لكن أمت هل تبت؟ أنت الآن واقع في الذنوب والمعاصي وأنت مصر عليها، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، إذن هؤلاء الذين رتب الله جل وعلا في حقهم هذا الجزاء، فعلوا نعم وقعوا في ذنوب والمعاصي، تابوا منها، استغفروا الله ولم يصروا. أما إن الله غفور رحيم، وإن الله يغفر الذنوب جميعا، وهذا المسكين لا زال يأكل الربا وينظر للحرام ويسمع الحرام، يا فلان تقل: لا، لا تسمع الحرام، لا تأكل الحرام، إن الله يغفر الذنوب، نعم الله يغفر الذنوب جميعا، أنت لست منهم، أنت لست من هؤلاء، لا تجعل نفسك من هؤلاء، لا، أنت متوعد، لماذا؟ لأنك مصر على المعصية، فأنت متوعد، ومعناها أنك تحت مشيئة الله جل وعلا. أما إذا كان عندك الشرك فلا شك إذا مت على ذلك فالشرك لا يغفر. وذكر رحمه الله تعالى كذلك بعض ما يغتر به، يفهمونه فهما فاسدا، سيأتي إن شاء الله معنا لانتهاء الوقت. صلى الله عليه وسلم، مبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.