شرح قرة عيون الموحدين 87

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 87، ألقاها

مقدمة في مناسبة ذكر التصوير

التصوير يعتبر تشبها بفعل الله تعالى وقد يؤدي إلى الشرك، وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن هذا الباب في كتاب التوحيد لبيان مخالفته للتوحيد.

تحريم التصوير وتشبيه المصورين بخالق الله

يناقش تحريم تصوير ذوات الأرواح وتشبيه المصورين بخالق الله، ويستدل على ذلك بالأحاديث والآيات، ويحذر من التهاون في هذا الأمر.

تحريم الصور والبناء على القبور ومخالفة هدي رسول الله

يشرح تحريم الصور والبناء على القبور، ويبين وجوب طمس الصور وتحريم تشييد القبور، وينتقد مخالفة هدي رسول الله ووقوع الناس في الشرك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين" على كتاب التوحيد: قال قوله، أي قول الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه "التوحيد" الذي هو حق الله على العبيد: قال قوله، باب ما جاء في المصورين. قوله رحمه الله تعالى: باب، كما مر معنا مرارا أن الباب يطلق على المدخل، وهو ما يدخل منه ويخرج، وهو باب حسي ومعنوي، والمقصود به ها هنا الباب المعنوي، والمعنى مدخل فيما جاء في المصورين. وقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في المصورين، أي من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، وذلك لأن المصور مضاهن لله تعالى في خلقه. وقد ذكر الإمام محمد ابن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى هنا جملة من الأدلة الدالة على الوعيد الشديد والتهديد الأكيد من التصوير والمصورين. ومناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد هو أن المصور مضاهن لخلق الله تعالى، متشبه بفعل الله، واسمه تعالى وتقدس عن ذلك، فهو مصور والله جل وعلا المصور، والله جل وعلا صور ويصور، وهذا المصور كذلك صور ويصور. وإن كان تصوير الله جل وعلا تصويرٌ تام كامل، وتصوير المخلوق تصويرٌ ناقص، ولكن حصل فيه معنى التنديد والتمثيل بفعل الله جل وعلا، بل وبسم الله جل وعلا المصور، فهو نوع تنديدٍ، فهو نوع تنديدٍ بالله رب العالمين جل وعلا. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. وهذا أمر، وأمرٌ آخر أن التصوير سببٌ من أسباب الشرك ووسيلةٌ إليه، وسيلةٌ إلى الشرك كما حصل وحدث ذلك في قوم نوحٍ عليه السلام، فكما مر معنا أن سبب شرك قوم نوح أول ما كان أنهم صوروا لرجالٍ صالحين صورًا لأجل أن يتذكروهم فينشطوا على العمل الصالح. ثم لما مضى الزمن وتأخر الزمن واندرس العلم وخلف خلفٌ بعد الخلف الأول، جاء الشيطان فزيَّن لأولئك الخلف وزعم أن آباءهم كانوا يعكفون على تلك الصور يعبدونها من دون الله جل وعلا، فوقع أول شركٍ في الأرض في زمن قوم نوحٍ بسبب التصوير. فإذن التصوير سببٌ ووسيلةٌ إلى الشرك. والمقصود بالتصوير أي جنس التصوير، جنس التصوير يكون سببًا من أسباب الشرك بالله جل وعلا، ولا سيما إذا كان ذلك التصوير لأناسٍ صالحين أو لزعماء ولملوكٍ وما شابه ذلك، فإن مثل هؤلاء يكونون عرضةً في غابر الأزمنة لأن يكونوا آلهة تعبد من دون الله جل وعلا. والشاهد خير شاهد، والمشاهد في بعض الأماكن وفي بعض الأقطار أن بعض الناس ربما صوروا صالحيهم، فتجد عند هؤلاء إذا دخلوا تلك الغرفة التي فيها صور ذلك الصالح أو أولئك الصالحين دخلوا وعليهم هيئة الخشوع وهيئة الرهبة وهيئة الإنابة وهيئة الإنسان المتعبد الله رب العالمين جل وعلا. وهذا قد سمع ورؤي، أي أن بعض الناس ممن ابتلاه الله جل وعلا بهذه الأمور بالاعتقادات الفاسدة ربما وضع في حجرة أو في غرفة من داره صورا لبعض الصالحين، فتجده إذا دخل تلك الغرفة أو تلك الحجرة دخل في غاية الأدب وفي غاية الخشوع وغاية الرهبة تأذبا مع تلك الصورة. ففيه معنى أو فيه ذلك الدخول معاني من معاني التأله والتعبد لهذه الصورة، وهذه من فتنة التصوير، وكذلك مما رأى مما رؤيا وشهد أن العظماء من الرؤساء ونحوهم إذا صوروا وعملت لهم التماثيل، تجد بعض الناس ممن رق دينه أو ممن لا دين له إذا دان من ذلك الصنم لذلك الزعيم أو ذلك المقدس عند تلك الأمة ربما حان رأسه تحية له. فيكون فيه معنى من معاني الركوع، فيكون فيه معنى من معاني الركوع لغير الله جل وعلا، وهذه كذلك فتنة من فتن التصوير والعياذ بالله جل وعلا. فإذا من المعاني المناسبة لذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد أن التصوير سبب من أسباب الشرك ووسيلة من وسائل الشرك. والشيخ رحمه الله تعالى ذكر في كتابه هذا التوحيد وحقيقة التوحيد وفضل التوحيد وما يدل على التوحيد ومكملات التوحيد، وذكر فيه كذلك ما يناقض هذا التوحيد من الشرك الأكبر أو ما ينقص هذا التوحيد من الشرك الأصغر أو ما يضعفه مما هو وسائل للشرك مما هو وسائل للشرك كما هو الحال في التصوير والمصورين. وكذلك مما تقدم يظهر أو تظهر مناسبة لطيفة من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب أي باب ما جاء في المصورين بعد الباب الذي قبله وهو قوله باب ما جاء في منكري القدر، لأن هناك علاقة مشتركة بين البابين، وذلك يتجلى ويظهر في كون الباب الأول في منكري القدر أن المنكر للقدر نفى عن الله جل وعلا القدرة التي هي صفة من صفات الله جل وعلا. ونفى أن الله جل وعلا يقدر والذي هو فعل من أفعال الله جل وعلا، وأثبت القدرة لنفسه، فقال بأن المخلوق له قدرة ويقدر على فعل ما يشاء مطلقا، فوقع في الشرك بالله جل وعلا بهذا الاعتبار أنه أثبت لنفسه ما هو حق لله رب العالمين جل وعلا. والمصور كذلك أثبت لنفسه أنه مصور وأنه يصور. فأثبت لنفسه صفة التصوير وأنه يصور كتصوير الله جل وعلا أو قل أثبت لنفسه معنى التصوير وصفة التصوير، فاشترك في هذا المعنى أن الكل أثبت لنفسه صفة هي خاصة بالله جل وعلا، الأول أثبت الصفة القدرة المطلقة للمخلوق، والآخر أثبت للمخلوق صفة التصوير والتصوير من صفات الله جل وعلا الخاصة بالله جل وعلا. فالله جل وعلا هو المصور وهو الذي يصور ما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، فظهر بهذا المعنى العلاقة بين الباب والباب الذي قبله، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى قوله بما جاء في المصورين أي من الوعيد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة أي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السبب والمعنى الذي لأجله نهي عن التصوير. وكان وعيد المصور من أشد الوعيد ومن أوكد التهديد، وذلك قال: وهي المضاهات بخلق الله، وهي المضاهة بخلق الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن المصور متشبهم بالله رب العالمين جل وعلا في هذه الصفة وهذه الخصلة، أنه نصب نفسه مشابها ونظيرا لله رب العالمين جل وعلا في التصوير، والله جل وعلا هو المصور وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: وهي المضاهات بخلق الله، لأن المصور لما يصوره ما يصوره من الصور كأنه يقول: وأنا أقدر أن أخلق كخلق الله جل وعلا، الله جل وعلا خلق الإنسان بهذه الصورة، أنا أستطيع أن أخلق إنسان أن أصور إنسان بهذه الصورة التي خلقها التي خلقها الله جل وعلا، فحصل بهذا المعنى كما تقدم نوع تنديد بالله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله: قال وهي المضاهات بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر أي وحده لا شريك له، فلا يجوز أن يشبه بشيء من خلقه سبحانه لما فيه من المضاهات بخلق الله، فلا يجوز أن يكون الرب سبحانه وتعالى كخلقي في شيء من خصائص المخلوق، والعكس لا يجوز كذلك أن يتصف المخلوق بشيء من خصائص الرب جل وعلا. لا يجوز أن يتصف المخلوق بشيء من خصائص الرب جل وعلا، فإن اتصف المخلوق بشيء من خصائص الرب جل وعلا فقد وقع في الشرك والعياذ بالله، والله جل وعلا يقول: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿هل تعلم له سميا﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿قل هو الله أحد الله صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. قال رحمه الله تعالى: قال أي من الوعيد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العل وهي المضاهات وهي المضاهات بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والآمر، فلا يجوز أن يشبه بشيء من خلقه سبحانه لما فيه من المضاهات بخلق الله، لما فيه من المضاهات بخلق الله. وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى تحت هذا الباب الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله جملة من الأدلة الدالة على تحريم التصوير، والمراد بالتصوير المحرم هاهنا تصوير ذوات الأرواح، المراد بالتصوير المحرم هاهنا تصوير ذوات الأرواح، أي تصوير ما كان له روح من إنسان أو حيوان. أما الأشجار، أما الأحجار، أما الجبال وما شابه ذلك من الجمادات فلا بأس كما جاء ذلك في حديث ابن عباس في الصحيح. فقوله بما جاء في المصورين من الوعيد أي في المصورين للصور التي فيها روح التي فيها الروح، لأن في الصور التي ذوات أرواح فيها معنى من معاني الخلقة. فالمصور لهذه الصور متشبه بخلق الله جل وعلا في فعله ذلك. قال الشيخ رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى أي في الحديث القدسي: ﴿ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي﴾. وقول الله تعالى في الحديث القدسي: ﴿ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي﴾، من ها هنا جاءت على سبيل استفهام الاستنكاري، الاستفهام الاستنكاري الذي فيه معنى التوبيخ، فالله جل وعلا يقول: ﴿ومن أظلم﴾، والقاعدة عند علماء المعاني رحمهم الله تعالى أن من التي تأتي للتوبيخ أو التي تأتي للاستنكار أو ما شابها ذلك هي أقوى في الدلالة على النفي من مجرد النفي. هي أقوى في الدلالة على النفي من مجرد النفي، فكأن الله جل وعلا يقول: لا أظلم ولا أظلم، لا أظلم ولا أظلم، فيه معنى التوكيد لشدة ظلم هذا الإنسان الذي فعل هذا الفعل. ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، أي لا أظلم ولا أظلم أبدا، لماذا؟ لشدة قبح فعل ذلك الفاعل. قال: ﴿ف، ليخلق ذرة أو ليخلق حبة أو ليخلق شعيرة، أي أخرجه الشيخان. ومعنى هذا أنهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئا ولو صغر ذلك الشيء ولو كان حبة ولو كان ذرة ولو كان شعير، لا يستطيع ذلك المصور أن يخلقها، لأن الله جل وعلا هو الخالق وحده، وما سواه وما عدا فإنه مخلوق مربوب لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله: ولهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله». وهذا فيه كما ترون وعيد شديد لمن صورا. قال: ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». وهذه الأحاديث وما جاء في معناها من أحاديث تدلنا على خطر التصوير الذي للأسف تساهل فيه كثير وكثير وكثير من الناس، كثير من الناس تساهل في أمر التصوير هذا عندهم جوال يصور، وهذا عنده جوال آخر يصور، وهذا عنده كيمر تصور وهكذا. وهذه الأحاديث كما ترون قوارع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. كيف يستطيع مسلم مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر كيف تطيب نفسه أن يصور وقد سمع مثل هذه الأحاديث الدال على تحريم التصوير؟ وكما ترون تحريمه على عمومه، سواء كانت الصور مجسدة أو لم تكن مجسدة، سواء كانت ذات ظل أم لم تكن ذات ظل، التصوير على عمومه، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: قال قوله ولمسلم عن أبي الهياج الأسد قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته». قال قوله عن أبي الهياج هو الأسد حيان ابن حسين، وعلي هو أمير المؤمنين أي علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. قوله: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي ألا أبعثك بعثني به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ألا تدع صورة إلا تمستها. وقوله: «ألا تدع صورة»، صورة نكرة وسبقت بنفي، والنكر في سياق النفي تفيد العموم، النكرة في سياق النفي تفيد العموم كما هي القاعدة عند علماء المعاني وعند الأصوليين كذلك. أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، وقوله: «إلا طمستها»، ألا تدع صورة إلا طمستها، فكذلك الاستثناء بعد النفي كذلك من أقوى الأدلة على العموم، فهو عموم وعموم آخر، يدلنا هذا العموم مع العموم الآخر على أن الصورة المقصود بها صورة على عمومها. فلا يستثنى من ذلك صورة على صورة، بل كل يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أن لا تدع صورة إلا طمستها». ومنه نعلم ونستفيد أنه من الأمر الواجب الذي يجب على المسلم ما استطاع أن يطمس الصورة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إلا الصور التي لا بد منها كصور البطائق الجوازات رخص السيارات وما شابه ذلك. فإن هذه قد أفتى العلماء رحمهم الله تعالى بأنها مستثناة، وبعضهم قال بأن الإثم على من أوجب على المسلمين هذه التصوير، فيكون المتصور بهذه الصور مضطر للتصور بهذه الصور لأجل ماذا؟ لأجل أن يقوم بما يقوم به من أعمال من أعمال. فما عدا هذه الصور التي لا بد منها فالواجب أن تطمس. الواجب أن تطمس، لا يقول إنسان: هذه صورة تذكارية لأبي أو هذه صورة تذكارية لأمي أو هذه صورة تذكارية لولدي صغير أو صورة لي وأنا صغير أو ما شابه ذلك، بل واجب أن يطمس جميع الصور أن لا تدع صورة إلا طمستها. ومنه كذلك يعلم أن الإنسان إذا وجد صورة في الطريق صورة في مجلة صورة في جريدة صورة في علبة زيت في علبة حليب لبن أو ما شابه ذلك. يتق الله ما استطاع، يتق الله ما استطاع يطمس منها ما استطاع، وهذه الصور كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مما عمت به البلوة، فالإنسان إن استطاع أن يطمس منها ما تيسر فعل، أما في بيته فيحرص على تحري طمسها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. لأن من أسباب منع دخول الملائكة إلى البيوت وجود الصور، من موانع دخول الملائكة إلى البيت وجود صورة أو كلب في البيت، فالإنسان يتحرى في طمس الصور ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهو مأجور وهو مأجور على فعل ذلك، فهي من الحسنات والأجور التي يفعلها الإنسان طاعة لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ولا قبرا مشرفا إلا سويته». قال: فهذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: «ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، ومنه يعلم أن ما يفعله الكثير من الناس ولا سيما ممن بعد عن الحق والسنة والتوحيد من البناء على القبور وتشييد القباب على القبور. أن هذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولنهيه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، مشرفا أي مرتفعا له شرف ظاهر، إلا سويته أن يكون مستويا مستويا مع ماذا؟ مع الأرض، إلا ما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى من رفع الشيء اليسير. فهذا يدلنا على ما وقع فيه الناس من الخطل والزلل في هذا الباب. قال: فهذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من إنكار هذه الأمور وإزالتها، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فأكثروا التصوير واستعملوه وأكثروا البناء على القبور وزخرفوها وجعلوها أوثانا. وزعموا دينا وهو أعظم المنكرات وأكبر السيئات تعظيما للأموات وغلوا وعبادة لغير الله بأنواع العبادة التي هي حق الله تعالى على عباده، وهو كما قال رحمه الله: فكم نرى ويرى غيرنا من القباب المشيدة على القبور التي صارت أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا. تزار ويطاف حولها ويتقرب إليها بأنواع من القرب من ذبح ونذر واستغاثات ودعاء وخشوع وإنابة وخوف إلى غير ذلك من أنواع العبادة، العبادة سواء كانت الظاهرة أو الباطنة، وهذا كله من الشرك بالله جل وعلا ومن شؤم مخالفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدرون ما الفتنة؟ الفتنة الشرك بالله. قال رحمه الله تعالى: قال العلامة من القيم رحمه الله تعالى: ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به وما نهى عنه وما كان عليه أصحابه. وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا، أي أن واقع كثير من الناس ممن خالف هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وفعل ما نهاه عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من رأى الواقع ونظر في أدلة الشرع. رأى أنها متناقضة تناقضا تاما، وكأن أولئك حينما يسمعون قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول كما في الحديث الذي بين أيدينا: «ولا قبرا مشرفا إلا سويته ألا تدع صورة إلا طمستها»، كأنهم يفهمون منه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بذلك لا أنه نهى. فهي من أعظم الاعتراض والمخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان من جراء ذلك أن وقع هؤلاء فيما وقعوا فيه من المخالفات والشرك بالله جل وعلا، تعالى الله وتقدس عن فعل هؤلاء الظالمين علوا كبيرا، والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على