كتاب الزكاة 2

الدرس في كتاب الزكاة 2، ألقاها

وصية النبي لمعاذ بن جبل ودعوته إلى اليمن

النبي أوصى معاذ بن جبل بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وإبلاغهم بفرائض الصلاة والزكاة، مع التركيز على العدل وعدم أخذ كرائم أموالهم. يبرز أهمية اختيار الأصلح للقيام بمهمات التعليم والحكم.

توجيهات النبي في الدعوة إلى الإسلام وفرض العبادات

شرح توجيهات النبي لمعاذ في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، مع التدرج في الدعوة وفرض الصلاة والزكاة، وتحذير من أخذ كرائم الأموال. يشدد على أهمية العدل في أخذ الزكاة.

تعريف مستحقي الزكاة والفقراء والمساكين

استدل العلماء على أن الزكاة تصرف في الفقراء، مع اختلاف في تعريف الفقير والمسكين. الفقير هو من لا شيء له، والمسكين من له شيء لا يكفيه، ويشمل هذا التعريف طلبة العلم والمحتاجين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: قال عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإنهم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنهم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإنهم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقي دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قوله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ما تقدم معنا مرارا، هو عبد الله بن عباس بن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى إليه الفتوى، وعلم القرآن في زمنه، رحمه الله ورضي الله عنه وارضاه، حتى كان يلقب بالحبر، ويلقب كذلك بالبحر، رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل. ومعاذ بن جبل رضي الله عنه وارضاه من كبار علماء الصحابة، بل الصح عن نبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معاذا يسبق العلماء برطوة»، أو وفي رواية: «أنه قال برمية حجر»، أن معاذا يسبق العلماء برمية حجر، وهذا يدل على أنه من أئمة العلماء، رضي الله عنهم وارضاه. لذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معلما وحاكما، رضي الله عنه وارضاه. قال: حين بعثه إلى اليمن، وهذا فيه دلالة إلى أن الأمير هو الذي يتولى بعث الناس أو من أراد إلى البلدان وإلى الأقطار للتعليم، وكذلك للإمارة، فهذه الأمور مخولة ومفوضة إلى الحاكم، ينظر من هو الأنسب. وفيه كذلك من الأمور والمسائل أنه ينبغي أن يختار في مثل هذه الأمور في أمور الحكم، وكذلك تعليم الناس، أن يختار الأعلم والأحسن، ومن عندهم خبرة في إدارة الأمور إلى جانب العلم. فمعاذ بن جبل رضي الله عنه وارضاه، كما أنه كان عالما من علماء الصحابة، بل من كبرائهم، كذلك كان ذو رأي سديد، وذو عقل راجح، لذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معلما وكذلك حاكما وقاضيا، رضي الله عنه وارضاه. قال: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب». قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا فيه توطئة، هذا الحديث فيه ماذا؟ في توطئة لمعاذ، رضي الله عنه وأرضاه، وتهيئة لمعاذ، رضي الله عنه وأرضاه. وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: فتأهب وتهيئ لأنك ستأتي على قوم هم أهل كتاب. قال: «فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله». وجاء في بعض الألفاظ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وهذا الحديث استدل به أهل السنة والجماعة على أن أول واجب على المكلف هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة، بإجماع سلف الأمة. قال: «فإنهم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة». قال علماء رحمهم الله تعالى: في قوله صلى الله عليه وسلم «فإنهم أطاعوا لك بذلك» هذا في التدرج في الدعوة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى هنا بفا الذي تفيده التعقيب. قال: «فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث أن الزكاة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أول الواجبات. لذا قرنها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بماذا؟ بالشهادتين وبالصلاة. قال: «فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قولهم: «فإنهم أطاعوا لك بذلك» أي أعطوك الزكاة كذلك على الوصف المذكور. قال: «فإياك وكرائم أموالهم». والكريمة من المال النفيسة، ذو الثمن وذو المكانة. قال علماء: ينبغي أن يأخذ الساعي الذي يبعثه الإمام من أوسط المال، ينبغي أن يأخذ الساعي من أوسط المال، إذا كان من الماشية يأخذ من أوسطها، وإذا كان من الزرع كذلك يأخذ من أوسطه، ولا يأخذ الأعلى، وكذلك لا يأخذ الأدنى، بل يعطى من الوسط. مسألة: هل يجوز إخراج المال إلى غير أهل بلد؟ في المسألة أقوال، فاستحب أكثر أهل علم ألا تنقل من بلدها. وذهب الحنابلة وبعض الشافعية إلى أنه يحرم نقلها من محلها، بل ذهب بعض الشافعية إلى عدم الإجزاء إذا نقلت. والصحيح الأول وهو أن أهل البلد هم الأحق لهم الأحقية في ذلك، فإن كانوا أغنياء أو قد كفاهم الأغنياء فلا بأس في هذه الحالة في نقل المال إلى غيرهم ممن دنى منهم أو قرب منهم. قوله: «تأخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» استدل به أهل العلم على أن الزكاة تصرف في الفقراء. وهل معنى هذا أن الفقراء هم وحدهم يستحقون الزكاة أم أن غيرهم يستحقونها كذلك؟ الجواب: أن غيرهم يستحقونها، فأصناف المستحقين للزكاة ثمانية، كما جاء ذلك موضحا مبينا في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال، أوصلها بعضهم إلى تسعة أقوال. منها أن الفقير أحسن حالا من المسكين، وهو قول أبي حنيفة وغيره. وذهب آخرون إلى العكس. والصحيح والله تعالى أعلم أن الفقير الذي لا شيء له، وكذا الذي ليس عنده ما يغنيه. والمسكين قالوا: من له شيء ولكن لا يكفيه. فعلى هذا الفقير أسوأ حال من المسكين، وهذا قول، كما تقدم معنا. قال: «تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». استدل به أهل العلم على أن الزكاة تصرف في الفقراء. وذكر بعضهم عن إمام مالك رحمه الله تعالى أنه حكى في ذلك إجماعا. مسألة: من هو الفقير والمسكين؟ اختلف أهل العلم من أهل الفقه وكذلك أهل اللغة في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال. قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: اختلف العلماء في حد الفقير الذي لا يجوز معه الأخذ بعد إجماع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم أن من له دارا وخادما لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة. قال: وإن كان له خادم يخدمه يقوم بأمره لا يستطيع أن يستغني عنه، كذلك يقال فيه بأنه فقير وأنه مسكين ويستحق الزكاة. ومن هذا الباب كذلك من كان مثلا في أيامنا هذا عنده سيارة يعمل عليها ولكنها لا تكفي أو تأتي به كما يقال تغنيه يومه فقط. فمثل هؤلاء كذلك يدخلون في جملة الفقراء وفي جملة المساكين. وإن كانت عندهم وظائف، يقول إنسان: فلان موظف كيف نعطيه الزكاة؟ فالجواب: أنه موظف ولكن عنده من المال إما أن يقال: أنه ما لا يكفيه، أو أنه يكفيه ما يقوته يومه فقط. فمثل هؤلاء كذلك يدخلون في جملة فقراء وفي جملة كذلك من المساكين. وأظهر من هذا ممن لم يكن عنده وظيفة ولا عمل، كحال كثير من طلبة العلم ونحوهم، فهؤلاء كذلك يدخلون في هذا المعنى في معنى فقراء والمساكين. والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على