كتاب الطهارة 2

الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها

مقدمة في كتاب الطهارة وأهميته

يبدأ الدرس بتوضيح أهمية كتاب الطهارة في الفقه الإسلامي ومعناه اللغوي والاصطلاحي. الطهارة شرط لصحة الصلاة ولذا يبدأ العلماء كتبهم الفقهية بهذا الكتاب.

أقسام الطهارة وتفصيلها

يناقش الدرس أقسام الطهارة وأنواعها، حيث تنقسم إلى طهارة معنوية وحسية. الطهارة الحسية تشمل طهارة البدن من الأحداث والنجاسات، والماء هو الأصل في التطهير.

شرح حديث "خُلق الماء طهورًا" وتوضيح التطهير بالماء وبدونه

يشرح الدرس حديث "خُلق الماء طهورًا" ويبين أن الماء هو المطهر الأصلي. يتناول آراء العلماء حول التطهر بغير الماء ويفرق بين طهارة الحدث وطهارة النجاسة.

تتمة الكلام حول طهارة النجاسة وآراء العلماء

يناقش الدرس حكم طهارة النجاسة وخلاف العلماء في اشتراط الماء لها. الراجح يختلف عن القول بأن النجاسة لا تطهر إلا بالماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى: كتاب الطهارة. كثير منهم يفتتحون كتب الفقه بكتاب الطهارة، ويفتتحون كتاب الطهارة بباب المياه، وذلك لمعنى لاحظه العلماء رحمهم الله تعالى. هذا المعنى هو أن أعظم الأركان، أركان الإسلام العملية، هو الصلاة. فأركان الإسلام كما هو معلوم خمسة: الشهادتان، ثم الصلاة. فلأجل هذا افتتح العلماء رحمهم الله تعالى كتب العلم، ولا سيما كتب الفقه، بكتاب الطهارة. وذلك أن الصلاة، كما سمعتم، أول أو أعظم أركان الإسلام العملية، والصلاة لا تصح إلا بطهارة. الصلاة لا تصح إلا بطهارة، فقدم كتاب الطهارة لأجل هذا المعنى، من باب تقديم الشرط على العمل، لأن الشرط يكون سابقًا للعمل أو للفعل. وأصل الطهارة تكون بالمياه، لذا افتتح العلماء رحمهم الله تعالى كتاب الطهارة بباب المياه. وهذا تدريج لطيف وملحظ رائق من هؤلاء الأئمة رحمهم الله. وكما ذكر من ذكر من الأئمة رحمهم الله تعالى، أن في هذا كذلك لطيفة، أن في هذا لطيفة أخرى، وهي: فيه معنى التخلية قبل التحلية، فيه معنى التخلية قبل التحلية، أي تخلية القلب والجسد من نجاسات والقاذورات، وهذا يكون بالطهارة، ثم يكون بعد ذلك تحلية القلب والجسد بالعمل الصالح. فهذا من باب تقديم التخلية على التحلية، وهذا كذلك ملحظ رائق من هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى. لهذا المعنى قوله رحمه الله تعالى: كتاب الطهارة. الكتاب في اللغة من الكتب، وهو بمعنى الجامع والضم. ومنه يقال للرمال المتجمعة والمنضمة بعضها إلى بعض: يقال له كتيب رمل، لتجمعه. وكذلك يقال لجماعة من الجند المجتمعين المنضم بعضهم إلى بعض: بأنهم كتيبة من الجيش. وكذلك سميت الكتب كتبًا؛ لأنها تضم علومًا وأبوابًا من العلم يضمها كتاب واحد، فتنضم تلك المسائل وتلك الأبواب وتلك الفصول بعضها إلى بعض، ويجتمع بهيئة كتاب. فسمي الكتاب لأجل هذا المعنى. والعلاقة واضحة، الذي هو بمعنى الجامع والضم. وقوله رحمه الله تعالى: كتاب، ها هنا كتاب على وزن فعال، فهو من باب فعال، والمراد به مفعول، فهو كتاب بمعنى مكتوب، فهو كتاب بمعنى مكتوب، أي مكتوب فيه أحكام ومسائل الطهارة. وقوله رحمه الله تعالى: الطهارة، الطهارة من طهر يطهر تطهرًا وتطهيرًا. والطهارة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: أنها تنقسم إلى قسمين: أحدهما أصل، والآخر فرع. فأما الطهارة الأصلية، فهي طهارة القلب من الشرك بالله جل وعلا، والبدع والذنوب والمعاصي. هذه طهارة، وهي أصل الطهارة الأخرى، ولا تنفع الطهارة الأخرى إلا بهذا الأصل، طهارة القلب من الشرك بالله جل وعلا. لذا وصف الله جل وعلا المشركين بأنهم نجس، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. ووصف نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المؤمن بأنهم لا ينجس. لماذا؟ لأنه مؤمن طهر قلبه من الشرك بالله جل وعلا، ومن الكفر بالله جل وعلا. كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك بنحوه من حديث حذيفة عند مسلم: «المؤمن لا ينجس»، وفي رواية: «المسلم لا ينجس». فالطاهر المسلم طاهر، والمشرك ولو كان يغتسل باليوم مئة مرة، هو نجس نجاسة معنوية. فالطهارة كما سمعتم على قسمين: طهارة معنوية، وهي الأصل، وهي طهارة القلب من الشرك بالله جل وعلا، من الكفر بالله جل وعلا، ويدخل فيه كذلك أو يدخل فيها طهارة القلب من كل ما يشوبه من الانحراف عن الجادة الموصلة إلى الله رب العالمين جل وعلا. القسم الثاني من الطهارة: طهارة البدن، أو ما يسميها الفقهاء رحمهم الله تعالى الطهارة الحسية، وهي فرع عن الطهارة الأولى. وهذه الطهارة كذلك على قسمين: الطهارة الحسية على قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من الخبث. فأما الطهارة من الحدث، فهي تطهر لرفع حدث ما نزل بالإنسان، لأجل أن يصير طاهرًا، فتصح منه الصلاة وما يتطلب الطهارة من الأعمال. هذا يسمى طهارة من حدث. مثلا كما جاء في حديث أبي هريرة: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». فهنا طهارة من ماذا؟ من حدث. ومنه كذلك قوله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم، الحديث: «لا يقبل الله صلاة من غير طهور». والمقصود بالطهارة هؤلاء طهارة الحدث، الطهارة من الحدث. القسم الثاني: الطهارة من الخبث، والمراد بالطهارة من الخبث: الطهارة من النجس، أي من النجاسات التي تصيب جسد الإنسان أو ثيابه. فهذه كذلك أمرت الشريعة بتطهيرها، بطهارة الجسد وطهارة الثياب وأماكن العبادات من النجاسات والقذارات، أو هذا الخبث. فخلص لنا وعلمنا من ذلك أن الطهارة من حيث هي على قسمين: معنوية، وهي الأصل، وحسية، وهي فرع. وهي التي يتكلم عليها الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه، يتكلمون على القسم الثاني من الطهارة، وهي الطهارة الحسية، وهي التي تنقسم إلى قسمين: طهارة من حدث، وطهارة من خبث. ولما كانت هذه الطهارة الأصل في التطهير، سواء كان من الحدث أو كان من الخبث، لما كان الأصل في تطهير ذلك بالماء، ابتدأ الأئمة رحمهم الله تعالى في كتب العلم، ولا سيما في كتب الفقه، بكتاب أو بأبواب المياه، لأجل هذا المعنى، لأجل هذا المعنى، أي أن التطهير وأصل التطهير إنما يكون بالماء. قال رحمه الله تعالى: «خُلق الماء طهورًا يطهر من الأحداث والنجاسات، ولا تحصل الطهارة بمائع غيره». قوله رحمه الله تعالى: «خُلق الماء طهورًا»، أي أن الله جل وعلا خلق الماء طهورًا، فأصل خلق الماء أنه طاهر بأصل الخلقة، أنه طاهر بأصل الخلقة، أي لم يحصل له تغير، لم يحصل له تحول، لم يضف إليه شيء، فصار طاهرًا. ولكنه طاهر بأصل خلقته، هو طاهر بأصل خلقته. لذا قال: «خُلق الماء طهورًا»، أي بأصل خلقته هو طهور، هو طهور، لقول الله جل وعلا: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. فقوله رحمه الله تعالى: «خُلق الماء طهورًا»، أي أنه طاهر في نفسه، ومطهر لغيره. والصحيح كما سيأتي معنا: أن الطاهر في الماء أن الماء إما طاهر، ويدخل فيه الطهور، وإما نجس. فقوله رحمه الله تعالى: «خُلق الماء طهورًا يطهر من الأحداث والنجاسات»، فيه إشارة إلى ما تقدم من أن الطهارة إما أن تكون من حدث، وإما أن تكون من خبث، الذي هو بمعنى النجس. قوله رحمه الله تعالى: «يطهر من الأحداث والنجاسات»، الأحداث سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام عليها، وكذا النجاسات. والمقصود أن يعلم أن الماء مطهر للعبد من الحدث، إذا أحدث على الوصف الذي بيّنه الشرع في كيفية حصول الطهارة من الحدث، سواء كانت الطهارة الصغرى أو الطهارة الكبرى. لأن الحدث كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا: الحدث إما أن يكون حدثًا أصغر، وتحصل الطهارة بالوضوء منه، وحدث أكبر، ولا تحصل الطهارة منه إلا بالغسل. قوله: «يطهر من الأحداث والنجاسات، ولا تحصل الطهارة بمائع غيره». هذا الكلام عائد على ما تقدم ذكره من أن الماء هو الذي اختص بهذا الوصف، أنه يطهر من الحدث ويطهر من النجاسة. أما بالنسبة للحدث، فهذا قول عامة أهل العلم، من أن الماء هو الذي فقط يحصل به الطهر والتطهير. وخالف في ذلك أهل الرأي، فقالوا: يجوز التطهر بالنبيذ، وخصوه ببعض أنواع النبيذ، ما كان من تمر ونحوه. بمعنى أن هؤلاء، أي أهل الرأي، قالوا: إذا توضأ الإنسان بالنبيذ صح وضوءه وصح طهارته. وهذا قول ضعيف مرجوح، احتجوا على ذلك بحديث جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم التمس ماء يتوضأ به، فما وجد إلا نبيذًا، فقال: «ماء طاهر ونبيذ طيب»، أو كما قيل. وهذا الحديث لا يصح، ضعيف. فالصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، والذي عليه عامة العلماء وعامة الفقهاء وأكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى: أن الطهارة من الحدث لا تكون إلا بالماء، لا تكون إلا بالماء، لقول الله جل وعلا في آية التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، بعد أن ذكر الله جل وعلا أحكام الوضوء، وبين أحكام الوضوء، قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فحصل الانتقال عند عدم حصول الماء من الماء، إذا كان إما أن يكون الماء موجودًا فهو الأصل في التطهير والطهارة، فإن لم يكن ماء، انتقل إلى التيمم. ولم يقل ربنا تبارك وتعالى: فماذا؟ فتوضأوا بالنبيذ، أو ما شابه ذلك. بل قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فنقل عند عدم الماء إلى التراب، نقل من أراد الطهارة عند عدم الماء، نقلهم إلى التراب. ولينتقل إلى البدل عند وجود الأصل، مع وجود الأصل. كان غيره أصلا في الطهارة، فدل ذلك على أن الطهارة من الحدث لا تحصل إلا بالماء، بالماء الطاهر. وأما أن النجاسة لا تطهر أو لا يحصل الطهارة منها إلا بالماء، فهذا خلاف الراجح. فالراجح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى: أن النجاسة تطهر بالماء وبغيره؛ لأن المقصود من تطهير النجاسة إزالة العين وإخفاء الأثر. فقوله رحمه الله: «خُلِق الماء طهورًا يُطهِّر من الأحداث والنجاسات، ولا، تحصل الطهارة بمائع غيره»، نقول: من الحدث، إن أراد به من الحدث، فنعم هو الصواب، وهو الذي عليه عامة العلماء رحمهم الله تعالى، خلافًا لأبي حنيفة. وأما أن النجاسة لا تطهر أو لا يحصل الطهارة منها إلا بالماء، فهذا خلاف الراجح. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على