الدرس في الجواب الكافي 54، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
نقض العهود والغدر من كبائر الذنوب ويسبب تسليط الأعداء على الأمة، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغدر وعدم الوفاء بالعهود حتى مع الكفار.
نقض العهد يؤدي إلى عواقب وخيمة، ويستشهد بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، مشددا على أهمية الوفاء بالعهد.
النبي حذر من عدم العمل بشرع الله وتطبيق كتابه، وهذا يؤدي إلى الفتن والقتال بين المسلمين، والعودة إلى شرع الله هو السبيل لإنهاء الفتن.
الدعاء للمسلمين وحكامهم بالتوفيق للتحاكم إلى شرع الله، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، سائلين الله الهداية والصلاح.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم ومبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي الخصال الثلاثة التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع فيها، وأن الوقوع فيها سبب لترتب عقوبات عظيمة. وإن كانت هي معصية واحدة، إلا أن العقوبات المترتبة على هذه المعصية عقوبات متعددة. يقول عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا». ويقول عليه الصلاة والسلام: «ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم». هذه الخصال الرابعة من الخصال الخمس التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وهو خفر العهد بمعنى نقض العهد. الخفر بمعنى النقض، فنقض العهود من الكبائر، من كبائر الذنوب. وهو سبب لتسليط أعداء الله على هذه الأمة، إذا صار في الأمة من يعاهد ثم ينقض هذه العهود والمواثيق، ويغدر ولا يفي بهذه العهود والمواثيق، تسلط أعداء الإسلام على هذه الأمة. فهؤلاء الذين ينقضون العهود ضررهم ليس على أنفسهم فقط، وإنما ضررهم على أنفسهم وعلى الأمة بكاملها. قد يكون أفراد من هذه الأمة يقعون في هذه المعصية وهذا الذنب. وانظروا إلى ضرر هؤلاء الأفراد على الأمة بكاملها، يتصل تعدي الإسلام على أمة الإسلام بسبب هؤلاء الذين ينقضون العهود والمواثيق. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، أوفوا بالعقود. ومن الوفاء بالعقود الوفاء بالعهود والمواثيق وعدم نقضها وخفرها. إذا تأملنا في حال كثير من الناس في عهودهم ومواثيقهم، نجدهم قد نقضوا العهود والمواثيق وغدروا، والعياذ بالله. وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الغدر وعدم نقض العهد، نقض العهد غدر. من عاهد ثم غدر، فهذا نقض عهده وغدر، كما قال عليه الصلاة والسلام في بيان صفات المنافقين: «وإذا عاهد غدر»، معناه إذا عاهد لم يفي بعهده، يعني نقض عهده، يعني غدر. فنقض العهود غدر. يقول عليه الصلاة والسلام: «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال له: هذه غدرة فلان بالفلان»، يفضح على رؤوس الخلائق، يرفع له ذلك اللواء، يفضح أعظم فضيحة. الغدر وعدم الوفاء بالعهود ونقض العهود هذا من كبائر الذنوب. وإذا رأى أعداء الإسلام أهل الإسلام ينقضون في عهودهم ومواثيقهم، تسلطوا عليهم، وعلموا أنهم ليسوا بأهل للوفاء بالعهود والمواثيق. النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث بريدة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، كان إذا أرسل الأمراء قادة السرايا، كان يحذرهم من نقض العهد. حتى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم: «وإذا أرادوك أن تجعل لهم عهد الله وعهد رسوله، فلا تجعل لهم عهد الله وعهد رسوله». إذا أرادوا منك أن تجعل لهم عهد الله وعهد رسوله، فلا تجعل لهم عهد الله وعهد رسوله، يعني إذا قال الكفار للأمير أو للقائد: يا قائد أو يا أمير، اجعل بيننا وبينك عهد الله وعهد رسوله، يقول: لا تجعل لهم عهد الله وعهد رسوله. لماذا؟ قال: «وإنما اجعل لهم عهدك وعهد من معك»، يعني عاهدهم أنت. قال عليه الصلاة والسلام: «فإنكم إن تخفروا ذممكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله». لأن القائد إذا قال للكفار: نعم لكم عهد الله وعهد رسوله، عليه الصلاة والسلام، ثم نقض العهد، يقول الكفار: هؤلاء لا يعظمون ربهم جل وعلا، كيف ندخل معهم في دينهم؟ لا يعظمون الله عز وجل. قالوا: لكم عهد الله ولكم عهد رسوله، ثم بعد ذلك نقضوا هذا العهد. هل هؤلاء يعظمون ربهم جل وعلا؟ هل هؤلاء يعظمون رسولهم؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام دقق في هذا الأمر وانتبه له، حتى لا يقع القائد في خفر العهد ونقض العهد مع الكفار بعد أن أعطاهم عهد الله وعهد رسوله. وهذا سبب لعدم قبول الكفار الإسلام، لأنهم سيقولون: هؤلاء أي عهد عندهم لله وأي تعظيم لهم لربهم جل وعلا؟ قد جعلوا عهد الله وعهد رسوله ثم نقضوه. لكن إذا قال: لا، أنا أجعل لهم عهدي وعهد من معي، فهذا نقض العهد، لكنه ليس كخفر ونقض عهد الله وعهد رسوله. بعد أن يجعل الإنسان لغيره عهد الله وعهد رسوله، يقول: بيني وبينك عهد الله وعهد رسوله، عليه الصلاة والسلام، ثم ينقض هذا، أعظم هذا أعظم. وللأسف اليوم نجد كثيرا من الناس يعاهدون ثم يغدرون وينقضون. من يدخل بلاد الإسلام من الكفار ومن المعاهدين والمستأمنين، هؤلاء لهم عهد مع ولي أمر تلك البلاد التي دخلوا فيها. إن كانوا في اليمن، وإن كانوا في المملكة، وإن كانوا في غيرها من بلاد أهل الإسلام، دخلوا بعهد وأمان من ولي أمر المسلمين. والواجب على ولي أمر المسلمين أن يفي بعهده مع من عاهد، ولو كان كافرا، ما دام أنه أعطاه العهد والمواثيق. فإذا حصل الاعتداء على هؤلاء المعاهدين والمستأمنين، كان ذلك من نقض العهد والميثاق. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، كما في الصحيح في حديث عبد الله بن عمرو، فدل على أنه من كبائر الذنوب، بأن فيه نقض العهد. قتل المعاهد نقض للعهد، دخل بأمان ودخل بعهد، ثم يقتل. أهل الإسلام نقضوا هذا العهد. لو أن مسلم من المسلمين، واحدا فقط من أهل الإسلام، أدخل شخصا كافرا بعهد، لا يجوز الاعتداء عليه. لماذا؟ لأن زيدا من الناس أعطاه العهد. أم هاني قد أجرت مشركا، ورد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن يعتدي عليه، فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرته، قال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هاني». وأخبرنا أن عهد المسلم هو عهد جميع المسلمين، ذمتهم واحدة وعهدهم واحد، ولو قاله واحد، لو قاله واحد، فهو يعتبر قول الجميع. هذا ما هو حتى في الإسلام، هذا حتى في الجاهلية. أهل الجاهلية وهم على جاهليتهم كانوا على عهودهم ومواثيقهم، وهم كفار أهل جاهلية، لكنهم أهل كلمة، كما نقول: العيب عندهم نخوة عندهم حمية. قال: الكلمة ما يمكن أن يرجع عندهم، عندهم حمية وعندهم نخوة، عهد دم يفي بعهد. كفار كرام يطردون أبا بكر رضي الله تعالى عنه من مكة، وخرج لقيه ابن الدغنة كافر، فقال: يا أبا بكر إلى أين تذهب؟ كما جاء في الصحيح. قال: أسيح في الأرض، أتعبد ربي، فإن القوم منعوني أن أعبد ربي. فقال له: مثلك يا أبا بكر لا يخرج، إنك لا تصل الرحم ولا تقري الضيف، وإنك... ذكر من محاسن أبي بكر رضي الله تعالى عنه. فرده في جواره، قال: أنت في جواري. ذهب إلى المشركين وقال: أبو بكر في جواري، في عهد. هل اعتدى عليه المشركون وهم كفار؟ لماذا؟ لأنه في عهد، فلا. ما يمكن أبو بكر صار يصلي والناس يرونه يصلي، يأتون إليه، حصل تجمع الكفار، ما رضوا بهذا الأمر. هل اعتدوا على أبي بكر؟ قالوا لصاحب العهد: اسمع ما نستطيع، نتحمل. مر صاحبك، إذا أراد أن يصلي، يصلي بعيدا عن أنظار الناس، في بيته، ما نمنع. أما ما من الناس فقد يتأثر به أولادنا أو... فقال لابن الدغنة: إذا أردت أن تكون في جواري، فكن بعيدا. فقال أبو بكر: لا. قال: إذا فلا، لست في جواري. فذهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه. الشاهد حتى الكفار، نعم، إذا عاهدوا العهود وفوا بها. فكيف وأنت مسلم يا عبد الله تعاهد ثم لا تفي بالعهد ولا بالوعد؟ الإنجليز أفضل منا، الكفار صاروا أفضل منا في عهودهم وفي وعودهم. حتى إذا أردنا أن نؤكد الوعد، نقول: وعد إنجليزي. نعم، يا فلان غدا سنلتقي، غدا اللقاء بيننا، الوعد بيني وبينك غدا، غدا إن شاء الله، وعد إنجليزي. سبحان الله، والوعد العربي أين؟ الله المستعان. لماذا هذا وعد إنجليزي؟ لأن الناس صاروا يرون المسلمين بعضهم بعضا يعد ولا يفي. فسبحان الله، أهل الإسلام أحق بالوفاء بالعهود والوعود، هم أهل الإسلام، أكرم دين، جاء به أفضل نبي محمد عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «وسلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم». والآن انظروا لعداء قد تسلطوا وأخذوا بعض ما في أيدي المسلمين، أخذوا كثيرا من الأشياء، وتحكموا فيها. ورحم الله الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، حتى يقول: «وأي اغتراب فوق غربتنا، التي أضحت لها الأعداء وفينا تحكموا؟» أي غربة بعد هذه الغربة؟ يقول الإمام ابن القيم: هل في غربة أشد من هذه الغربة؟ هذه غربة أهل الإسلام. أهل الإسلام اليوم في غربة، يقولون: أي غربة أعظم من هذه الغربة الظاهرة الواضحة التي لا يستطيع أن ننكرها. صار أهل أعداء الإسلام يتحكمون فينا، يتحكمون فينا، يعني كما يقال: ما بغوا إلا أن يقولوا: إلبسوا كذا ولا تلبسوا كذا، وكلوا كذا ولا تأكلوا كذا. إيش باط الله المستعان؟ تحكموا، وصل بهم الأمر إلى أن يريدوا من أهل الإسلام أن يجعلوا بدل الجمعة السبت، أو بدل يوم كذا الخميس. لماذا؟ تتعطل مصالحهم، يتحكمون حتى في عطلتنا. لا تجعلون يوم كذا، وإنما يجعل يوم كذا. وإيش دخلكم؟ نحن نجعل يوم إجازة، أي يوم ما لكم دخل. الخميس ما في عمل، لا الخميس ولا السبت، يتحكمون فينا. لا تلبسوا الأبيض، ألبسوا الأحمر. الله المستعان. فالله المستعان، هذا من التسلط من قبل أعداء الإسلام، بسبب ما اقترف أهل الإسلام من الذنوب. قال عليه الصلاة والسلام: «وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله عز وجل في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم». وهذه الخصلة الخامسة التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام، عدم العمل بكتاب الله وبشرع الله. فإن عدم العمل بشرع الله وعدم التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، هو من أعظم أسباب البأس بين المسلمين. الآن ننظر أحوال المسلمين يتقاتلون فيما بينهم، أهل الإسلام يتقاتلون، أهل البلد الواحد يتقاتلون فيما بينهم، بين الحكام والمحكومين، فتن وقتال وحرب ومصائب. لماذا؟ لعدم العمل بشرع الله، والخلل في هذا. الخلل في هذا حصل البأس، لأن تحصل عداوات. نعم، هذا الشخص يقتل شخصا، حكمه القصاص. طيب إذا لم يعمل بالقصاص، حصلت مشاكل، قتل هذا وهذا، وكل واحد صار يقتل الآخر، وثارات كما هي في بعض البلاد، ثارات سنية مستمرة. لماذا؟ فلان قتل، أخذ حقا، انتهى الأمر. وفلان يسرق، ما قطعت يده، اعتدى على آخر، وهو إلى آخر ذلك. فلان يقع في الزنا، يقع في الفاحشة، وهو معصّر، ما يقام عليه الحد. تشرت المنكرات، تشرت الفواحش، وتنادع الناس ما بينهم. لكن إذا حصل بينهم الإسلام، ما يحصل بينهم فتن. فرجعوا إلى من يحكم فيهم بشرع الله جل وعلا، تنتهي هذه الأمور، وتنتهي المشاكل، وتنتهي الفتن، وتنتهي الثارات، وتنتهي المصائب. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، آية واضحة. لا حياة منكرة. ولكم في القصاص حياة، أي حياة بكل معنى الحياة، الأمن، السعادة، الرخاء. فما يحصل من الفتن والقلاقل إلا بسبب التقصير في هذا. وليس هذا خاصا بالحكام، لا، حتى أنت يا عبد الله، هل تحكم بما أنزل الله في بيتك مع أسرتك مع أولادك؟ الأمر عام شامل. الكل مطالب بأن يتحاكم إلى شرع الله. الأب في بيته مع أهله مع رعيته، وكل من ولاه الله رعية، عليه أن يحكم بما أنزل الله جل وعلا. فإذا حصل الخلل من الجميع أو من البعض، حصل ما حصل من الفتن ومن المشاكل ومن وجود البأس بين المسلمين، والعدوات، والتحاقد، والتحاسد، وأخذ البعض للمال الآخر، وسفك الدماء. فنحن طالبون بالعودة إلى أن نعود جميعا إلى شرع الله، نتحاكم بشرع الله. إذا أردنا الحياة وإذا أردنا السعادة، فالكل مطالب بهذا. الحاكم والمحكوم، الحاكم والمحكوم، لأن سعادتنا جميعا بتحاكمنا إلى شرع الله، كتاب الله، سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يعيننا وحكامنا والمسلمين جميعا إلى التحاكم إلى شرعه جل وعلا. وصلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.