الدرس في كتاب المعاملات 24، ألقاها
الكفالة هي التزام بإحضار شخص عليه حق إلى مجلس الحكم، بينما الضمان هو التزام بإحضار الحق المالي. تختلف الكفالة عن الضمان في كون الأولى تتعلق بإحضار الأشخاص والأخيرة تتعلق بالحقوق المالية.
الكفالة والضمان من عقود التوثقة الجائزة والمستحبة، وتستخدمان لضمان حقوق الدائن وتسهيل حصول المدين على المال. يجب استخدامها بحذر وعدم الإضرار بالغير.
العرف يلعب دورًا هامًا في تفسير العقود، حيث تعتبر المعاني التي يفهمها الناس من الألفاظ المستخدمة في العقود. كما أن الإحسان من خلال الكفالة والضمان يساهم في تيسير الأمور وتخفيف الضرر عن الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فأولًا: بالنسبة لما مضى معنا في الدرس الماضي في حديث جابر في باب الوكالة، هو قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا أتيت وكيلى فخذ منه خمسة عشر وسقًا». الحديث كما ذكر في سنن أبي داود وغيره، وضعفه العلامة الألبانى رحمه الله، فهو حديث ضعيف. الباب الثامن في الوكالة والضمان، وفيه مسائل. المسألة الأولى: في معنى الكفالة وأدلة مشروعيتها. أولًا: تعريفها. الكفالة هي التزام إحضار من عليه حق مال لربه إلى مجلس الحكم. الكفالة هي التزام إحضار من عليه حق مال لربه، أي لصاحبه. فإذا المقصود من الكفالة هو إحضار بدلا من عليه الحق إلى مجلس الحكم. وبعض العلماء رحمهم الله تعالى عرف الكفالة، فقال: التزام أو التزام جائز التصرف، إحضار بدلا من عليه الحق. وعرف بتعريف ثالث، فقيل: هو إحضار من يصح ضمانه، حتى تدخل الأعيان المضمونة كالعواري على القول بأنها مضمونة بكل حال، والمغصوب، وعهدة البيع، وضمان التعدي في الأمانات، وما شابه ذلك، وما كان في معناه. والفرق بين الكفالة والضمان أن الكفالة التزام إحضار بدلا المكفول، الكفالة إحضار البدل. وأما الضمان فالتزام إحضار الحق، التزام إحضار الحق، أي الحق المالي. فالفرق بين الكفالة والضمان أن إنسانًا لو كفل إنسانًا، على سبيل المثال، حصل من إنسان تعد، فمثلًا سجين، فيأتي إنسان يقول لهم: أخرجوه، ومتى ما أردتموه أنا له كفيل، أنا سأتي به. هذا يسمى ماذا؟ إحضار البدل، تسمى كفالة في إحضار البدل، تسمى كفالة. بخلاف ما إذا كان في حق مالي، يعني مثاله: رجل استدان من رجل مالًا، فقال له: لا أعطيك حتى تأتيني برهن أو تأتيني بضامن، فيحضر له ضامنًا يقول له: أعطه، وحقك إن لم يأتك فإنك تعرفه مني. فإنك تعرفه مني. فإذا الضمان يكون في الحقوق المالية، والكفالة تكون في إحضار الأبدال. وعلى هذا: أيهما أشد؟ إحضار أو أن يكون ضامنًا للمال، أو أن يكون ضامنًا للبدن؟ أي بإحضار البدن، لا شك ولا ريب أنه باعتبار إحضار أو ضمان المال أشد. بخلاف إحضار أو إيجاد وتوفير البدن متى شاء. نعم، هو فيه مشقة، لكن في الوقت نفسه ليس على من ضمن الغرامة، بخلاف الضمان إذا لم يأت به صاحب الحق أو الذي عليه الحق، فإنه يكون على ضامنه أن يؤدي الحق. يعني مثال ذلك كما سمعتم: رجل ذهب إلى رجل فاستدان منه مئة ألف، عندك رهن؟ قال: عندك من يضمن؟ قال: نعم، عندي زيد من الناس يضمنني. جاء بزيد وهو رجل معروف، قال: أنا أضمنه. مضت المدة وحل الأجل، وليس عند الرجل مال يؤديه، فصاحب المال الذي هو صاحب الحق يذهب إلى الغريم: ائتني بمالي. إذا قال: ما عندي الآن، يرجع إلى من؟ إلى الضامن، يرجع على الضامن، فيطالب الضامن بالحق كما يطالب صاحب أو من استدان منه بالحق، فله المطالبة من هنا ومنها هنا. الكفالة والضمان كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هي من عقود التوثقة. الكفالة والضمان من عقود التوثقة، فكما مر معنا أن الرهن من عقود التوثقة، وكذلك الكفالة في إحضار الأبدان، وكذلك الضمان في إحضار الأموال. إذن عقود التوثقة قد تكون برهن، وقد تكون بكفالة، وقد تكون بضمان، وهي من العقود الجائزة. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنها من حيث الحكم، أي الكفالة، وكذلك الضمان، مستحبة. الكفالة والضمان مستحبة؛ لأنها من باب الإحسان. يعني تصور أن إنسانًا حصل له أمر فأراد أن يستدين من إنسان، ولكن ليست له وجاه عند الناس، يذهب إلى فلان يقول: ما عندي، يذهب إلى الآخر يقول: ما عندي، يذهب إلى الثالث: ما عندي. فأتي رجل محسن فيقول لصاحب المال: أعطه وأنا أضمنه، أعطه وأنا أضمنه. فهذا من باب الإحسان، من عقود الإحسان. وكما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا الباب كما سمعتم وذكر أن الأصل فيه أنه من باب الإحسان، لكن ينبغي للإنسان أن ينظر فيمن يكفل، وفيمن يضمن. والقاعدة: لا ضرر ولا ضرار. أن يكفل رجل يرى عليه سيمة الخير، يعرف أنه إذا وعد سيأتي بالحق على وجهه. وهكذا. لكن إن كان من إنسان قد عرف منه التلاعب، وعرف منه التفريط، وعرف منهم تضييع الحقوق، وما شابه ذلك، فمثل هذا لا يضمن ولا يكفل؛ لماذا؟ لأن كفالة مثل هذا النوع فيه إعانة له على الباطل والشر، وعلى إتلاف أموال الناس، وكذلك على إيصال الضرر على ذلك الضامن. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». في الحديث الذي رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو حسن بمجموع طرقه، وبعض أهل العلم حسن بعض طرقه لذاتها. فالحاصل أنه من الأصل في هذا الباب، في هذا العقد، أنه من العقود الجائزة، وكما سمعتم أنه من باب الإحسان والفضل، من باب الإحسان والفضل، وهو من باب تكافل أهل الإسلام بعضهم لبعض. أدلة مشروعيتها، أي الكفالة، قالوا: وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أي كفيل ضامن. وقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾، أي كفيل. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «العارية مؤداة والزعيم غارم والدين مقضى». والحديث صححه العلامة الألبانى رحمه الله تعالى، وقد مضى معنا. قالوا: فالزعيم هو الكفيل، والزعامة الكفالة. وقد أجمع العلماء على جواز الكفالة لحاجة الناس إليها، ودفع الضرر عن المدين. وكما ذكر ومر معنا أن الكفالة في إحضار بدن من عليه الحق، الكفالة إحضار بدن من عليه الحق، بخلاف الضمان فإنه ضمان الحق لمن عليه الحق، ضمان الحق لمن عليه أو لمن له الحق كما تقدم ذكره. لكن بعض الناس إما لأمر أو لآخر، إما لبعدهم عن الألفاظ الشرعية أو بسبب بعدهم كذلك عن المقاصد، ربما أطلقوا الضمان مكان الكفالة والعكس. وإذا كان هذا أو تلك الألفاظ المذكورة بينهم صارت عرفًا بين الناس أن يطلقون الضمين على الكفيل، والكفيل على الضمين، وما شابه ذلك، فإن العبرة بما تعارف عليه الناس في عقودهم. وقاعدة عند العلماء رحمه الله تعالى أن المقصود في العقود معتبرة. القاعدة عند العلماء في هذا الباب وغيره أن المقصود، ومعنى المقصود أي القصد والإرادة في العقود معتبرة، والعادة محكمة. فالشاهد أن إنسان لو أن إنسانًا استدان من إنسان مالًا، فقال إنسان لإنسان: أنا أكفله. وكان في عرفهم أنه إذا قال: أنا أكفله، بمعنى أنا أضمنه، يعني المال إذا ما أتى به فهو علي. واضح. جماعة عملاء يقول: لو أنا أكفله، لكن قصدهم وتعارف الناس وتعارف المخاطبون بهذا أن قوله: أنا أكفله، بمعنى أنا أضمن المال الذي عليه. فهل ها هنا إذا حل الأجل يكون الرجل مطالب بإحضار البدن، بدن ذلك الذي عليه الحق، أو مطالب بإحضار الحق؟ واضح. يصور. جماعة عملاء يتقدم. معنا نعيد ونكرر أن الفرق بين الكفالة والضمان أن الكفالة إحضار بدلا من عليه الحق. يعني على سبيل المثال نتصور الآن أن إنسانًا ذهب إلى إنسان، قاله: يا فلان أعطنى مئة ألف دين. واضح. لا. جماعة. أم لا؟ قاله: لابد أن تأتينى برجل يكفلك. ومعنى يكفلك ها هنا أي أنه متى ما طلبت منه أن يحضرك أحضرك. هي تسمى كفالة. فعلي أن يحضر البدن، أما الحق ما له دخل. متى ما أحل الأجل قاله: هذا صاحبك، وخذ منه مالك. أما الضمانة أن يضمن المال، أن يضمن الحق، أن يضمن الحق. قلنا: لو أن ناسًا في عرف ما كانوا يطلقون الكفالة على الضمان، يتوسعون في الألفاظ، فإذا أطلقوا الكفالة إذا قالوا: أنت تكفله، بمعنى أنت تضمنه. ومعنى هذا أنه متى ما حل الأجل أنت مطالب بالحق، ليس مطالبًا بإحضار البدن، بل مطالب بإحضار ماذا؟ المال والحق الذي على ذلك الذي ضمنته. إذا كان في عرف هؤلاء الناس أن هذه الألفاظ تطلق على هذه المعاني، فالمعاني معتبرة. إذا كان عرفًا لهم. فالمعاني معتبرة. وكما تقدم معنى أن المقصود في العقود معتبرة، والعادة محكمة. قالوا: وقد أجمع العلماء على جواز الكفالة لحاجة الناس إليها كما تقدم. رب إنسان يكون محتاجًا وهو عفيف، لكن ليس هو من الناس المعروفين بين المجتمع، عنده وجاه عنده معرفة بالناس، ربما يذهب إلى فلان يطلب منه دينًا فلا يجد، وآخر لا يجد، وآخر لا يجد. لكن هناك من أهل الخير ممن يعرفه أنه رجل عفيف وأنه وفي فيقول لصاحب المال أو للتاجر الفلان: أعطه وأنا أضمنه، أعطه وأنا أضمنه. فهذا من باب الإحسان. وكذلك لدفع حاجة الناس والضرر الذي ربما نزل ببعض الناس، فيحتاجون إلى ماذا؟ إلى من يضمنهم. يعني بعض الناس. وتعرفون في هذه الأزمان الذي كثر فيها ما كثر من حاجة الناس. رب إنسان يدخل معه المريض إلى المستشفى، ولا سيما إذا كانت من المستشفيات الخاصة، يخرج فيأتوا بالفاتورة: عليك كذا وكذا ألف، وما عنده مال. فيأتي إنسان من أهل الخير فيقول: أنا أضمنه. أخرج مريضه. بعضهم يقول: ما نخرج المريض إلا بماذا؟ إلا بدفع المال. فيأتي بعض أهل الخير فيقول له: أخرج مريضه وأنا أضمنه لكم خلال ثلاثة أيام، خلال أسبوع سأتيكم بالمال، وإلا فأنا ضامن عنه. فهذا من أبواب الإحسان الذي به تدفع حاجات الناس، ويدفع به ما قد ينزل بهم من الضرر. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.