شرح مسائل الجاهلية  36

شرح مسائل الجاهلية 36

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 36، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الاستدلال بسبق الضعفاء إلى الدين

يتناول هذا الفصل كيفية استدلال الكفار على بطلان الدين الإسلامي بحجة سبق الضعفاء إليه، واستخدامهم للآية ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ في الطعن على الدين.

تحليل وتفنيد شبهة اليهود

يناقش هذا الفصل قول اليهود بأن الإسلام ليس بخير لأنه سبق إليه الضعفاء، ويعرض ردود أهل السنة والجماعة على هذه الشبهة، مستدلين بأن كل خير قد سبق إليه الصحابة.

خاتمة الدرس والدعاء

يختتم هذا الفصل الدرس بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة والعشرون: الاستدلال على بطلانه بسبق الضعفة، كقوله: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه. هذه الفقرة، إخواني في الله، لربما من نظر فيها يرى أنها تشابه التي قد مضت. فهذه الفقرة التي بين أيدينا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: الاستدلال على بطلانه، أي على بطلان الدين، بسبق الضعفاء، أي بمسابقة ومسارعة الضعفاء في الدخول إليه. الفقرة السابقة التي عنون لها المؤلف بقوله: ترك الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء، فتجد هناك سبق الضعفاء، وهناك ذلك سبق الضعفاء، فهل هناك فارق أم لا؟ وهذه من المواطن التي من أجلها تم الاختلاف بين العلماء في تعداد مسائل هذه الرسالة. وقد ألمحنا إلى ذلك في أوائل الشرح أن العلماء اختلفوا في عدد مسائل هذه الرسالة على عدد معين، والسبب الاختلاف في عدها. هذه المسألة أن أهمية الفقرات ما هي متشابهة، قد تشابهت في المعنى، بل حتى قريب الألفاظ، فقام بعض العلماء بدمج بعض الفقرات بعضها إلى بعض، كما فعل آلوسي رحمه الله تعالى في شرحه على هذه المسائل، أن ربما أدمج عدة فقرات وجعلها في فقرة واحدة لأنها متشابهة والمؤدى واحد والمعنى واحد. كما نظر إلى هذه المسألة، والتي قبلها يراها كلها تؤدي إلى معنى واحد، وهذا نعلم لماذا الاختلاف في العدد؟ أن الأنظار التي ينظر فيها العلماء تختلف، منهم من يدمج، ومنهم من يبقي كل مسألة على حدة. طيب نبقى مع هذه الفقرات، هل هناك فارق بين هذا وبين تلك؟ ربما قد نعثر على فارق. الفارق الذي قد يتبادر إلى الذهن أن في هذه الفقرة بماذا استفاد؟ قال مؤلف الاستدلال على بطلانه، أي على بطلان الدين بسبق الضعفاء. الآن ننظر إلى الفرق، هذه المسألة أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين أن الكفار كانوا يطعنون في الدين بأن هذا الدين هو دين باطل. ما الدليل على أن الدين باطل؟ قال: لأن الضعفاء سبقوا إليه. هذه الفقرة التي بين أيدينا، لكن لو تلاحظ أن الفقرة السابقة تختلف من أي حيثية هو في قوله: ترك الدخول في الحق، أي في الفقرة السابقة الكفار يصرحون بأن الإسلام ليس دين باطل، بل هو دين حق. هذا فارق جوهري، وتلاحظ أن الكفار يعتقدون بأن الدين هو دين حق، قال: ترك الدخول في الحق إذا سبق إليه الضعفاء، إذا سبق إليه الضعفاء. إذن الفقرة السابقة هم مدحوا الدين بأنه دين حق، لكنهم طعنوا في الأتباع. لكن هذه الفقرة ماذا فعلوا؟ طعنوا في الدين أصلاً، طعنوا في الدين أصلاً وحكموا على هذا الدين بأنه باطل من أي باب؟ من باب كذلك الأتباع. فلعله من هذه الحيثية فارق المؤلف رحمه الله تعالى بين المسألتين، أن الكفار من حججهم تارة أنهم يقولون أن هذا الدين دين حق، بل حتى أسباب النزول التي مرت في الدرس السابق كيف أن الكفار كانوا يصرحون بل كانوا يطالبون نبينا أن يعقد لهم مجلسًا على حدة لكي يتعلموا الدين، فهذا إقرار منهم على أن هذا الدين حق. لكن ما الذي منعهم؟ وما الذي حجزهم عن التعلم عن الدخول في الإسلام؟ سبق الضعفاء، هذا الذي حجزهم. لكن هذه الفقرة تختلف من ماذا؟ بأنهم حكموا على الدين بأنه باطل، ليس دين حق، بل هو دين باطل. وهذا ولوج في الخصومة، فقال رحمه الله تعالى: الاستدلال على بطلانه بسبق الضعفاء. ثم استدل بالآية ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، وبهذا إخواني، لعل هذا الذي أراد المؤلف، والله علمه عند الله جل وعلا، لأن المؤلف ذكر فقرة ثم عرج أو عقبها بفقرة ثانية، فهو فعل ذلك عن عمد، فعل ذلك عن قصد. فلعله أراد هذه المسألة ببيان أكيف أن الكفار يحتجون ببعض الحجج تارة بسبق الضعفاء، وبه يستدلون على أن دين الحق هو الدين، فهذا الذي منعهم، أو أن الدين هو باطل من أصله باطل من أصله لوجود الضعفاء قد سبقوا إليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الاستدلال على بطلانه بسبق الضعفاء، كقوله: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، وقال الذين كفروا للذين آمنوا ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. هذه الآية فيها دلالة واضحة على ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى بأن الكفار كانوا يعيرون الدين بأن هذا الدين ما سبق إليه إلا من أمثال هؤلاء أي الضعفاء. وهذه الآية ذكر العلماء لها عدة أسباب نزول، كما صرح بذلك ابن الجوزي رحمه الله تعالى في زاد المسير، ذكر خمسة أسباب من أسباب النزول، فلتراجع في مضانها. منها تلكم القصة التي جاءت مرسلة عن بعض التابعين أن عمر رضي الله تعالى عنه قبل إسلامه كان له مولى إمرأة مسكينة فقيرة وهي أسلمت، وكان عمر يضربها ضربًا شديدًا، فكان الكفار يعيرون الدين بهذه المرأة. انظر لهذا الدين يدخل فيه من أمثال هؤلاء المرأة المسكينة الفقيرة وهي تعتمي الموالي، فكان يعيرون أهل الدين مثل هذه المرأة، قالوا هكذا. وقالوا عدة أسباب كما قلنا في مراجع إلى مضانها. وهنا قول مؤلف رحمه الله تعالى في الآية: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، قال علماء: للذين آمنوا هنا اللام بمعنى عن، أي مفهوم الآية أو معنى الآية: وقال الذين كفروا عن الذين آمنوا، أي يتحدثون عنهم. اللام بمعنى عن، وقال الذين كفروا عن الذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، ما سبقونا إليه. بقي من هؤلاء الذين كفروا، من هؤلاء الذين كفروا لتلفظوا بهذه الكلمات لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، منهم من قال: أنهم كفار قريش، ومنهم من قال: أنهم اليهود، أنهم اليهود. وابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره رجح أنهم اليهود، أنهم اليهود هم الذين نطقوا بهذه الكلمات، أنهم طعنوا في دين الله جل وعلا بحجة أن من أمثال هؤلاء دخلوا في الدين. فقال اليهود: لو كان هذا الدين فيه خير، وهذا فيه طعن في الدين، لو كان في هذا الدين خير لما سبق إليه فلان وفلان من الضعفاء والمساكين. والذي جعل ابن جرير رحمه الله تعالى يميل إلى أن هذا متعلق باليهود وبأهل الكتاب خاصة أن سياق الآيات التي في سورة الأحقاف السابق واللاحق جاءت في حق أهل الكتاب. وشاهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم الآيات، ثم جاءت هذه الآيات وبعدها آيات كلها جاءت في سياق بني إسرائيل، وهذا الذي جعل ابن جرير رحمه الله تعالى يقول بأن هؤلاء الذين نطقوا بهذه الكلمات وعيروا المسلمين بهذا التعيير هم اليهود. فقوله رحمه الله تعالى: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، فيه الذي ذكر وما يتعلق بمساء الباب قد مر شبيه منها. ومنها يتعلم كيف أن الكفار يحتجون بالحجج الواهية، وكيف أن الشيطان يتلاعب بهم بأن يغذيهم بمثل هذه الشبهات، كذلك فيه القياس الباطل، القياس الفاسد الذي يستدل عليه الكفار، وفيه كذلك الكبر والأنفة والفخر والكبرياء الذي قد تربى عليه الكفار وأهل الجاهلية، وأن من كان على هذا الفهم وأنه أن يقيس الحق بالأصحاء وبالأشخاص، فهذا فيه خصيصة ومن أخلاق أهل الجاهلية. كذلك نختم هذا المقام إخواني بالله بفائدة ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية، وهي ما قال: قوله رحمه الله تعالى: أن الذين كفروا قالوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، فقال: وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل قول أو فعل لم يثبت عن الصحابة لسبقونا إليه. قال رحمه الله تعالى: قال وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل قول أو فعل لم يثبت عن الصحابة فهو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فإنه ما من خير إلا سبقونا إليه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وأراد بهذا رحمه الله تعالى أن يبين المطابقة، فقول أهل الكفر: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، لكن في عقيدة أهل السنة والجماعة بالعكس. فإن نرى ونعتقد بأن كل خير قد سبقنا إليه، فلم يترك لنا المجال بأن نخترع أقوال وأفعال وأعمال تخالف الشريعة، فما يسمى عند بعض الناس بالبدعة الحسنة، هذا مردود على صاحبه. فمن أنشأ قولاً من أذكار، من أوراد، من أدعية، أو أتى بعبادة من محدثات، من مخترعات، من سلوك، من منهاج يسار عليه، يقال: هذه بدعة، لماذا؟ لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك. فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة: لو كان خيرًا يا من تفعل، ويا من تقول لهذا الذي جئت به خير، لو كان خيرًا لسبقنا إليه. وهذه كلمات تكتب بماء الذهب، قال رحمه الله تعالى: فإن كل قول أو فعل لم يثبت عن الصحابة فهو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه. وهذا معيار عند أهل السنة والجماعة، به تقاس الأمور، والحكم على البدعة، على كل قول أو فعل. فالحاصل إخواني في الله، فما يتعلق بمسائل هذه الباب قد مرت، وقوله أبد السبق الضعفاء قد مر معنا تكرارًا، أن الضعفاء الذي يعنى بهم هم الفقراء والمساكين والعبيد والموالي والصبيان والنساء. إلى هنا فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.