الدرس في كتاب المعاملات 23، ألقاها
الوكالة هي تفويض شخص لغيره في أمر ما، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
الوكالة تصح في المعاملات والعبادات التي تدخلها النيابة، ولا تصح في العبادات التي لا تدخلها النيابة مثل الصلاة.
الوكالة عقد جائز يمكن فسخه، والوكيل أمين فيما وكل فيه ولا يضمن إلا إذا فرط أو تعد.
المقطع يشير إلى انتهاء الحديث عن مسائل فقهية معينة ويختم بالثناء على الله والاستغفار والتسبيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب السابع من كتاب المعاملات من كتاب الفقه المؤثر في ضوء الكتاب والسنة في الوكالة، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: تعريفها وحكمها وأدلة مشروعيتها. أولًا: تعريفها. الوكالة تفويض شخص غيره يقوم مقامه فيما تدخله النيابة. وهي هذا معناها. أو تعريفها شرعًا، وتعريفها لغة كذلك. الوكالة من وكل الشيء، وكله توكيلًا، أي فوضه. وتعريفها هنا كما ذكر: الوكالة تفويض شخص لغيره يقوم مقامه بأمر من الأمور التي تدخله النيابة. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أن الوكالة لها شروط لابد لها، وكذلك تكون فيما يدخله النيابة، فيخرج من ذلك ما لا يدخله النيابة، النيابة كما سيأتي معنا في بعض العبادات، فلا يصح فيها الوكالة. الثاني: حكمها وأدلة مشروعيتها. قال: وهي مشروعة. قال تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بوريقكم هذه﴾. الشاهد منه أن هؤلاء الذين كانوا في الكهف وكلوا أحدهم بإعطائه مالًا ليشتري لهم طعامًا. ﴿فليأتكم برزق منه وليتلطف﴾. الشاهد منه أنهم أعطوه مالًا وفوضوه بأن يأتيهم بطعام هو من أزكى الطعام بذلك المال، وهذا يدلنا على أن الوكالة كانت مشروعة فيما فيمن كان قبلنا. وقال جل شأنه: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾. فجوز سبحانه العمل عليها، أي في جمع الصدقات، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين، فهو كذلك تفويض من الإمام لأشخاص بأن يقوم بهذه الأعمال، أي بجب وجامع الصدقات، فهم وكل عن الحاكم في هذا الأمر. فالشاهد من الآية أن العاملين عليها ممن وكلوا بالقيام بأعمال، وهذه الأعمال من الأعمال الشرعية، وهي جمع الصدقات. وعن جابر رضي الله عنه قال: أردت الخروج إلى خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيت وكيلنا فخذ منه خمسة عشر وسقًا». وذكرها هنا. رواه أبو داود والدار قطني، وما يثير لي النظر في إسناده. وعن عروة بن الجعد قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب، فأعطاني دينارًا، فقال: «يا عروة، ائت الجلب فاشتر لنا شاة». الحديث، وهو في صحيح البخاري كما ذكر. والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد بأن يشتري له شاة. فإذا الوكالة مشروعة في الكتاب بدلالة الكتاب والسنة، وكذلك الإجماع. أجمع عليه سلف وعلماء الأمة. قال: وأجمع المسلمون على جواز الوكالة في الجملة؛ لأن الحاجة داعية إليها، فإنه لما كان لا يمكن لكل واحد فعل كل ما يحتاج إليه بنفسه، دعت الحاجة إلى مشروعيتها. فهي كما ترون مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. وكذلك من حيث النظر، فمن حيث النظر أن الناس يحتاجون إليها، ولا يستطيعون أن يستغنوا عنها. فالإنسان لا يستطيع بنفسه أن يقوم بجميع الأعمال، فيحتاج إلى من ينوبه ببعض الأعمال، يحتاج إلى من ينوبه ببعض الأعمال. وهذه الوكالة أن ينوبه بشراء شيء، ببيع شيء، بأخذ شيء، بإعطاء شيء، إلى غير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس في معاشهم وفي أمورهم. المسألة الثانية: شروطها والأحكام المتعلقة بها، أي المتعلقة بالوكالة. قالوا: يشترط في كل من الوكيل والموكل أن يكون جائز التصرف، بالغًا عاقلًا رشيدًا. إذن كما ترون هو عقد من طرفين: موكل ووكيل. عقد من طرفين: موكل ووكيل. موكل وموكل. لا بد أن يتوفر فيهم شروط، من هذه الشروط أن يكونوا جائزي التصرف، صحيحي التصرف. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الشخص عاقلًا، بالغًا، رشيدًا. فالعاقل هو الذي يعقل ما يقوم به من الأعمال، سواء كان الوكيل أو الموكل. وكذلك البالغ، خرج غير البالغ، وهو الطفل. وكذلك أن يكون رشيدًا، خرج السفيه؛ لأن السفيه لا يحسن التصرف بنفسه، بل يمنع ويحجر حتى يحسن التصرف في ماله، فهو لا يستطيع أن يوكل أو أن يكون وكيلًا؛ لأنه ليس برشيد، ربما وكل من ليس أهلًا. وإذا وكل فهو أصلا ليس بأهل في التصرف؛ لأنه سفيه، أي خلاف الرشيد. الرشيد في مقابله السفيه. الثاني: قال: تصح الوكالة في كل ما تدخله النيابة، أي من شرط الوكالة أن تكون في كل ما تدخله النيابة، كالبيع والشراء وسائر العقود والفسوخ، كالطلاق والخلع، كسائر العقود. أي عقد مثلا، يجوز التوكيل في عقد الإجارة، التوكيل في عقد النكاح، التوكيل في كذلك الوقف، في الوصايا، إلى غير ذلك من الأشياء التي يدخلها هذا المعنى في العقود، سواء كانت هذه العقود جائزة أو كانت واجبة. وكذلك يدخل في الفسوخ كما ذكر، كالطلاق، وكذلك الخلع، وكذلك فسخ البيع، فسخ كذلك ما يحتاج إلى فسخ من إجارة، من معاملة وقع فيها خداع أو نحو ذلك. قالوا: وكذلك تصح في كل ما تدخله النيابة من العبادات، أي كذلك تصح الوكالة فيما تدخله النيابة من العبادات، كإخراج الزكاة، فيجوز لإنسان أن يوكل إنسانًا بأن يخرج عنه الزكاة، زكاة ماله أو زكاة فطره أو ما شابه ذلك. يذهب إنسان إلى إنسان يعرف بالأمانة، فيقول له: هذه زكاة مالي، اخرجها عني، ضعها في أيدي المستحقين. هذه وكالة. أو يذهب إنسان عليه زكاة فطر، فيقول لإنسان: هذا مبلغ من المال، خذه واشتر لزكاة الفطر، وضعه في موضعه الشرعي. هذه وكالة. فهي تدخل كذلك في العبادات التي تدخلها النيابة وتصح فيها النيابة. قالوا: الكفارة كذلك، صح النيابة في الكفارة. إنسان عليه كفارة إطعام مثلا، أو كسوة مساكين أو ما شابه ذلك، فيقول إنسان: هذا مال والكفارة، وكلتك في الكفارة التي علي. يجوز كذلك. وكذلك النذر. وكذلك الحج، أي أن يوكل إنسان إنسانًا أن يحج عنه، كأن يكون ذلك الإنسان غير قادر على الحج، إنسان عاجز، لكن عنده مال يستطيع أن يحج به. على الصحيح من أقوال أهل العلم أن الوجوب قد يكون بالاستطاعة البدنية، وقد يكون بالاستطاعة المالية، وقد يكون بهما. فرب إنسان لا يستطيع بدنيا أن يحج، لكن عنده مال يستطيع أن يحج به، فيجوز له أن يوكل غيره بأن يحج عنه. وهذه من الوكالات المشروعة التي قد دلت الأدلة على جوازها، كما جاء في حديث ابن عباس وغيره في المرأة الجهنية التي حجت عن أبيها. الثالث: لا تصح الوكالة فيما لا تدخل النيابة من حقوق الله تعالى، كالطهارة والصلاة. أي أن العبادات التي لم تشرع فيها النيابة فلا يصح فيها الوكالة، مثل ما ذكر في الطهارة، لا يجوز لإنسان أن يقول لإنسان: تطهر وتوضأ نيابة عني. أو صلي نيابة عني، ولو كان عاجزًا، لا يصح هذا. بل جاءت الأدلة في مثل هذا أن الإنسان يتق الله عز وجل ما استطاع: «فاتقوا الله ما استطعتم». «صلي قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». وجاءت الأدلة على أن الصلاة لا تسقط على الإنسان على أي حالة كان، إلا أن يذهب عقله. أما ما دام أن عقله معه، فإن الصلاة واجبة. وكذلك الطهارة، يتطهر بالماء، يتوضأ بالماء، فإن لم يستطع ينتقل إلى ماذا؟ إلى التيمم. إن لم يستطع لأمر أو لآخر، يصلي صلاة فاقد طهورين، ولا تسقط عنه الصلاة. الرابع: يملك الوكيل من التصرف ما يقتضيه إذن الموكل، أو ما تعرف عليه الناس، بشرط أن لا يترتب على هذا الإذن ضرر بالموكل. معنى هذا أن الوكيل له أن يتصرف عن موكله في مأذن له، أي في حدود المأذن له. فإذا قال له مثلا على سبيل المثال: خذ هذه السلعة فبعها لي بألف ريال، ليس له أن يتصرف فيبيعه مثلا بثمانمائة ريال، ليس له ذلك. أو يقول له: خذ هذه السلعة فبعها بألف ريال، يأخذ سلعة أخرى فيبيعه له بألف ريال. لماذا؟ لأن هذا ليس مأذونًا له فيه. وتدخل كذلك من التصرفات ما كان يدخل في التصرفات ما جرى به العرف، مثلا قال له: خذ هذه السلعة فبعها لي، ما قال له بكم يبيعه. فذهب إلى السوق، سأل: كم سعرها؟ قالوا: كذا وكذا، فباعها بسعر السوق، على ما تعارف عليه الناس، وعلى الوجه الذي تعارف عليه الناس، هذا مأذون فيه؛ لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي. هذه قاعدة عند العلماء رحمهم الله تعالى: أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي. قالوا: بشرط أن لا يترتب على هذا الإذن ضرر بالموكل؛ لأن الأصل في الوكيل أنه مؤتمن، والأصل في ذلك أن يراعي الأحظ لموكله. فمثلا أعطاه موكله مبلغًا من المال، قالوا: اشتر لي سيارة بهذا المبلغ من المال. ذهب إلى معرض السيارات، وجد سيارة بهذا المبلغ، ووجد أخرى أحسن منها بذلك المبلغ، بنفس المبلغ. فالوكيل يحرص على أخذ ما كان الأحظ لموكله، لا يأخذ الأدنى؛ لأن هذا من تمام الوكالة، ومن تمام الأمانة عليه؛ لأنه مفوض عن صاحب المال في ذلك، أي كأنه هو صاحب المال. وصاحب المال لا شك أنه سيأخذ ماذا؟ الأحظ والأفضل. الخامس: لا يصح للوكيل أن يوكل غيره، إلا إذا أجاز له الموكل ذلك، أو عجز الوكيل عن العمل، أو كان لا يحسنه، فيوكل أمينًا يقوم مقامه فيما وكل فيه. معنى هذا أن الأصل أن الوكيل لا يوكل غيره، إلا بإذن. زيد وكل عمرًا بأمر، الأصل أن عمرًا يقوم بهذا العمل ما استطاع. عجز عن ذلك، يقول صاحبه: ما استطعت، انظر غيري. ليس له أن يوكل غيره، ولا سيما وهو يستطيع أن يتوصل إلى الموكل. إلا في حالات منها أن يكون لا يستطيع التوصل إلى الموكل الأول، أو أنه يعلم أن مثل هذا مما يأذن فيه، كأن يكون الآخر أفطن منه، وأكثر خبرة منه، وأكثر مثلا معرفة بالناس منه، فهذا جائز. وكذلك رجل مؤتمن، أمين، وما شابه ذلك. فهذه كذلك من الأمور التي قد إن احتاج إلى أن يوكل غيره في مثل ذلك لا بأس. أو أن يعجز ولا يستطيع أن يرجع إلى صاحبه، يعجز، لكن لا يستطيع أن يرجع إلى صاحبه، ويخبره بأنه ما استطاع، فيوكل غيره بذلك العمل. السادس: الوكيل أمين فيما وكل فيه، لا يضمن إلا إذا فرط أو تعد. هذا أمر أيضًا: أن الوكيل أمين. ومعنى الوكيل أمين: معنى أنه إذا وقع منه خلل أو نقص أو ضياع لما وكل فيه، فإنه لا يضمن. يعني مثال ذلك كما ذكرنا: رجل أعطي أو وكل إنسانًا بأن يوصل له سيارة مثلا من المهرة إلى عدن. الرجل يمشي في الطريق، حصل له حادث. هل يضمن السيارة؟ يقول له: أنا أريد سيارتي. ما يضمن. متى يضمن؟ يضمن إذا تعد أو فرط. إذا تعد أو فرط بنوع من أنواع التعدي، أو التفريط إذا وقع منه التعدي أو التفريط، ضمن. وأما إذا لم يقع له شيء من هذا المعنى، لا تعد ولا تفريط، فإنه لا يضمن؛ لأنه أمين. السابع: الوكالة عقد جائز، لكل من الطرفين فسخه. والعقود الجائزة الأصل فيها أنها ليست مرزمة للطرفين، بل هي جائزة. بمعنى أن الوكيل لو شاء أن يفسخ العقد فسخه، والموكل إن شاء فسخ العقد كذلك فسخه. الثامن: تبطل الوكالة بموت أحد الطرفين، أو جنونه، أو فسخه لها، أو عزله من قبل الموكل، أو الحجر عليه لسفهه. معنى هذا أن الوكالة متى بطلت بهذه الأشياء بشيء منها، فإن الوكيل لا يصح له أن يتعامل بشيء من المعاملات التي كان قد وكل بها؛ لأن عقده قد انقضى وانفسخ، فلا يجوز له أن يتعامل بذلك العقد بعد انفساخ العقد. وكل معاملة تعامل بها بعد انفساخ العقد، فإنها غير معتبرة. وتحت هذه المسائل وفروع ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الله أكبر.