الدرس في شرح مسائل الجاهلية 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع الأول بطرح المسألة السادسة من مسائل مخالفة أهل الجاهلية وهي الاحتجاج بالمتقدمين وتقليدهم، مشيرًا إلى علاقتها بالتقليد المذموم.
يناقش المقطع تفسير استفسار فرعون عن القرون الأولى، حيث اختلف العلماء بين كونه استفسارًا عن أحوالها أو احتجاجًا بها، ورجح ابن كثير والمؤلف القول الثاني.
يناقش المقطع الرد على من يحتجون بالتقليد الأعمى للآباء والأجداد، ويبين أن الدين قائم على الاتباع لشرع الله، ويحذر من اتباع الأكثرية الضالة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصاحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة: الاحتجاج بالمتقدمين، كقوله: فما بال القرون الأولى، وقوله: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. هذه المسألة السادسة، وهي من المسائل التي خالف فيها نبينا صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، وهي الاحتجاج بالمتقدمين، أي من تقدم منهم من أمم وأزمان وأعصار. ولو تلاحظ يا عبد الله تجد أن هذه المسألة السادسة هي شبيهة أو قريبة من المسألة الرابعة، إذ أنها تدور على مسألة التقليد. ففي المسألة الرابعة كان الكلام حول أن دينهم مبني على التقليد، قلدوا آبائهم وقلدوا أجدادهم، وفي المسألة السادسة هي كذلك الاحتجاج بالمتقدمين، من تقدم منهم، فهي كذلك تدور على التقليد. وإن أردنا أن نبحث عن فوارق تسعفنا في الفرق بين هذا وبين تلك، قد يقال: إن في المسألة السادسة الاحتجاج بمن تقدم من غير ذكر ماهيته، الله أعلم من هو، فيشمل في ذلك الآباء والأجداد ومن بعدهم. فهنا الاحتجاج بالمتقدمين لم يعين منهم، بخلاف المسألة الرابعة فقد يعينوا بالآباء والأجداد. وأيضا لربما من الفوارق الثانية أن الاحتجاج بالمتقدمين يدخل في ذلك العصار السحيقة، الأمم الماضية الغابرة، بخلاف الآباء والأجداد قد يكون من كان قريب عهد بهم، يحتجون بآبائهم وأجدادهم وأسلافهم وأعرافهم التي هم عاشوها. بخلاف الاحتجاج بالمتقدمين يدخل في ذلك عن أمم قد انقطعت، أمم قد انقطعت لا تربطهم أي رابط لا من عادات ولا من أسلاف ولا من أعراف، اللهم أن أمم قد وجدت فيحتجون بتلكم الأمم الغابرة. فهذا إن كان هناك فرق بين هذا وذاك، وإلا فالكل محله التقليد، فهؤلاء قلدوا وذاك أولئك قلدوا، والتقليد قد مروا معنا أنهم ذموم ذمه ربنا جل وعلا، فلا يحتج به. وأهل الكفر والكفار كثيرا ما كانوا يحتجون بهذه الحجة، يحتجون بالآباء، يحتجون بالأجداد، يحتجون بالملل، يحتجون بالنحل والأمم السالفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الاحتجاج بالمتقدمين، الاحتجاج أي جعلهم حجة، حجة يحتجون بهم في ماذا؟ فيما هم عليه من أعمال الجاهلية. كلما جاءهم نبي أو جاءهم رسول نهاهم وحذرهم عما هم عليه من الخلق الزميم أو الدين المنحرف الغير قويم، لربما رفعوا السلاح، وحجة الاحتجاج بمن مضى. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: الاحتجاج بالمتقدمين كقوله تعالى: ﴿فما بال القرون الأولى﴾، هذه الآية هي عبارة عن حوار دار بين فرعون مع موسى عليه السلام، فكان من أقوال فرعون ومن مجادلته لموسى عليه السلام أن احتج له بما مضى من القرون الأولى. قال: ﴿فما بال القرون الأولى﴾، واختلفت أقوال العلماء في هذه الآية على عدة معان من مقصود بهذه الآية؟ منهم من قال: إن استفسار فرعون كان يستفسر عن أحوالها، ومنهم من قال: إنما فرعون ذكر ذلك من باب الاحتجاج بها، أن فرعون ذكر أحوال القرون الماضية من باب الاحتجاج بها، وهذا الذي رجحه جماعة من العلماء، ومنهم ابن كثير رحمه الله تعالى رجح هذا القول، والذي مال إليه المؤلف رحمه الله تعالى. وعلى إثر ذلك جعل هذه الآية في هذه المسألة، وهو أن من أدل الدالة على أن الكفار كانوا يحتجون بالقرون الماضية بالأمم المتقدمة هذه الآية. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: قال وأصح الأقوال في معنى ذلك، أصح الأقوال دلالة على أن هناك عدة أقوال متعلقة بمعنى هذه الآية. قال: وأصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي أن فرعون شرع يحتج على موسى بالقرون الأولى، أي إذا كنت أنا على ضلال فكيف تقول بالقرون التي مضت كلها على هذا الحال، وكلها على هذا المنوال مما أنا عليه. فإذا هذا القول الصحيح هو قول جماعة من المفسرين على أن هذه الآية تحمل على عدة معان، أن فرعون إما أراد أن يسأل عن أحوالها، وإما أنه ماذا يسأل من باب الاحتجاج بها، والمؤلف رحمه الله تعالى رجح الثاني. قال رحمه الله تعالى: فما بال القرون الأولى. قال: وقوله: ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾، وكذلك هذه الآية مأخوذة من مناظرة أو مجادلة قوم نوح إلى نوح عليه السلام، عندما دعاهم إلى التوحيد وإلى التوجه إلى الله جل وعلا بالوحدانية، كان من حججهم هذه الحجة الواهية، ويقولهم: ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾، أي من مضى من الآباء. لأن الأب إذا أطلق قد يراد به الأب القريب أو الأب البعيد، واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، فيدخل ذلك في قسم الآباء ولو بعد، فهؤلاء من الآباء. فقوم نوح احتجوا على ما هم عليه، دعاهم نوح عليه السلام إلى توحيد الله جل وعلا، فكان من حجتهم على أنهم سيبقوا على ما هم عليه من عبادة الأصنام والأوثان هي قولهم: ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾. وهكذا قسي عبد الله في باقي الأمم والأديان والملل، أن غالبهم من احتج على نبيه أو احتج على رسوله احتج بالتقليد، احتج بالتقليد لما مضى، حتى كفار قريش كانوا على هذا الحال: ﴿ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ما سمعنا بهذا في الملة القديمة﴾، أي ما تدعو إليه يا محمد من أمر التوحيد وإفراد الله بالعبادة، ما سمعنا بهذا إن هذا إلا اختلاق، أي كذب وافتراء أتيت به من عندك. فالحاصل إخواني في الله القول كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: أن أهل الجاهلية كان مما يحتجون به على أنبياء الله وعلى رسل الله الاحتجاج بالمتقدمين، بالأزمان والعصار الماضية التي مضت وانقضت. وقد مر معنا إخواني في الله فيما يتعلق بأمر التقليد، ما قيل هنالك يقال هنا، أن الرد على هؤلاء أن دين الله جل وعلا ليس فيه التبعية وليس فيه التقليد، وإنما فيه الاتباع لشرع الله سبحانه وتعالى. قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. مع أنه لو افترضنا فرضا ولو تنازلنا جدلا، جدلا لو أنهم أرادوا هؤلاء أن نتحاكم نحن وإياهم على القرون الماضية، وفتشنا عن تواريخ الأمم، لعلمنا أن القرون الأولى هي كانت على التوحيد أصلا. لو أردنا نظرا وجدلا أن نحاج هؤلاء ممن ادعى أنه على ما كان عليه الآباء والأجداد في الأمم الماضية والأمم السحيقة، لا بيّن لهم من خلال الشريعة والشرع على أن الأمم الماضية كانت كلها على التوحيد، ثبت ذلك في صحيح المسند مما ليس في الصحيحين من شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، وذكر ذلك في مسند أبي أمام الباهلي، صدي بن عجلان رضي الله تعالى عنه. أن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه قال: «بين آدم ونوح عشرة قرون»، بين آدم ونوح عشرة قرون، وقد علمنا أن الشرك متى ظهر ظهر الشرك في قوم نوح، في قوم نوح بعد موت أهل الصلاة، ضرأ وظهر الشرك في قومه، إذن دل ذلك على أن فترة ما بين آدم إلى نوح كل ذلك كانوا على التوحيد، ما عُرِف الشرك وما ظهر الشرك إلا في قوم نوح. عندما ظهر نوح عليهم فوجد الأقوام يعبدون ود وسواع ويغوث ويعوق ونسراء، فحين أمرهم بترك هؤلاء وأن لا يعبدوا هؤلاء فظهر الشرك في هذه الفترة، وإلا ما كان أحد منهم يعرف الشرك. فإذا جاء من جاء وأراد أن يحتج على الأديان والملل وأنه على الأمم السحيقة، لأعلمناه وأخبرناه أن الأمم الماضية ما عندها شرك قط، إنما الشرك طرأ وظاهر وظهر في الآوينة بعد أقوام، بل بعد عشرة قرون، بعد عشرة قرون من آدم إلى نوح ما ظهر الشرك إلا في قوم نوح ظهر الشرك، ثم دعاهم نوح عليه السلام إلى توحيد الله جل في علام. فالحاصل إخوانا في الله أن الاحتجاج بالمتقدمين لا ينفع، وما عليك ذلك. ما نرى في هذه الأزمان أن الناس في هذه الأزمان لو عُرِضت عليه دعوة التوحيد ودعوة إفراد الله جل وعلا بالعبادة ودعوة الناس إلى ترك مظاهر الجاهلية مما يُرى في المزارات والزيارات وما يُفعل عند القبور من صرف العبادة لغير الله، تجد أعظم من يحتج في رد دعوة الحق. قال: هذا دينٌ جديد، هذا دينٌ جديد، وما الذي يريد؟ يريد الدين القديم الذي كان عليه المتقدمون، وهي هي نفس شعارات ودعايات أهل الجاهلية. وعبد الله فلا المسلم إنما يتبع الحق، ولهذا قال من قال من سلفنا الصالح رحمهم الله: «اتبع طرق الهدى ولا تغتر ولا تغتر بكثرة الهالكين، واحذر طرق الغواية ولا يضرك كثرة الهالكين». فأهل الهلاك هم كثرة يا عبد الله، وأهل الحق وأهل اتباع هم القلة، فلا تجعل هؤلاء وهاولهم المقياس في هذا الباب، وإنما أمر يا عبد الله هو اتباع دين الله جل في علا. فهذا ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى، ومسائل قريبة تدور على مسائل التقليد، وقد مر ذلك في وقتها. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.