الدرس في أداء الحقوق 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الخطيب بالحديث عن قواعد عامة في تأدية حقوق المسلمين لبعضهم، مؤكدًا أنها واجبة وليست مندوبة. يشير إلى أهمية استلهام هذه الحقوق من الشريعة وليس من نظم إقليمية أو أهداف حزبية.
يؤكد على وحدة المسلمين ورابطة الأخوة بينهم مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشير إلى أهمية هذه الرابطة في تعزيز القوة والوحدة بين المسلمين.
يشدد على أهمية الأخوة الإسلامية في معاملة المسلمين لبعضهم البعض كإخوة، ويشير إلى الأحاديث النبوية التي تحث على ذلك وتوعظ من يهجر أخاه المسلم.
يختتم الشيخ درسه بالإشارة إلى متابعة الدروس القادمة ويتوجه بالدعاء إلى الله أن ينفع بما قاله، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله وتغطية في هذا المقام، وهي متابعة لما مر ذكره في دروس ماضية حول الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلم لإخوانه المسلمين. وكنا بصدد ذكر قواعد عامة ينبغي التنبه والتأمل فيها حتى تسير الأمور في نصابها، كما أراد الله جل وعلا. فكان مما ذكرنا ينبغي أن نعلم أن حقوق المسلم على إخوان المسلمين هي من الواجبات، فليست هي من فضول الأعمال أو أنها من المندوبات النوافل، بل هي واجب من الواجبات، لو ربما التقصير فيها يعرض المسلم إلى غضب الله جل وعلا. والقاعدة الثانية التي ذكرت في هذا المقام كذلك أن المسلم عندما يؤدي الحقوق لإخوانه المسلمين، لن يكون ذلك مستوحى من الشريعة، لا عن طريق نظم إقليمية أو أهداف حزبية أو ظروف طائفية تملي عليك إملاءات في معاشر الناس، وإنما المسلم ينطلق في تأدية الحقوق من حيث الناحية الشرعية. القاعدة الثالثة علينا أن نبين لإخواننا في الله أن تأدية الحقوق للمسلم لإخوانه المسلمين ليست فقط فيها فوز الآخرة، بل فيها كذلك حظ الدنيا. وينبغي كذلك التأمل في حظ الدنيا، أعظم نعمة يجدها المسلمون في تأدية الحقوق بعضها لبعض، أنهم يصيرون قوة قوية كامنة، بإمكانهم باعتصامهم وباعتضادهم بعضهم لبعض، أن الله جل وعلا ينصرهم على عدوهم. وهذه المسألة، إخواني في الله، وهذه لفتة للأسف خفيت على كثير من الناس، تجد أن بعض الناس أن الحظ الدنيوي المرجو من الاتحاد بين المسلم مع أخيه المسلم إنما يكون بتوفير رغد العيش أو بتوفر ترف الحياة. فبعض الناس إذا تم تأدية الحقوق وضم بعضهم لبعض، ثم ما وجدوا شيئًا من ترف العيش ومن غدق الحياة، لربما طالبوا بالانفصال، لماذا؟ لأنهم ما وجدوا الذي يرجونه وهو ترف الحياة، وهذا غلط. الاتحاد والوحدة وتأدية الحقوق بعضًا لبعض إنما الذي يرجى منه القوة، والقوة وهي ظاهرة لا محالة. قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾، معنى الريح هنا كما قال المفسرون هي القوة، فبذهاب القوة وبذهاب هذه الرابطة بين المسلمين فإن القوة تذهب. وللأسف نجد أن بعض الناس، وخاصة بل حتى بعض من ينتسب إلى الفكر والدعوة، ترى يتكلم بهذه العبارات بأننا ما وجدنا من هذا الاتحاد ذاك الترف، وما وجدنا بذخ الحياة، ما وجدنا الترف المعيشي. وهذا ليس مقصود المقصود من اتحاد المسلمين بعضهم لبعض هو وجود القوة، وبانعدام ذلك يظهر الفشل الزريع بين المسلمين. كذلك مما يذكر العلماء من القواعد العظيمة في باب تأدية حق المسلم لإخوانه المسلمين، أن يعلم ما هي الرابطة التي تربط هذا بذلك. ربنا جل وعلا ارتضى للمسلمين رابطة عظيمة، رابطة مقدسة منزهة مشرفة، أنزلها ربنا جل وعلا من ثماواته، ألا وهي رابطة الأخوة في الدين. قال جل في علاه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، فالمسلمون والمؤمنون مهما تناءت بهم الديار واختلفت عنهم الأبشار وتباعدت عنهم الأسفار، فهم إخوة لك، كل من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيًا ورسولًا فهو أخ لك، شئت أم أبيت. وربنا جل وعلا امتن على عباده إذ جعل هذه الرابطة تدوم بينهم، قال جل وعلا: ﴿واذكروا إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾، نعمة من الله جل وعلا يمن الله جل وعلا بها على أهل الإيمان أن جعلهم إخوة في هذا الدين. فربنا واحد، وكتابنا واحد، وشريعتنا واحدة، وقبلتنا واحدة، فبهذا الدين اجتمعنا. ومن تأمل في نصوص الكتاب والسنة يجد تلكم الأدلة الكثيرة المتكاثرة التي فيها تأصيل لهذه الرابطة. تجد أن الشرع إذا أراد أن يعبر عن علاقة المسلم مع المسلم يعبر عنه برابطة الأخوة. قال سبحانه وتعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾، وقال سبحانه: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾، وقال سبحانه: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم»، وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن أخو المؤمن»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يشر أحدكم على أخيه بسلاح»، وقال عليه الصلاة والسلام في ذكر الغيبة: «ذكرك أخاك بما يكره»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يخطب المسلم على خطبة أخيه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه»، أحاديث كثيرة جدًا. تجد أن الشريعة تقرر أن رابطة المسلم مع المسلم هي رابط أخ مع أخيه. بل ما هو أعظم من ذلك، أعظم من هذه الرابطة، أعظم من هذا الوصف، أن الله جل وعلا ربما ذكر هذه الرابطة جعلها كرابط النفس الواحدة. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد»، والقرآن جاء بهذا التعبير يعبر أن علاقة المسلم مع المسلم علاقة أنت مع نفسك، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾، على صح التفاسير للعلماء في هذه الآية، معنى ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ أي لا تلمزوا إخوانكم. ربنا جل وعلا سمى أهل الإسلام أنت منعت عن لمزهم سمعهم بنفس، كأنك تلمز نفسك، وهو الحقيقة تلمز أخاك. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم﴾، ما المقصود بالنفس هنا؟ قال علماء: ﴿ولا تخرجوا أنفسكم﴾ أي لا تخرجوا إخوانكم، سماهم ربنا جل وعلا بالنفس لبيان أن المسلم مع المسلم عبارة عن نفس واحدة. وقال سبحانه وتعالى: ﴿لو إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا﴾، قال أهل التفسير: أصح التفسير عند هذه الآية ظن المؤمنون والمؤمنات أي بإخوانهم خيرًا، سمى ربنا جل وعلا الإخوة أهل الإسلام الطرف الثاني سماهم نفسًا، كأنك يا عبد الله عندما تتعامل مع المسلمين كأنك تتعامل مع نفسك. فبالله عليكم إخواني في الله، إزاء هذه الآيات وهذه الوصف الدقيق، أن الله جل وعلا يمثل علاقة المسلم مع المسلم علاقة النفس، علاقة المسلم مع المسلم علاقة أخ مع أخيه، هل واقع الناس الآن على هذا الرابط؟ هل الناس عندما يتعاشر بعضهم مع بعض هم على هذه الفهم؟ أنك عندما تعامل الناس تعامل إخوة لك، الحقيقة إخواني في الله على خلاف ذلك، الأمور على خلاف ذلك، الواحد منهم لو جلس مع أهل بيته أو جلس مع إخوانه من حسبه ونسبه، لو ربما ألان جانبًا وأطلق فعالًا وأقوالًا، لكنه إذا خرج إلى من لا يعاشر في النسب والحسب تغير حاله، ساءت أخلاقه، ساءت أفعاله، تراه يتهجم، تراه يتغطرس. فهذا معنى أنه ما استشعر، وللأسف مثل هذه الآيات والأحاديث تمر علينا صباحًا ومساءًا، تمر على الصغير والكبير، نقرأ الأخوة أخيك أخاه، لكن لا جدوى لها في واقع العمل. تجد أن بعض الناس إذا تعامل مع بعض إنما على أطر يجعل هذه العلاقة علاقة الود والمحبة على أطر إما على إطار حزبي أو إطار طائفي أو إطار مناطقي. كل ذلك إخواني في الله خلاف ما أمر به الشرح، كل من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا ينبغي أن يعامل معاملة الأخ، معاملة الأخ بغض النظر عن لهجته، بغض النظر عن حسبه، بغض النظر عن نسبه. وهذا هو الشرع العظيم شدد العقوبة في حق من سعى إلى فصم هذه العلاقة، إلى قطعها، إلى بترها، إلى إلغائها من أي جهة كانت. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث»، يعرض هذا ويعرض ذاك، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام. لا يحل، الشرع راعى الحالة النفسية، قد يكون بين المسلمين ما يقع من سوء الفهم أو سوء التصرف أو بعض المشكلات التي تقع في النفوس، فراعى الشرع حالة البشر وانطباع البشر وانفعالات البشر، فجعل ثلاث أيام هذه فترة نقاها وتأمل وصفاء النفس، وبعد ذلك لا يغتفر لأي أحد يتمادى في العداوة بين إخوانه. وهكذا ما جاء في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا». وهكذا ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه». من هجر أخاه ليس المقصود بالأخ هنا أخ الحسب والنسب، لا يا عبد الله، بل إخوانك المسلمين، من كان من جيرانك فهذا أخ، من كان من أصحابك فهذا أخ، أو كان من عامة المسلمين في شرق الدنيا وفي غربها وفي شمالها وجنوبها، كل من كان من أهل الإسلام فهذا أخ لك، شئت أم أبيت. كونك تتمادى في معاداته وعدوانه على حظ من حظوظ الدنيا وحظ من حظوظ النفس، فإن إثم يعظم. قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، فينبغي إخواني في الله أن نستشعر عظم هذه الرابطة. والناس إذا استشعروا هذه الرابطة، حينها الحقوق ستؤدى والحقوق ستأتي. لكن نستشعر بها، ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة: «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تناجشوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا». ستأتي إذا استشعرنا بمقام الأخوة، وأن الذي تتعامل معه في السوق أو تتعامل معه في بلدك أو تتعامل في خارج بلدك من أهل الإسلام، إذا كنت استشعرنا هذا أخلاق ستأتي، هذه الحقوق عدم مقاطعة، عدم المدابرة، عدم الضغينة، عدم المناجشة، عدم البيع على بيع أخي، وهكذا ستأتي. ولهذا فما يتأتى إخواني في الله، ولا يمكن أن يؤدي المسلم حق إخوانه المسلمين إلا إذا استشعرنا بعظم هذه الرابطة. قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن أخ المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه»، متى ما جاءت هذه الرابطة استشعرنا بعظم هذه الرابطة لتربطنا بين بعضنا ببعض، حين ستؤدى الحقوق كما أراد الله جل وعلا. وهذا طبعًا ليس خاصًا بمعشر الرجال، بل وكذلك معشر النساء، المرأة تستشعر أن جارتها التي بجانبها أو التي بعدت أو التي قربت أو كانت من المسلمات فهي كذلك من أخواتها، ينبغي أن تستشعر بعظم حقها عليها، فتؤدي حقوق المسلمين، وكل يؤدي حقه لبعضه لبعض. هذه إخواني في الله لم يتعلق بهذه القاعدة، وتتبع إن شاء الله بقاعدة أخرى عظيمة، وهي قاعدة لابد أن تذكر، وهي أن نعلم أن نتائج الحقوق للمسلمين بعضهم لبعض هذا في الأمر العام، لكن هناك تفاصيل، تفاصيل أن بعض لا يستحق أن يعامل هذه المعاملة، وذلك لبعده عن دين الله، فينقص من حقه ومن تأدية حقوقه على قدر نقصانه لدين الله جل وعلا قربًا وبعدًا. وهذا سيكون إن شاء الله في درس غد إذا يسر الله أو بعد غد. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.