الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 34، ألقاها
يؤمن أهل السنة والجماعة بالبعث بعد الموت ويوم القيامة وأهواله، ويُعطى الناس كتبهم إما بيمينهم أو بشمالهم. من أخذ كتابه بيمينه فهو من الفائزين، ومن أخذ كتابه بشماله فهو من الخاسرين.
يناقش حساب يوم القيامة وتقسيمه إلى نوعين: عذاب للمكذبين والمجرمين، وعرضًا يسيرًا للمؤمنين. كما يُنصب الصراط على جهنم ويمر الناس عليه حسب أعمالهم.
سلوك الإنسان في الدنيا على الصراط المستقيم يحدد سرعته وقوته على الصراط يوم القيامة. من كان مسارعًا إلى طاعة الله كان سيره قويًا وسريعًا والعكس صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في الكلام على مسائل البعث ويوم القيامة. قال الإمام أبو عثمان أصابون رحمه الله: «ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه به من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل، إلى آخر كلامه» رحمه الله. فقوله رحمه الله تعالى -إلى جانب ما تقدم من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل- هذا مما يؤمن به السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، أهل الدين الحق، الإيمان بما يكون في ذلك اليوم من أخذ الناس الكتب بالأيمان والشمائل، إيمانًا بخبر الله جل وعلا، وتصديقًا لخبر الله جل وعلا، لأن الله جل وعلا أخبر بذلك في كتابه الكريم. قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، هؤلاء أهل اليمين. وأما أهل الشمال، فقال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ إلى آخر الآيات. فالناس يوم القيامة آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما أخبر الله جل وعلا بذلك في كتابه الكريم، في آيات من كتابه العظيم. ومن أخذ كتابه بيمينه كان من الفائزين المفلحين. وأما من أوتي كتابه بيمينه -كما أخبر الله جل وعلا- فينادي يوم القيامة: «هاءُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ»، وهو فرح، وهو مسرور، وهو مستبشر: «إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ»، أي تيقنت، الظن هنا بمعنى اليقين، ملاق حسابي، جزاء من الله الكريم أن أطعته في الدنيا، أن يكون لي -بفضل الله جل وعلا وكرمه- البشارة في الآخرة. وأما من أوتي كتابه بشماله، فحينها ينادي: «يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ»، أي الموت الأولى، يا ليته كانت القاضية، أي لم أبعث بعدها، ولم أحاسب بعدها، ولم أدري ما حسابي بعدها، «يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ» إلى آخر الآيات. الناس يوم القيامة آخذوا كتابه بيمينه، وآخذوا كتابه بشماله، كما أخبر ربنا تبارك وتعالى بذلك، فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا، وبخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا من الإيمان بالله جل وعلا، ومن الإيمان بخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل. قال الله جل وعلا: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، يكون هناك السؤال يوم القيامة، ولا محالة، يسأل الإنسان عن أعماله، يحاسب عليها يوم القيامة بين يدي الله جل وعلا، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، يسأل عن أعماله من خير أو من شر. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا. والحساب يوم القيامة -كما دلت عليه النصوص الشرعية- وقسمه العلماء رحمهم الله تعالى- ينقسم إلى قسمين: إلى حساب هو حساب لأهل الكفر والطغيان والعياذ بالله، لأهل الفجور، وحساب إنما هو عرض، يعرض الله جل وعلا على عبده المؤمن ما حصل منه يوم القيامة. جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب»، فقالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، ألم يقل الله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾؟»، أي يحصل حساب من الله جل وعلا لأهل الإيمان، ومع هذا ينقلب المؤمن إلى أهله مسرورًا، أي مفهوم الآية أنه لا يعذب. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب عذب»، فلأجل هذا الحديث ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ما تقدم من تقسيم، من أن الإنسان إذا ناقشه الله جل وعلا الحساب، الحساب نقاشًا دقيقًا عذب، ولا محالة، إيمانًا وتصديقًا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب». وأما المؤمن فإنه يحاسب حسابًا يسيرًا، كما دلت عليه الآية القرآنية، وكما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جل وعلا يدني المؤمن يوم القيامة، ثم يقول له: عبدي، ألم تفعل كذا؟ ألم تفعل كذا؟ ألم تفعل كذا؟»، ويقول عبدي: «بلى يا رب، بلى يا رب»، هذا عرض. فيقول له ربنا تبارك وتعالى: «قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا اليوم أغفرها لك»، أو كما قال، نسأل الله جل وعلا العفو والعافية. أشاهد من هذا أن المؤمن يُعرض عليه عمله، والأمر كما قال من قال من السلف: حينما وجد ذلك العالم حزينًا، فقيل له: «ما لك؟ ألم تكن تفعل الخيرات وتترك المعاصي؟» أو كما قيل، فقال: «نعم، لكن كم من خطرة حصلت مني، وكم من هفوة حصلت مني، وأنا أتوب إلى الله جل وعلا منها، وأستغفر الله جل وعلا منها، وأسأل الله جل وعلا أن يغفرها لي». فقيل: «الأغفال ما الحزن؟»، قال: «يا فلان، إن الإنسان إذا أخطأ في حق إنسان، فعفا عنه ذلك الإنسان، لم ير إلا استحيا منه، فكيف بالله رب العالمين جل وعلا، ونحن نفعل ما نفعل، وإن عفى ربنا تبارك وتعالى عنا، فنحن نستحي من أن نقابل الله جل وعلا وقد فعلنا ما فعلنا». وهذا يدل على فهم دقيق من السلف رضي الله عنهم وأرضاهم في النظر إلى ما يحصل من الإنسان من الهفوات، أنه لا يتسامح، بل ينبغي أن يقوم في قلبه قبل المعصية الخوف من الله جل وعلا، وإن حصلت الزلة والهفوة وتاب إلى الله جل وعلا منها أو منها، ينبغي له أن يقوم به كذلك جانب الخوف، خشية ألا يقبل، أن لا يقبل الله جل وعلا منه تلك التوبة، يبقى خائفًا وجِلًا. ثم لو فتح باب الرجاء، وأن الله جل وعلا لعله أن يكون قد غفر له، يفتح باب من أبواب الحياء، الحياء من الله جل وعلا، أن يقابل الله جل وعلا وقد فعل الهفوة والزلة، والله جل وعلا قد عفى عنهم تلك الهفوة وتلك الزلة، هذا فهم دقيق من هؤلاء رحمهم الله تعالى، هذه المقامات. فالحاصل أن الناس يوم القيامة في الحساب على قسمين: من نوقش الحساب عذب، وأما من عرض عليه الحساب، فإنهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا. إلى سائر الزلازل والبلابل الموعود في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل، أي مما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، وأخبر به قبل ذلك ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم، قال: من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر، وغيرها من الصراط والميزان. الصراط هذا كذلك مما يؤمن به أهل السنة والجماعة، أنه يوم القيامة ينصب الله جل وعلا صراطًا على ظهراني جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم، منهم كالبرق، منهم كأجاويد الخيل، منهم كأسرع الرجال، منهم من يمشي، منهم من يحبو، ومنهم من والعياذ بالله ينزل، وتتخطفهم ما حول الصراط من الكلابيب. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فناج مسلم، ومخدوش مكدوس في نار جهنم»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد دل على الصراط الكتاب والسنة، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، جاء عن طائفة من السلف: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا»، أي وارد على جهنم بمروره على الصراط، لأن الصراط منصوب على ظهراني جهنم. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن السنة الأحاديث الكثيرة، في الصحيحين من حديث أبي هريرة، من حديث أبي سعيد، من حديث أنس، من حديث جابر، عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وجاء في حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم رحمه الله، وكذلك بنحوه من حديث أبي سعيد، ذكر وصف ذلك الصراط، جاء في عن ابن مسعود أنه قال: «بلغنا» -أو عن أبي سعيد أنه قال: «وَبَلَغَنَا أَنَّ الصِّرَاطَ أَحَدُ مِنْ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ»، أي وصفه أنه أحد من السيف، وأنه أدق من الشعرة. وجاء كذلك في الصحيحين في حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد: «أنه قال: مُضْحِضَةٌ مُزِلَةٌ»، يعني تخيل إلى هذا الوصف، أدق من الشعرة، الشعرة إذا أخرجها الإنسان رآها رفيعة، رآها رفيعة جدًا، الصراط يوم القيامة أدق من هذه الشعرة، وأحد من السيف. وهل كذلك فقط؟ لا، «مُضْحِضَةٌ»، أي أنه مثل الشيء الذي يكون فيه، لا يستطيع الإنسان أن يقف عليه، تنزلق الأقدام بسببه، «مُزِلَةٌ» تزل الأقدام، ولكن الله جل وعلا يثبت من شاء على ذلك الصراط، على قدر سيرهم إلى الله جل وعلا في هذه الدنيا. وكما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال إن الله جل وعلا نصب صراطين، أحدهما في هذه الدنيا، والآخر يوم القيامة، أما الذي في الدنيا فهو دينه وشرعه»، كما قال الله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، هذا الصراط نصبه الله جل وعلا، أي السير على الصراط المستقيم الذي أمرنا الله جل وعلا به، وأمرنا بأن ندعو الله جل وعلا بأن يهدينا إلى ذلك الصراط: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال ابن القيم رحمه الله: «فعلى قدر سير الإنسان في الدنيا على هذا الصراط، أي على الصراط المستقيم، يكون سيرهم يوم القيامة، فإذا كان سيرهم سيرًا قويًا سريعًا مسارعًا إلى طاعة الله جل وعلا في الدنيا على هذا الصراط المستقيم، متابعًا لهدي الرسول الكريم، مُخلِصًا لله رب العالمين جل وعلا، من المسارعين إلى الخيرات والطاعات، فهو كذلك يكون يوم القيامة من أهل القوة والسرعة في السير على ذلك الصراط، ومن كان دون ذلك كان دون ذلك، ولا يظلم ربك أحدًا، ومن كان متنكبًا عن هذا الصراط في الدنيا، فهو كذلك يوم القيامة يتنكب عن الصراط». ومن الصراط -والعياذ بالله- نسأل الله جل وعلا العفو والعافية. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.