الجواب الكافي 65

الدرس في الجواب الكافي 65، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

ارتباط ثناء الناس وذمهم باستقامة العبد

مدح الناس للعبد وثناؤهم عليه مرهون بطاعته واستقامته، فإذا عصى انقلب مدحهم ذماً. المحبة والبغضاء بيد الله فيُلقِي محبة الطائعين وبغض العاصين في القلوب، فعلى العبد مراقبة الله وعدم طلب ثناء الناس.

تأخر أثر الذنوب والمعاصي وقصة محمد بن سيرين

الذنوب والمعاصي قد لا يظهر أثرها فوراً بل يتأخر عقابها لسنوات كما في قصة محمد بن سيرين الذي أدرك غمه بسبب ذنب منذ أربعين سنة. يحذر من الاغترار بتأخر العقوبة مؤكداً حتمية وقوع آثار المعاصي وسلامة المبادرة بالتوبة.

إمهال الله للعصاة وخطر الاغترار بالحث على التوبة والقناعة

تأخير العقوبة ليس أماناً بل إمهال ورحمة ليرجع العبد، ويحذر من الاغترار بصحة البدن أو سعة الرزق. يؤكد أن الدعاء يرد القضاء المقيد وأن القلة الكافية خير من الكثرة الملهية مستدلاً بأقوال السلف والأحاديث.

الدعاء بالكفاية والصلاة على النبي ختاماً

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يرزقه الكفاية ويكفيه شرور الأمور. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الداء والدواء، جواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي": قال رحمه الله: "وذكر أيضا عن وكيع قال: حدثنا زكريا عن عامر قال: كتبت عائشة رضي الله تعالى عنها إلى معاوية رضي الله تعالى عنه: أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما". وهذا ذكره الإمام أحمد رحمه الله في كتابه "الزهد"، وفيه ما بعثت به أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، وكان مما نصحت به رضي الله تعالى عنها أن قالت: "فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما". والمعنى: أن الإنسان إذا كان على طاعة الله سبحانه وتعالى، وكان مستقيما على شرع الله، أحبه الناس، وصار يتنون عليه بالثناء الحسن وبالخير، ويشهدون له بذلك. لكن إذا تغير، فبدلا من أن كان طائعا مستقيما على شرع الله، عاد عاصيا وعاد مقصرا منفرطا، فإن ذلك المدح والثناء من الناس له يرجع ذما. فبعد أن كانوا يمدحونه ويثنون عليه، يرجعون يذمونه. لماذا؟ لأن مدحهم له وثناءهم عليه إنما بسبب طاعته، بسبب طاعته وبسبب استقامته. فلما لم يكن على هذا الحال وتغير، صاروا يذمونه. وهذا شيء واضح وواقع: الناس يثنون على العلماء لعلمهم، يمدحونهم ويثنون على الصالحين وعلى الخيرين، لكن إذا انتكسوا صاروا يذمونهم، بل ربما يسبونهم. لماذا؟ لأنهم غيروا. وأما ما دام الإنسان على الطاعة وعلى الاستقامة، فإن الله جل وعلا يجعل له القبول الحسن عند الناس، ويجعل له تلك البشارات العاجلة في الدنيا قبل الآخرة. لأن المؤمن، الله جل وعلا يجعل له من البشارات العاجلة في هذه الدنيا، وتلك عاجل بشرى المؤمن كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح. ومن عاجل بشرى المؤمن ما يثني به الناس عليه ويمدحونه. لكنه لا يرضى بذلك، ولا يطلب ذلك، ويسعى إليه لا، وإنما هو بعيد عن ذلك، ولا يطلب ذلك، وربما يمنع ذلك. ومع هذا يأبى الله إلا أن يجعل له على ألسنة الناس من الثناء والمدح الذي يستحقه، الذي ليس فيه شيء من الغلو، وكذلك المخالفة بشرع الله جل وعلا. وهذا مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مته الدنيا وهي راغمة، وهارب من الدنيا، ومتفرغ لطاعة الله، ولعبادة الله جل وعلا، ومع هذا يأبى الله إلا أن يجعل الدنيا تجري وراءه وتأتيه وهي راغمة، فيأخذ نصيبه منها، ويأخذ حظه منها بما يعينه على الاستقامة، وعلى الطاعة على شرع الله جل وعلا». وهذا مثل ما يلقاه الإنسان من الثناء من الناس، والمدح الذي لا يطلبه، بل هو يبتعد عنه وينهى عنه. ومع هذا يأبى الله إلا أن يجعل له من الثناء على ألسنة الناس، والمحبة في قلوبهم، بما هو من عاجل بشراه في هذه الدنيا لإيمانه وتقواه واستقامته على طاعة الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: "وذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر". ثم قال: "تدري مما هذا؟" قلت: لا. قال: "إن العبد يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر". وهذا الأثر مرسل؛ لأنه من رواية ابن أبي الجعد عن أبي الدرداء، وابن أبي الجعد لم يدرك أبي الدرداء. لكن ما ذكر فيه من معنى صحيح: فإن العبد الطائع، جعل الله جل وعلا في قلوب عباده المحبة له، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أحب الله عبدا نادى في السماء: يا جبريل، إن الله يحب فلانا فأحبه، فينادي جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض». وهكذا العكس: إذا كان العبد على معصية والعياذ بالله، وكان إذا خلا بمعاصي الله جل وعلا وبمحارم الله انتهكها، فهو يظن أنه لا يراه أحد من الناس، وهو كذلك لا يراه أحد من الناس، لكن يراه رب الناس جل وعلا. فهو ربما أمام الناس يظهر الاستقامة، ويظهر الصلاح، ويظهر التقوى، فيثني عليه الناس بما ظهر لهم من حاله، ومن كلامه وأقواله وأفعاله. فإذا خلا بالمعاصي، وخلا بالمحارم، انتهكها، فالله جل وعلا يلقي في قلوب العباد البغض له، فيبغضونه. لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، كما في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. فأنت يا عبد الله، اعلم أن القلوب بيد الله جل وعلا، الذي يجعل المحبة فيها لك هو الله سبحانه وتعالى، والذي يجعل البغض والبغضاء فيها لك هو الله جل وعلا. والله جل وعلا إنما يلقي في قلوب عباده المحبة لعباده الطائعين المستقيمين، الذين حالهم في السر كحالهم في العلن، وحالهم كذلك في السراء كحالهم في الضراء. فأما من اختلف حاله، فكان في حال العلن على حال من إظهار التقوى والصلاح، ولكن في حال الخلوة على خلاف ذلك، فالقلوب بيد الله، هو الذي يجعل المحبة فيها لعباده، وهو الذي يجعل في قلوب عباده البغضاء لعباده الذين قد خالف سرهم علنهم، وخلوتهم ما كانوا عليه في العلانية. لذلك يحرص العبد أن يجعل حاله في السر كحاله في العلن، لأنه يتعامل مع الله سبحانه وتعالى. والعبد لا يعامل ربه جل وعلا في العلن بحال غير الحال الذي يعامله به في حال السر. وإنما الواجب أن يعامل العبد ربه جل وعلا في السر والضر، في السر والعلانية، بإخلاص وصدق، لأنه هو جل وعلا الذي يطلع على السرائر، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والثناء من الناس إنما هو بسبب ما جعل الله جل وعلا في قلوبهم من المحبة لهذا العبد. وبذلك، لما جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد، إن مدحي زين، وذمي شين. قال: «ذاك الله، ذاك الله، فلست أنت إذا مدحت أحدا رفعته، ولا إذا ذممت أحدا وضعته، وإنما الذي يرفع ويخفض، ويعلي ويضع، هو الله سبحانه وتعالى، لست أنت». فلذلك، العبد يعامل ربه جل وعلا، ولا ينظر إلى الناس ليطلب ثناء منهم، أو مدحا، أو غير ذلك. فمدح الناس لا يقدم، وذمهم لا يؤخر، وإنما الذي يقدم ويؤخر، والذي يرفع العبد ويضعه، هو معاملته مع الله جل وعلا. قال رحمه الله: "وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن محمد بن سيرين أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة". وهذا الأثر فيه بيان أثر الذنوب والمعاصي، وإن كانت لا تكون في الحال، فالأثر قد يتأخر، وكما سيعقد لذلك فصلا رحمه الله فيما سيأتي. فالإنسان ربما يصاب بغموم وهموم، وغير ذلك مما يصاب به، فيفتش ويفكر: من أين هذا؟ من أين هذا؟ ربما هو في هذه الفترة على خير، مثلا على محافظة على الصلوات مثلا في جماعة، وعلى قراءة لكتاب الله، وعلى حضور للعلم، فيفكر في نفسه أنه في هذه الفترة، في هذا الشهر مثلا، أو في هذا الأسبوع، هو يرى نفسه بحمد الله أنه مجتهد في طاعة الله: صلوات جماعة، قراءة للقرآن، أعمال صالحات. ومع هذا يصاب بشيء من الهموم والغموم، فيقول: من أين هذا؟ وهذا قد يكون بسبب ذنب سابق، بسبب ذنب سابق، مخالفة سابقة، ربما مرت قبل شهرين، أو قبل ثلاثة، ولو قبل سنة. ربما يكون الذنب قبل سنة قد فعله، أو المعصية، أو المخالفة، لكن لم يجد أثر ذلك الذنب وتلك المعصية في ذلك الوقت، وفي ذلك اليوم الذي عصى فيه وخالف فيه. وليس معناه أن هذا الذنب قد لا يكون له الأثر فيما بعد، لا، بل ربما يكون هذا الذنب الذي لم يجد أثره العبد في ذلك الوقت الذي عصى فيه وخالف، قد يحصل أثره بعد. هذا معنى هذا الأثر عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: أنه ركبه الدين، يعني صارت عليه ديون، صارت عليه دين لفلان، ودين لفلان، ودين لفلان. وتعلمون: الدين هم، الدين هم حيان. لما تذكر الدين وأنت وأنت ربما على وشك النوم، طار النوم، طار النوم، ولا نوم، يفكر في هم الدين، فلان له دين، وإذا كان يطالبه، هذه مشكلة أخرى. نعم، فمعناه أن الدين هم وغم. فمحمد بن سيرين لما ركبه الدين، فكر: من أين هذا؟ من أين هذا؟ ثم قال: "إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة". أراد رحمه الله تعالى أن الذنب ربما يكون قبل أربعين سنة، ويكون أثره بعد أربعين سنة. حصل قبل أربعين سنة، لكن أثر هذا الذنب، هذه المخالفة، بعد أربعين سنة. وهذا من تواضعهم رحمه الله تعالى، ومن إنصافهم مع أنفسهم، لأنهم يعلمون أن ما يصابون به من هموم أو غموم أو غير ذلك، إنما بسبب شيء وقعوا فيه من تقصير أو تفريط أو ذنب، لأنهم لا يأمنون على أنفسهم الوقوع في المخالفة. فلذلك يعلمون أن ما قد يصابون به من تراكم الديون، ومن تتابع المصائب، أو كذا أو كذا، إنما هو بسبب تقصير، وبسبب ذنوب، وبسبب معاصي وقعت، ولو كانت قد مرت عليها كذا وكذا من الأعوام، لكن الأثر يبقى. وهذا يدلنا على أن المعاصي لها آثار، والذنوب لها آثار، إن لم تكن في العاجل فهي في الآجل. ما يدريك يا عبد الله، لعل أثر هذا الذنب الذي عملته اليوم أن يقع بعد كذا وكذا من السنين. ولذلك، يحذر الإنسان على الابتعاد من الذنوب والمعاصي، وعلى الاستغفار والتوبة إذا وقع فيها، ولا يصر على ذلك. قال رحمه الله تعالى: "قد لا يؤثر الذنب في الحال". قالوا: "ها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره، فينسى، ويظن العبد أنه لا يضر بعد ذلك، وأن الأمر كما قال القائل: إذا لم يغبر حائط في وقوعه، فليس له بعد الوقوع غبار". وسبحان الله، ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق! وكما زالت من نعمة، وكما جلبت من نقمة، وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلا عن الجهال. ولم يعلم المغتر أن ينقض، ولو بعد حين، كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل. قد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال: «اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم في الموت، واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم، واعلموا أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى». ونظر بعض العباد إلى صبي فتأمل محاسنه، فأتي في منامه وقيل له: «لتجدن غبها بعد أربعين سنة». هذا معنى للذنب نقدا معجلا لا يتأخر عنه. قال سليمان التيمي رحمه الله: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح عليه مدلته». وقال يحيى بن معاذ الرازي: «عجبتم من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء، ثم هو يشمت بنفسه! كل عدو، كل عدو له». قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يعصي الله، فيشمت به في القيامة كل عدو». قال ذو النون: «من خان الله في السر، هتك الله ستره في العلانية». هذا الفصل ذكره رحمه الله تعالى لبيان أمر يغلط فيه الناس ولا يفهمونه الفهم الصحيح، وهو أنهم ربما يفعلون الذنوب والمعاصي، فلا يجدون أثرا لهذا الذنب ولتلك المعصية في الحال، فيظن بهذا أنه إذن لا أثر لهذا الذنب ولتلك المعصية التي وقع فيها. ما دام أن الأثر لم يقع الآن، فهو قد خالف، وقع في معصية: سمع الحرام مثلا، أو قال الحرام، أو أكل الحرام مثلا، أو فعل كذا وكذا من الذنب والمعاصي، ولم يجد أثرا لهذا الفعل الذي فعله من الذنب والمعصية، فيقول: إذن لا أثر لهذا، لو كان لهذا أثر لحصل الآن، لحصل العقاب الآن. وهذا يقع عند الناس للأسف الشديد. فمثلا، على سبيل المثال، النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن أقواما يبيتون على غنى، على غنى، وعلى له، وعلى لعب، فيخسف بهم، يخسف بهم. أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام عن أقوام يبيتون في له، وفي غي، وفي لعب، فلا يصبحون إلا وقد خسف بهم. بعض الناس يقول: أنا البارحة من الساعة السابعة إلى الفجر ونحن في طرب، وفي له، وفي غي، ولا خسف ولا شيء. سبحان الله! وبعض الناس يقول: لو كانت سنة، فمن أمس لو فيه سنة من أمس. ومعناه أنه إذا كان هذا حقا لحصل. وهذا مسكين لا يدري أن الله جل وعلا قد لطف به، وقد رحمه، وقد أمهله لعله يرجع. فإن الله جل وعلا يمهل ولا يهمل. فلماذا لا يقول: لعل الله أمهلني؟ وناس لم يمهلهم، وناس باتوا على غي، وعلى غنى، وعلى له، وعلى لعب، فخسف الله بهم، لم يمهلهم. فأنا بحمد الله فعلت مثل ما فعلوا، ولم يقع بي مثل ما وقع بهم. لم يقل: الحمد لله، اللهم... كيف؟ كيف لو عاقبني بمثل ما عاقب أولئك، وأنا ممن يستحق ذلك، مادام أن هذا العذاب، هذا العقاب، قد وقع بأولئك؟ لكن الناس، عافانا الله، على جرأة عجيبة، وعلى غلو في الرجاء، وعلى استبعاد لأمور، مع أن النبي سلم قد ذكرها، ولا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وسلم: «وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى». لكن رحمة الله سبحانه وتعالى وإمهاله جل وعلا لعباده. وهكذا من يقع في الرشاوي، ومن يقع في السرقة، ومن يأكل الحرام، ومن ومن ومن يفعل كذا وكذا، ويقول: ما لم أجد أثرا لهذه الذنوب وهذه المعاصي، فأنا كما يقال على أحسن حال، صحتي على أحسن ما يكون، وكذا وكذا على أحسن ما يكون، وغير ذلك. والمسكين لا يدري أن هذه العقوبات قد أجلت، قد أجلت، أو أن الله أمهله لزيادة إقامة الحجة عليه. لأن الله جل وعلا إذا أمهل العبد، والعبد صار يتمادى على معاصي الله، ولم يعتبر، ولم يرجع، فإذا أخذه الله، أخذه أخذا عظيما، كما قال جل وعلا: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». فالإنسان إذا لم يجد أثرا عاجلا لما يقترف فيه من الذنوب والمعاصي، فلا يغتر، ولا يقول: نجوت، إذا لم يقع، إذا لم يقع أثر هذا الذنب وتلك المعصية التي وقعت فيها وعملتها الآن. فإذا لم يقع بعد ذلك، لا، لا تقل ذلك يا عبد الله، بل عليك أن تستغفر ربك جل وعلا، تتوب إليه، وترجع إليه، وتكثر من الاستغفار والدعاء، لعل الله جل وعلا يرد عنك ذلك القضاء، والذي هو، والذي منه أثر هذا الذنب الذي وقعت فيه وعملته، قد قضى الله جل وعلا أن يعاقبك، أن يعاقبك بكذا وكذا لما فعلت من ذنب ومعصية، لكن قدر الله جل وعلا بدعائك رفع ذلك القضاء. قد جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «لا يرد القضاء إلا الدعاء». وكله بقدر، وكله بقدر. لكن القدر على نوعين: قدر مطلق، وقدر مقيد بسببه. فمعناه أنه لا يقع إلا بسببه، قد يرفع بسببه، وكل ذلك بقدر الله جل وعلا. والحاصل: أراد ابن القيم أن يبين هذا الأمر الذي جهله كثير من الناس وغلطوا فيه، حيث ظنوا أن عدم وقوع آثار تلك الذنوب والمعاصي التي وقعوا فيها عاجلا، معناه أنهم قد نجوا منها، وأنهم في أمن وأمان من وقوعها فيما بعد. والأمر ليس كذلك، لأن العقوبة قد تعجل، قد تعجل، وقد تؤجل، قد تؤجل لك يا عبد الله. وإذا أجلت العقوبة لك في الدنيا، مع تأجيلها خير لك من أن تؤجل في الآخرة، من أن تؤجل لك في الآخرة. لأنك إذا، لأن الله جل وعلا إذا عاقبك في الدنيا، كان ذلك كفارة لك. لكن إذا لم تعاقب في الدنيا، فمعناها محسوب عليك في الآخرة، والعذاب الآخرة أشد وأبقى. فالإنسان يحرص على الأعمال الصالحات، وعلى الإتيان بما يكون كفارة له في الدنيا قبل الآخرة. ثم ذكر رحمه الله تعالى في ما ذكر ما جاء عن أبي الدرداء رحمه الله تعالى في هذه الوصية العظيمة، وهي أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، كما جاء النبي عليه الصلاة والسلام في بيان الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فيعبد ربه جل وعلا على مقام المراقبة، وأعلى منه مقام المشاهدة. وأن يعود نفسه، وأن يعود نفسه في الموت، يعني يتذكر الموت دائما، لأنه إذا أكثر من ذكر الموت، ولذاته الموت، كان هذا أدعى له عن البعد عن الوقوع في الذنوب والمعاصي. وأوصى رحمه الله تعالى بالقناعة، وأن القليل الذي يغني خير من الكثير الذي يلهي. وجاء بمعنى هذا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى». ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى. القليل الكافي، خير من الكثير اللهي. لأن القليل إذا كفاك، معناه أن الله جل وعلا بارك لك في هذا القليل، وكفاك. وأنت ماذا تريد أكثر من الكفاية؟ أنت يا عبد الله، ماذا تريد أكثر من الكفاية؟ طلبكم وطلوبكم الكفاية. إذا كفاك الله سبحانه وتعالى، الحمد لله، فلا تمد يدك إلى أحد، ولا تطلب من أحد شيء، عندك ما يكفيك. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «رحم الله امرأ، أو قال عليه الصلاة والسلام: قد أفلح من رزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه». هذا قد أفلح، هذا أمر متحقق، قد أفلح. حقق النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر، وهو الفلاح، لمن رزق كفافا، بمعنى عنده ما يكفيه، الحمد لله. الكثير يلهي، الكثير يلهي. إذا كان الكثير لا يلهي، فالحمد لله، ذلك فضل الله يأتيه من يشاء. كثير لا يلهي، فهو على ما هو عليه من طاعة واستقامة وعبادة، فلم يلهي عن طاعة الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. إذا كان المال سيلهي، لا خير فيه. قليل يكفي، ولا يلهي، ولا يلهي، خير من كثير يلهي. وهذا شيء واضح: أن من كثر ماله، إلا من رحم الله، من كثر ماله ألهاه. انظر في الناس، تأمل في مجتمعات أهل الإسلام، انظر ممن كثر ماله، ومن عنده الكفاية. فمن كفاه الله، فهو على خير، ليس عليه ذلك الذي عنده الكثير من المال. لأن الكثير، لأن الكثير ممن ألهاهم، ألهتهم أموالهم، كما قال سبحانه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. فالإنسان يبحث دائما عن الكفاية، ويسأل ربه جل وعلا الكفاية، يسأل ربه جل وعلا الكفاية. لأنه إذا سأل الكثير من المال، فهو لا يدري هل هذا الكثير من المال الذي إذا أعطاه الله جل وعلا فيه الخير له، أو ليس كذلك. ولكن إذا طلب الكفاية، فالحمد لله. فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الكفاية، ويكفينا، سبحانه وتعالى، الكافي. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.