شرح قرة عيون الموحدين 90

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 90، ألقاها

حكم الإقسام على الله وتفاصيله

الإقسام على الله له ثلاثة أوجه، الأول محرم لما فيه من التكبر، والثاني ينقص الإيمان لما فيه من العجب، والثالث جائز لأنه يتضمن حسن الظن بالله. يُشرع الإقسام على الله إذا كان على سبيل التعظيم والإجلال.

مشروعية الإقسام على الله في حالة حسن الظن

الإقسام على الله مشروع إذا كان على سبيل حسن الظن به، ويكون على قسمين: محرم إذا كان على سبيل الترفع، ومشروع إذا كان على سبيل التعظيم. الأحاديث النبوية تدعم جواز الإقسام في حالة حسن الظن.

تحذير من الإقسام على الله وتأثيره على التوحيد

يناقش التحذير من الإقسام على الله لما فيه من قلة التعظيم وسوء الأدب، ويستشهد بحديث جندب وأبي هريرة. الإقسام قد يكون ناقصًا لتوحيد العبد إذا قام في قلبه خلل التعظيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن ابن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله -أي قول الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله- في كتابه «التوحيد»: قال قوله، باب ما جاء في الإقسام على الله. قوله -أي قول الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله- «باب» أي مدخل، كما تقدم معنا مرارًا من أن الباب يطلق على ما يدخل منه وما يخرج. وقوله رحمه الله تعالى «باب ما جاء في الإقسام على الله» أي ذكر ما جاء من الأدلة الدالة على تحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر على الله والقطع بحصول المقسم على حصوله، وهو التألِّي لما فيه من معنى التكبُّر والتجبُّر ورفعة هذا المتألِّي نفسه حتى يجعل له على الله تبارك وتعالى حقًا، وهذا منافٍ لكمال التوحيد، وربما كان عند البعض أو في حق البعض منافٍ لأصل التوحيد إذا اعتقد ذلك المتألِّي على الله تبارك وتعالى أنه حاكمٌ على الله تبارك وتعالى بما شاء، وأنه يجب على الله تبارك وتعالى أن يُنفِّذ قسمهم، فمثل هذا قد خلَا قلبُه من تعظيم الله تبارك وتعالى الذي هو روح العبادة ولُبُّها. وأما إذا كان الإقسام على الله تبارك وتعالى على سبيل العُجب والترفُّع على الآخرين، فهذا مما يُنقِصُ إيمان العبد وتوحيدَه، لما فيه من قلة التعظيم الواجب لله رب العالمين سبحانه وتعالى. وأما إن كان الإقسام على الله تبارك وتعالى على جهة حُسن الظن بالله تبارك وتعالى، والتذلُّل لله تبارك وتعالى والخُضوع له، والرجاء بما عند الله تبارك وتعالى، فمثل هذا جائزٌ ليس بمُحرَّم، ويدلُّ على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه»، وهذا يدلُّ على ثناء الله أو ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الصنف من الناس، لما فيه من إكرام الله تبارك وتعالى لهذا العبد بأن أبرَّ الله تبارك وتعالى قسمه. ولما جاء في صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ربَّ أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب، ربَّ أشعث مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه». وجاء كذلك في الصحيح البخاري من حديث حارثة ابن النعمان رضي الله عنه وأرضاه قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيفٍ مستضعف، لو أقسم على الله لأبرَّه». وهذه الأحاديث كلها تدل على أن هذا الصنف من الناس هم من أولياء الله رب العالمين تبارك وتعالى، وممن يُكرمهم الله تبارك وتعالى بإجابة وبإبرار أقسامهم إذا أقسموا، وذلك لأن ذلك المُقسم على الله تبارك وتعالى في جلب مطلوبٍ كالنصر أو إنزال الغيث أو ما شابه ذلك يُقسم على الله تبارك وتعالى بذلك، وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله، وقد امتلأ قلبُه خُضوعًا وتذلُّلًا وتعظيمًا وإجلالًا لله رب العالمين تبارك وتعالى، ورجاءً بما عند الله تبارك وتعالى، أو لأجل دفع ضرٍ كخوف الهزيمة في المعركة أو القتل أو نحو ذلك، فيُقسم على الله تبارك وتعالى في جلب مطلوبٍ أو كشفٍ أو دفع مكروب، حُسْنَ ظنٍ بالله رب العالمين تبارك وتعالى، على سبيل التعظيم والإجلال لله رب العالمين جل وعلا، فهذا كما سمعتم جائزٌ، بل صاحبُه مُكرمٌ من الله تبارك وتعالى، لما قام في قلبه من كمال التألُّه والتعظيم والإجلال والخُضوع وتذلُّل لله رب العالمين تبارك وتعالى. ومنه نعلم أن تبويب الشيخ رحمه الله تعالى في قوله «باب ما جاء في الإقسام على الله» أي الإقسام على الله المحرم. ونعلم أن الإقسام على الله تبارك وتعالى على قسمين: مُحرمٌ مُنقِصٌ لإيمان العبد وتوحيده كما تقدَّم في الصورة الأولى وفي المعنى الأول، وإقسامٌ على الله تبارك وتعالى مشروعٌ على سبيل حسن الظن بالله تبارك وتعالى. وقد عُرف أناسٌ من الصالحين ممن كان يُقسم بالله تبارك وتعالى على سبيل حسن الظن بالله تبارك وتعالى، فيُبرُ الله جل وعلا قسمهم. جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن الربيع أخت أنس بن النظر رضي الله عنهما كسرت ثنية امرأة، فجاء أهلها يريدون القصاص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن النظر: «القصاص يا أنس»، فقال لهم: «يا رسول الله، أتريد أن تكسر ثنية الربيع؟ لا والله لا تكسر ثنيتها، لا والله لا تكسر ثنيتها»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أنس، حكم الله القصاص» أو كما قال، فرضي القوم بعد أن أقسم أنس بن النظر، رضي القوم بماذا؟ بالدية أو العفو، فعجب النبي صلى الله عليه وسلم حينها، ثم قال: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه». الناس جاءوا لأجل القصاص، أنس بن النظر أقسم على الله تبارك وتعالى أن لا تكسر ثنية الربيع على سبيل حسن الظن بالله تبارك وتعالى والتعظيم لله تبارك وتعالى، فأبر الله تبارك وتعالى قسمه، هذا من القسم المشروع. وقد عُرف كذلك طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ممن كان إذا اجتمع أو اصطفى جيش أهل الإسلام وجيش الكفار، كان بعضهم يرجع إلى بعض هؤلاء الصحابة، فيقال: «يا فلان، أقسم على ربك تبارك وتعالى أن ينصرنا عليهم وأن يهزمهم»، فيقسم على الله تبارك وتعالى، فينصر الله جل وعلا أهل الإسلام. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه يوم أن اصطفى جيش أهل الإسلام والتتر في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ذكر ابن كثير رحمه الله أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يشيع الجيش ويثبتهم، قال: «وكان يقسم على الله وكان يقسم على الله أن الله جل وعلا سينصرهم، أن الله سينصرهم على أولئك التتر»، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «كان يتأول أدلة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم»، فنصرهم الله، وهذا يدلنا على إبرار قسم الله تبارك وتعالى لهذا الإمام رحمه الله رحمة واسعة. فأشهد من هذا أن الإقسام على الله إن كان على سبيل الترفع على الخلق والحجر على رحمة الله تبارك وتعالى، فهذا مذموم محرم، وأما إذا كان على سبيل حسن الظن بالله تبارك وتعالى، فإنه مشروع. قال رحمه الله تعالى: ومع هذا ينبغي للإنسان أن يتحرز من ذلك، ينبغي للإنسان أن يتحرز من النوع المشروع خشية الوقوع في النوع الممنوع وهو لا يشعر، لأن مسألة العجب وارتفاع النفس وما شابه ذلك، هذه أبوابها خطيرة وطرائقها قدد، فيخشى الإنسان أن يبتدئ القسم وهو محسن للظن بالله، ويفرغ وقد دخل في قلبه من العجب ما دخل، فيكون ذلك القسم من نوع المذموم، لذا لم يكن يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو إمام متقين صلوات الله وسلامه عليه- أنه كان يقسم على الله تبارك وتعالى، والله جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قوله «باب ما جاء في الإقسام على الله»، ذكر المصنف في حديث جندب ابن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبط عملك» رواه مسلم. قوله «يتألأ» أن يحلف، والألية بالتحجير الحلف، وهذا فيه معنى ما تقدم ذكره من الإقسام الممنوع المحرم، إذ أنه يقسم على تحجير رحمة الله تبارك وتعالى، فيقول: «لا يغفر الله لفلان» أو «لا يرحم الله فلانًا»، فهذا محجر لرحمة الرب تبارك وتعالى، وكأنه متحكم في رحمة الله تبارك وتعالى، فقد قام في قلب هذا المقسم ما قام من قلة التعظيم وسوء الأدب مع الله تبارك وتعالى. ومنه كذلك يُعلم الرابط والعلاقة بين هذا الباب والباب الذي قبله، أنهما يشتركان في أن هذا الباب والباب الذي قبله بل والأبواب قبله تشترك في أن الكل قد قصر وضعف تعظيمه الواجب لله رب العالمين تبارك وتعالى، فأنقص ذلك من توحيده ما أنقص. قال رحمه الله تعالى: وصح من حديث أبي هريرة، ورواه أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة»، انظر إلى حال الرجلين، أحدهما عنده معاصي والآخر مجتهد في العبادة، قال: «فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر»، فوجده يومًا على ذنب، فقال له: «أقصر»، فقال: «خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟»، فقال: «والله لا يغفر الله لك» على سبيل ماذا؟ على سبيل الإعجاب بعبادته والترفع على غيره وتحجير رحمة الله تبارك وتعالى، «والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة»، قال: «فقبض أرواحهما» أي قبض الله تبارك وتعالى أرواحهما، قال: «فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما؟» أي حتى تحكم بهذا الحكم علي على الله تبارك وتعالى، «أكنت بي عالما أو على ما في يدي قادرًا؟» وهذا على سبيل ماذا؟ على سبيل التوبيخ، هذا الاستفهام استفهام توبيخي، على سبيل التوبيخ لهذا الذي حجر رحمة الله تبارك وتعالى، ألا تصل إلى ذلك المسرف والمذنب؟ وقال للمذنب: «اذهب فادخل الجنة برحمتي»، وقال للآخر: «اذهب»، وقال للآخر: «اذهبوا به إلى النار». قوله في حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، يشير إلى قوله في هذا الحديث: «إن أحدهما مجتهد في العبادة»، وفيه معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يُكتب له بها سخطٌ إلى يوم يلقاه»، أن يكون بتلك الكلمة قد سخط الله تبارك وتعالى عليه. ومنه يُعلم أن الإقسام قد يكون كما سمعتم وتقدم منقِصًا لتوحيد العبد ولإيمانه، وقد يكون نافيًا لأصل توحيده وإيمانه، وذلك بحسب ما يقوم في قلب ذلك المقسم من خلل التعظيم الذي هو روح العبادة وأصلها، أو نقص التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على