الخطبة بعنوان خطورة السحر، خطبة الجمعة وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 4 ربيع الآخر 1434هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل خطورة السحر وأهله، ويبين حكمه في الإسلام. يُعتبر السحر من الكفر ويناقض الإيمان.
يعتبر السحر كفرا بالله تعالى، والساحر يعتبر كافرا يستحق القتل. ثبت ذلك في آثار الصحابة والتابعين.
يُحذر من الذهاب إلى السحرة والكهنة ويُبين العقوبة الشديدة التي تنتظر من يتعامل معهم. يُشجع على الصبر وحسن الظن بالله.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية والطاعة. يختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات». ففي هذا الحديث يذكر لنا نبينا صلى الله عليه وسلم الموبيقات، أي المهلكات التي من ابتلي بإحداهن فقد أوبق دينه ودنياه، وأفسد عليه أولاه وأخراه. وإنني في هذا المقام بصدد الكلام عن واحدة من هذه الموبيقات، مما قد عم شرها وطغى خطرها، وعظمت البلية بها، وخاصة في هذه الأزمان التي نحن فيها، وأعني بها ظاهرة السحر. عباد الله، إن السحر هذه الظاهرة الشنيعة والظاهرة الخبيثة التي أصبحت حديث الناس وأخبار الساعة، لعموم البلوى بها ولكثرة من يصاب بها. اعلموا عباد الله أن السحر ظاهرة حقيقية دلت عليها أدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فهي ليست ضربا من المحال أو حالا من الهوس والتخيل والخيال كما يدعيه العقلانيون وعلماء الكلام. كيف ذاك وها هو القرآن يذكر فيه ربنا جل وعلا الشيء الكثير عن هذه الظاهرة الخبيثة، قال سبحانه: ﴿وإن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وقال سبحانه: ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾. بل إن الله جل وعلا أمر بالاستعاذة من السحر، وما ذاك إلا تحقيقا لوجوده، قال سبحانه: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد﴾، أي السواحر اللواتي ينفخن وينفثن في العقد. وهذا الحديث الذي بين أيدينا «اجتنبوا السبع الموبقات» ذكر عليه الصلاة والسلام السحر، فهذه دلالة على حقيقته وعلى إمكانية حصوله. وإن من معتقد أهل السنة والجماعة في باب السحر أن له تأثيرا على المسحور، فلربما يصل السحر إلى عقل المسحور فيؤثر على دماغه فيصيبه بالجنون، فترى المسحور يصاب بين فترة وأخرى بحالات من الصرع، أو أن السحر يصل إلى جسده وإلى بعض أعضائه فيصيبه بالشلل والعاهة، أو تتوالى عليه الأمراض التي حار الأطباء في حلها وفي إيجاد علاج لها. بل إن السحر، عباد الله، لربما قد يصل إلى طبيعة النفوس فيغير من مزاجها وتتلاعب في مشاعرها وأحاسيسها. لهذا قد تجد من بعض المسحورين لربما ما يبتلى من الضيق الشديد يجعل قلبه وصدره حرجا، ما يتلاشى وما يكاد أن يتلاشى هذا الضيق إلا بالبكاء والنحيب. يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في كتابه الكافي: «السحر عبارة عن عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلب والأبدان فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه». عباد الله، مع القول بأن هذه من مظاهر السحر ومن أسباب السحر، لكن علينا أن نعلم أن السحر ما يقع إلا بأمر من الله جل في علاه، هو الذي شاءه وهو الذي قدره لحكمة أرادها سبحانه. وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، فإذا كان السحر بهذه المثابة وبهذه الدناءة والحقارة، فلا شك أن أهله ممن تعلم واستخدم أنهم سقطوا من عين الرب، سقطوا من عين الله. فكيف لا، فإنهم في عداد الكفر وفي عداد المرتدين؟ فقد بين العلماء أن من نواقض الإسلام تعلم السحر واستخدام السحر. يقول ربنا جل وعلا: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، إنما نحن فتنة فلا تكفر، إذا كان الكفر في حق من تعلم السحر، فكيف بمن تلوث به وكيف بمن استخدمه؟ فإنه في الكفر من باب أولى وأولى. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، قال المفسرون: أي ليس له في الآخرة من نصيب، وقال بعض السلف: ليس له في الآخرة من دين. فالساحر لا دين له ولا خلاق له ولا نصيب له، فإنه في عداد الكفرة. وقد قال العلماء: إن السحر أن الساحر إنما كان تكفيره يكمن في جهتين اثنتين: الجهة الأولى ادعاؤه لعلم الغيب، فإنه ما من ساحر إلا إنه يدعي علم الغيب بالإخبار عن ما قد حصل ووقع، والإخبار عن ما سيقع، بل ربما تعدى فأخبر بما في الصدور وما كان في المكنون، وهذا هو الكفر بعينه. قال سبحانه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾. والجهة الثانية التي كان بها كفر الساحر استعانته بالشياطين والعفاريت الذين لولا هم لما كان لسحره أثر ولا خبر، ولا يمكن لأي أحد من البشر أن يستعمل هذه المخلوقات الشريرة من العفاريت والشياطين إلا بالتقرب إليها بالطاعات والأعمال، أو بالاستهانة بشرائع الإسلام كاحتقار القرآن بتمزيقه وتحريقه أو برميه في الحمامات والقاذورات، أو بتلويثه بالنجاسات، قبحهم الله. فإن الساحر كلما كان أكثر كلما كانت الشياطين له أطوع وأظهر. فعلى هذا القول بأن السحر كفر، فإن أحكام الردة تنطبق عليهم، من إزهاق نفوسهم وضرب أعناقهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه». وقد توالت الآثار عن الصحابة الأخيار رضي الله تعالى عنهم بتطبيق حكم القتل على كل ساحر وساحرة. روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى بإسناد صحيح عن جندب الأسدي رضي الله تعالى عنه أنه مر على ساحر فقتله، وقال: «حد الساحر ضربه بالسيف». وفي لفظه: «حد الساحر ضربة بالسيف». وجاء عند أحمد وأبي داود من حديث بجالة رضي الله تعالى أنه قال: «كتب لنا عمر رضي الله تعالى عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة». قال بجالة: «فقتلنا ثلاث سواحر». وثبت أيضا عند عبد الرزاق وعند البيهقي بإسناد صحيح أن حفصة رضي الله تعالى عنها أمرت بقتل جارية سحرتها. فهكذا عباد الله هذا حكم الشرع في السحرة أن تقطع رقابهم وأن تزهق أنفسهم وأن تسفك دماؤهم. مع العلم أن هذه الأحكام هي أصلا مناط لولاة الأمور الذين يجب عليهم أن يتخذوا العقوبات الحاسمة والإجراءات الرادعة لفعل السحرة، لأنهم من المجرمين، بل هم والله من أعظم الناس جرما. فكم ساهموا في إزهاق الأرواح البريئة، وكم سلطوا شياطينهم على أجساد المسلمين والمسلمات فأذهبوا عقولهم ونغصوا عليهم حياتهم. ناهيك يا عبد الله عن تسلطهم على الأرواح وعلى الأجنة فأسقطوا الأجنة، وفرقوا بين الأحبة، وزرعوا العداوة بين أفراد الأسرة. ناهيك يا عبد الله عن نشرهم للكفر والشرك بين الأمة من تسويغ الذبح لغير الله جل وعلا. كم نعدد يا عبد الله وكم نحكي من الجرائم التي أوقعها هؤلاء المجرمون؟ فكان لزاما على كل ولي أمر وعلى كل فرد من أفراد الأمة أن يأخذ على أيديهم وأن يقف أمام هؤلاء بالمرصاد، فإنه شر ووبال على أمة محمد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد، فلزاما عباد الله في بيان هذه الظاهرة المشينة والدسيسة الخبيثة ألا وهي السحر، وكيف ينبغي على كل مسلم أن لا يتهاون بها ولا يتساهل في شأنها، فإنها من الأعمال الكفرية التي من ابتلي بها فإنه قد خرج من الملة، وليس محسوبا من عداد الأمة، بل قد أوبق دينه ودنياه. وعلينا أن نعلم عباد الله أن كل ما جاء في التحذير من السحر وأهله ليس مختصا فقط في السحرة، بل إن الحكم كذلك يشمل كل من رضي بالسحر، رضي بسحرهم، وأقبل عليهم، وتعاون معهم. وإن هذه المسألة لكم خفيت على كثير من الناس، فإن من أمثال هؤلاء الحمقى ممن هو يهرع ويسارع إلى أبواب السحرة والمشعوذين، هم السبب الأول في انتشار السحرة بيننا. فلولا اندفاعهم ولولا دفع أموالهم إليهم لما وجدنا ساحرا بين صفوفنا. فاسمع يا عبد الله إلى عظم الجزاء والعقوبة التي أعدها الشرع في حق من سولت له نفسه التكثير من سواد السحرة، إما بالذهاب إليهم أو الانطراح على عتباتهم. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مؤمن بسحر ولا قاطع رحم». هؤلاء الثلاثة هم من شرار خلق الله عند الله جل وعلا لخبثهم ودناءتهم. أوصد ربنا جل وعلا أبواب الجنة على وجوههم. ومن هؤلاء «مؤمن بسحر»، فإذا كان هذا حال من آمن بالسحر، فما ظنك يا عبد الله بالذي تعدى الإيمان والاعتقاد إلى استخدام السحر والخوض فيه؟ فإن أمره أشد وأنكى. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من تطير أو تطير له أو كهن أو كهن له أو سحر أو سحر له». تبرأ نبينا صلى الله عليه وسلم من اثنين: تبرأ من الساحر، وتبرأ للذي يتعامل مع الساحر. «ليس منا من سحر أو من سحر له»، فكل من طلب من الساحر أن يعمل له سحرا فإنه يدخل في المنهي ويدخل في الحديث. بل إن الأمر يعظم يا عبد الله إذا علمت أن الذهاب إلى الكهنة والتعامل معهم لربما يصل به الحكم إلى حد الكفر والعياذ بالله. ثبت في السنن قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم». من أتى أحد من هؤلاء الدجلة من أهل الشعوذة أو ساحرا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد. فإذا كان هذا حال من ذهب إلى السحرة، فكيف بمن استخدم السحر؟ فالأمر خطير عباد الله، الأمر إما دين وإما كفر. فالأمر ليس بتلك السهولة التي يدعيها الناس. وإنني في هذا المقام عباد الله أوجه كلامي إلى من ابتلي بالسحر وإلى من ابتلاه الله جل وعلا بهذا المرض وبهذه الظاهرة. عليك أولا يا عبد الله ويا أمة الله بالتحلي بالصبر، فإن هذا الداء وإن هذا المرض هو من عند الله جل وعلا هو الذي شاءه وهو الذي قدره. قال عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». فإن هذا الداء وإن هذا السحر لربما ما وقع فيك أو في أهلك وعيالك إلا أن الله جل وعلا أراد بهم خيرا، إما لرفع الدرجات أو لتكفير السيئات. والخيرة فيما اختاره الله جل وعلا لعباده. والأمر الثاني على من ابتلاه الله بالسحر عليه أن يحسن ظنه بالله، وأن يقوي قلبه بالله جل وعلا، فإياك والجزع، وإياك والهلع، وإياك يا عبد الله أن تسيء الظن بالله جل وعلا. فإن العبد كلما ازداد إيمانه وكلما قويت ثقته بربه، فإن الشيطان يضعف عنه. فإن الشيطان لا يتمكن منه، وأنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. أهل الإيمان وأهل التوكل ليس للشيطان عليهم سلطان. فالعبد كلما قوي إيمانه وكلما قوي اتصاله بالله جل وعلا، فإن السحر يضعف ويضعف. أما ترى يا عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لقوة إيمانه تهرب الشياطين من وجهه؟ ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثا عن تأثير السحر: «وإن سحرهم أي السحرة، وإن سحرهم إنما يؤثر في القلوب الضعيفة وفي النفوس الشهوانية». ثم قال: «ولهذا كان أكثر ما يؤثر في الصبيان والنساء والجهال وأصحاب البوادي ممن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد». انتهى كلامه رحمه الله. صدق الله، إن شياطين عباد الله ما تأسر إلا القلوب الضعيفة، كحال من ذكر رحمه الله تعالى. وثالثا على من ابتلاه الله جل وعلا بهذا الداء عليه أن يتخذ الطرق الشرعية في التخلص من هذه الظاهرة ومن هذه الآفة، وذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والرجوع إلى الرقية الشرعية، كما قال جل في علاه: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾. عليك يا عبد الله بالأذكار، عليك يا عبد الله بالأوراد، عليك يا عبد الله بقراءة القرآن، فإن ذلك من أعظم العلاجات نفعا لاستخلاص مادة الشيطان من بدنك وإخراجها من قلبك. وإياك يا عبد الله أن تذهب إلى السحرة أو تذهب إلى الكهنة لكي يفك عنك السحر، فإن هذا محرم، بل إن هذا الفعل أنك تفك السحر بالسحر عبارة على أنك تمهد للشياطين أن يدخلوا فيك دخولا بعد دخول. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. وقوموا لصلاتكم رعاكم الله.