الدرس في كتاب الطهارة 20، ألقاها
تناولت المقاطع حكم النوم كونه ناقضًا للوضوء، حيث ذهب الفقهاء إلى التفصيل بين النوم الثقيل والخفيف. النوم الثقيل ناقض للوضوء بينما لا ينقض النوم الخفيف.
ناقشت المقاطع نواقض الوضوء مثل مس الفرج ومس المرأة، حيث ذهب بعض العلماء إلى أن مس الفرج مستحب للوضوء وليس بواجب، ومس المرأة بشهوة ناقض للوضوء حسب بعض الأقوال.
تناولت المقاطع أحكام الطهارة ونواقض الوضوء مثل الردة عن الإسلام وأكل لحم الإبل، حيث أوضحت أن الردة لا تنقض الوضوء إذا تاب الشخص فورًا، وأكل لحم الإبل ناقض للوضوء.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله، وهو يذكر نواقض الوضوء، فذكر كما تقدم معنا الخارج من السبيلين، والخارج النجس من سائر البدن إذا فحش. وكما مر معنا الكلام على الخارج من السبيلين أن العبرة بالمعتاد، والخارج النجس من سائر البدن إذا فحش، كما تقدم كذلك أنه ليس بناقضٍ على الصحيح من أقوى العلماء، سواء كان دمًا أو كان صديدًا أو ما شابه ذلك، إلا أن يكون ذلك الخارج غائطًا أو بولًا، فإنه حينها يكون ناقضًا من نواقض الوضوء؛ لما تقدم معنا من أدلة نقض الوضوء من الغائط أو البول، كما جاء في حديث الصفوان «من غائطٍ أو بولٍ أو نوم». قال رحمه الله تعالى: «وزوال العقل»؛ وزوال العقل كما يقول علماء رحمهم الله تعالى ناقضًا من نواقض الوضوء أيضًا، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. والمقصود بزوال العقل زوال العقل بإغماء أو جنون أو نحوه؛ زوال العقل إما بإغماء أو بجنون أو بنحوه، فإنه ناقض من نواقض الوضوء. وكذلك مما ذكره رحمه الله تعالى هاهنا بقوله: «إلا النوم اليسير جالسًا أو قائمًا»، فلما ابن قدامة رحمه الله تعالى كذلك أدخل في زوال العقل النحوم لما يشترك في هذا المعنى مع زود العقل، إلا أن العقل في النائم لا يزول بالكلية، وإنما يزول مدة كونه نائمًا، فهو زوال مؤقت. وكذلك الزوال العقل لا يكون مطبقًا تمامًا عند كل الناس، لذا جاء في خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه أنه قال: «إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فقوله رحمه الله تعالى: «وزوال العقل» كما تقدم بجنون أو إغماء، وأما زوال العقل بالنوم، وهو كذلك ناقض من نواقض الوضوء، هذا الناقض كما سمعتم اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في عده ناقضًا أم لا؛ النوم هل النوم ناقض من نواقض الوضوء أم لا؟ وسبب خلافهم سبب اختلاف الفقهاء رحمهم الله تعالى ظاهر أو ظاهر التعارض بين الأدلة في هذا الباب. فقد جاء في حديث صفوان بن عسال الذي تقدم ذكره عند أبي داود والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيمن لبس الخفين «أن يمسح عليهما ثم قال: إلا من غائطٍ أو بولٍ أو نوم»، فهذا الحديث ظاهره أن النوم مطلقًا ظاهره أن النوم ينقض الوضوء، كالبول والغائط. مع ما جاء في حديث أنس عند مسلم، وجاء كذلك في بعض رواية خارج الصحيح عند أبي داود وغيره: «أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء»، حتى جاء في بعض الروايات «يضجع بعضهم على جنبه»، وجاء في بعض الروايات «وإن لأحدهم لقطيط»، وما شابه ذلك من الألفاظ الدال على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون، قال أنس: «فإذا خرج عليهم قاموا فصلوا ولم يتوضأوا»، فاستدل من استدل من أهل العلم بالحديث الأول على أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، واستدل من استدل من أهل العلم بالحديث الثاني على أن النوم ليس بناقض من نواقض الوضوء. وتفرع على ذلك أو فرع العلماء رحمهم الله تعالى على هذه الأحاديث، وأوجها لأجل الجمع بين الحديثين. أي كما سمعتم من أهل العلم أن أخذ بالقاوي الأول، ولم يلتفت إلى الحديث الثاني، ومنهم من أخذ بالحديث الثاني ولم يلتفت إلى الحديث الأول. ومن أهل العلم من رام الجمع بين الحديثين، ثم إنهم في الجمع بين تلك الأحاديث لهم في ذلك أقوال واختلافات. فمنهم من فرق بين النوم مضجعًا والنوم قاعدًا، فقال: من نام مضجعًا فإنه هو الذي ينقض وضوءه، بخلاف من كان جالسًا نام وجالس فإنه لا ينتقض وضوءه. ثم هؤلاء القائلون بهذا أيضًا فصلوا في الجالس، فقالوا: ليس كل جلوس لا ينقض الوضوء، بل الجلوس الذي يمكن الإنسان فيه مقعدته من الأرض لا ينقض الوضوء، أما إذا كان جالسًا ولم يكن ممكنًا لمقعدته على الأرض، فإن هذا ناقض من نواقض الوضوء. وذكرت أقوال وأشاهد من هذا أن في المسألة خلاف بين العلماء، والراجح من هذه الأقوال والله تعالى أعلى وأعلم هو القول بالجمع بين الحديثين، والتفصيل في حالة النائم، وهو أن النوم على قسمين: نوم لا يدرك صاحبه معه شيئًا مما هو حوله، لا يدرك شيئًا مما حوله، أشبه ما يكون بالمغمى عليه، فهذا إذا نام الإنسان على هذه الهيئة وعلى هذا الشكل فإنه يكون ناقضًا من نواقض الوضوء أخذًا بحديث صفوان بن عسال. فحديث صفوان بن عسال ينزل على هذه الحالة، على النوم الذي لا يدرك صاحبه معه من حوله. والحالة الثانية من النوم أن ينام نومًا يدرك به معه من حوله، أن يشعر بمن حوله، يسمع الأصوات ويميز بين الحركات وهو مضجع، قالوا: ولو حصل منه أن كان مضجعًا على أحد جنبيه أو سمع منه شيء من الغطيط، فإن هذا لا ينقض؛ أن يكون معه شيء من الإدراك. وعلى هذا يحمل حديث أنس، فمثل هذا النوم لا ينقض الوضوء. وتحقيق هذا القول وتحرير هذا القول هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أن النوم في ذاته ليس بناقض من نواقض الوضوء، وإنما هو مظنة لانتقاض الوضوء. قال: لذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم ينام حتى يسمع له غطيط، ومع هذا كان يقوم ويصلي ولا يتوضأ، وكان يقول: «تنام عيناي ولا ينام قلبي»، فدل ذلك على أن العبرة بالإدراك؛ فما دام الإنسان يدرك ما حوله، فإنه لا يكون ناقضًا. وأما إذا لم يكن كذلك فإنه يكون ناقضًا من نواقض الوضوء؛ لاحتمال أن يكون خرج منه ناقض من نواقض الوضوء، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتقض وضوءه كغيره من المسلمين بنواقض الوضوء الأخرى، فدل ذلك على أن النواقض الأخرى هي نواقض بذاتها، بخلاف النوم فإنه مظنة للحدث، فلما كان كذلك كان العبرة في ذلك بالنوم الثقيل الذي لا يدرك الذي لا يدرك معه شيء، والنوم الخفيف الذي يدرك معه من حوله. وبهذا التفصيل يزول الإشكال وتظهر المسألة، ويظهر كذلك رجحان هذا القول في هذه المسألة، والله تعالى أعلى وأعلى. فالراجح من أقوي العلماء في هذه المسألة في مسألة النوم: هل هو ناقض من نواقض الوضوء أم لا؟ الراجح من أقوي العلماء رحمهم الله تعالى أن النوم الثقيل الذي لا يدرك صاحبه معه شيء هذا ناقض من نواقض الوضوء، وأما ما كان سوى ذلك، أي مما يدرك معه الإنسان ما حوله، فإنه ليس بناقض من نواقض الوضوء. قال رحمه الله تعالى: «وزوال العاقل إلا النوم اليسير جالسًا أو قائمًا»، أي هذا على ما تقدم تفصيله ممن يفرق بين نوم الجالس ونوم المضجع أو نوم القائم ونوم الجالس أو المضجع، وما شابه ذلك من أقوال ذكرها الفقهاء رحمهم الله. والراجح ما تقدم ذكره. قال رحمه الله تعالى: «ولمس الذكرين بيده». وقوله رحمه الله تعالى: «ولمس الذكرين بيده» ليس المقصود الذكر فحسب، بل مقصود الفرج من الذكر كان أو من الأنثى. وهذه المسألة كذلك مسألة مس الفرج: هل هو ناقض من نواقض الوضوء أم لا؟ هذه المسألة كذلك وقع فيها خلاف بين العلماء، وكل قائل بقول استدل لقوله بدليل من السنة النبوية. فمن أهل العلم ذهب إلى أن مس الفرج ليس بناقض من نواقض الوضوء، واستدل على ذلك بما جاء في حديث طلق بن علي رضي الله عنه من طريق قيس بن طلق بن علي عن أبيه رضي الله عنه: «أنه مس فرجه أو قال ذكره في الصلاة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ قال: «لا، إنما هو بضعة منك»». قالوا: فهذا دليل على أن مس الفرج ليس بناقض من نواقض الوضوء. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وحسنه جماعة من أهل العلم منهم من المتقدمين علي بن المديني رحمه الله، وكذلك عمر بن علي الفلاس، وكلاهما من أئمة الحديث والعلل، وهو حديث حسن. والقول الثاني: من ذهب إلى أن مس الفرج ينقض الوضوء، واستدل هؤلاء على قولهم بما رواه كذلك أبو داود وغيره من حديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره، وفي رواية: من مس فرجه فليتوضأ». وهذا الحديث كذلك صححه جماعة من الأئمة الحفاظ، منهم الإمام البخاري رحمه الله تعالى وآخرون، فهو حديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مس فرجه فليتوضأ». وكل أخذ بقول واستدل لقوله بما ذكره من أدلة في ذلك. وذهب آخرون إلى أنواع من الجمع بين الحديثين، إلى أنواع وألوان من الجمع بين الحديثين. فمنهم من قال: يفرق بين المس إذا كان بشهوة والمس إذا لم يكن بشهوة، فما كان بشهوة فإنه ينقض الوضوء، وما لم يكن كذلك فإنه لا ينقض الوضوء. ومنهم من فرق بين المس بباطن الكف والمس بظاهر الكف، فقال: ينقضون بالأول ولا ينقضون بالثاني. ومنهم من ذكر تفاصيل في ذلك نحو هذا. وأقرب الأقوال في المسألة والله أعلى وأعلم القول بأن الوضوء من مس الفرج مستحب وليس بواجب، جمعًا بين الحديثين. وهذا القول هو قول للإمام مالك رحمه الله تعالى، وكذلك رواية على الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ورجحه كذلك من المعاصرين العلامة ابن عثيمين رحم الله الجميع. وهو القول بأن مس الفرج مستحب وليس بواجب، جمعًا بين الدليلين بين الحديثين؛ لأن القول بأن أحد الحديثين ضعيف ليس بصحيح، الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أن كلا الحديثين صحيح. والقول بأن أحدهما نسخ الآخر أو أن أحدهما أرجح من الآخر قول ضعيف؛ لأن النسخ والترجيح لا يلجأ إليها إلا بعد تعسر الجمع، إلا بعد تعسر الجمع. والجمع ها هنا ممكن، فيصار إلى الجمع. ومن باب الفائدة ذكر بعض العلماء فائدة لطيفة تقوي القول بالاستحباب: وأن حديث طلق بن علي غير قابل للنسخ، وأن حديث طلق بن علي غير قابل كذلك للترجيح، أي لترجيح غيره عليه؛ وذلك بأن ذكر بأن حديث طلق بن علي فيه تعليل نبوي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما هو بضعة منك»، فقوله: «إنما هو بضعة منك» هذا ماذا؟ هذا تعليل؛ تعليل من النبي صلى الله عليه وسلم. والحكم إذا كان معللًا فإن العلة لا يصلح أن تكون ثابتة في زمن وتكون منتفية في زمن آخر. وعلى هذا فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما، قالوا: إذ لا يتطور في أن زمنًا من الأزمان يأتي فيقول قائل مثلًا: بأن ذكرك ليس بضعة منك، حتى يقال: انتفت العلة فانتفي معها الحكم. هل ممكن هذا يا جماعة؟ هذا غير ممكن، يأتي إنسان يقول مثلًا: هذه علة لكن علة عليلة أو ليست بصحيحة، أو بأنها علة منسوخة، لماذا؟ يقال له: أن هذا غير ممكن ومستحيل؛ لأن هذا التعليل نبوي، وهو أعلى أنواع التعليلات. وإذا كان كذلك فإن الحكم يدور معه وجودًا وعدما، فإنه من المحال أن يكون ذكر الإنسان أو فرج الإنسان بضعة له في زمن، ثم لا يكون بضعة له في ماذا؟ في زمن آخر، هذا لا يتصور ولا يكون ممكنًا. فدل هذا على أن حديث طلق بن علي قاعدة مستمرة؛ أن حديث طلق بن علي قاعدة ماذا؟ مستمرة، تعليل نبوي يدور الحكم معه دائمًا. لكن لما جاء حديث بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الفرج، احتجنا إلى ماذا؟ إلى الجمع بين حديثين، فخرجنا بالقول بأن مس الفرج يستحب الوضوء منه ولا يجب الوضوء منه، هذا هو الصحيح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، جمعًا بين الأدلة. قال رحمه الله تعالى: «وأن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة» كذلك من نواقض الوضوء التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة؛ أي مما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى من نواقض الوضوء مس المرأة أو مس الرجل؛ مس الرجل للمرأة بمعنى أن الرجل إذا مس مرأة مست بشرته امرأة، فإنه يجب عليه الوضوء. ثم من أهل العلم من أخذ بإطلاق ذلك الحكم، بمعنى أنه إذا مس المرأة سواء كان متعمدًا أو لم يكن متعمدًا، سواء كان بحائل أو لم يكن بحائل، سواء كان بشهوة أو لم يكن بشهوة، بأنه ينقض الوضوء أخذا واستدلالًا بقول الله جل وعلا: «أو لامستم النساء»، قالوا: هذا ملامس للنساء، والله جل وعلا أطلق الحكم فيبقى على إطلاقه. وذهب آخرون إلى أن الناقض من ذلك أي من مس المرأة، أي إذا مس الرجل المرأة أن يمس الرجل المرأة بماذا؟ بشهوة، أما إذا مسها بغير شهوة فإنه لا ينقض الوضوء؛ قل لأن ظاهر الآية وصياغ الآية تدل على هذا المعنى على أن المعنى المس بشهوة، إذ لو لم يكن بشهوة لم يكن ناقضًا لعدم دلالة الآية. وذهب آخرون إلى أن العبرة كذلك بأن يمس البشرة البشرة، بمعنى أنه لو مس الرجل المرأة بحائل، أي كان لها حائل ثوب، سواء كان غليظًا أو كان رقيقًا، قالوا: فإنه لا ينقض الوضوء، وإنما ينقض الوضوء إذا مست البشرة البشرة، بخلاف ما إذا مست البشرة ساترًا للمرأة غليظًا كان أو رقيقًا، فإنه لا ينقض الوضوء. وهذه أقوال من يقول بنقض مس الرجل للمرأة في الوضوء. وفي المقابل قول آخر للعلماء رحمهم الله تعالى، وعلى رأس هؤلاء العلماء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في آخرين ممن يقول: بأن مس المرأة أي إذا مس الرجل المرأة فإنه لا ينتقض وضوءه؛ وذلك لأن قول الله جل وعلا: «أو لامستم النساء» ليس المقصود بالملامسة هاهنا المس، وإنما المراد بالملامسة هاهنا الجماع، وليس المقصود به أن يمس الرجل المرأة. وهذا القول ذهب إليه كثير من العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين، وعليه أكثر المتأخرين، وهو الراجح، الراجح لأمور: أولها لما تقدم من تفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للآية. وكذلك روي هذا التفسير عن علي رضي الله عنه، إلا أن الإسناد إلى علي فيه كلام، أي ضعيف، لم يصح عن علي رضي الله عنه هذا التفسير، لكن صح عن ابن عباس رضي الله عنهما هذا أمر. والأمر الثاني: جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، قالت: فإذا أوتر فأراد أن يزجد، قالت: غمزني، جاءت في بعض الروايات: غمزني برجله، قالت: فأرفع رجلي فيزجد»، أشاهد منه أنه فغمزني، ففي ماذا؟ ملامسة من رجل المرأة وهو في ماذا؟ في الصلاة، ولم ينتقد ذلك الوضوء بذلك المس من النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها. والأمر الثاني أو الثالث: ما جاء كذلك في الصحيح، أي في صحيح مسلم أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة والبيوت حينها مظلمة، قالت: فذهبت التمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به ساجد، قالت: فوقعت كف على باطن قدمي، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد يصلي»، الحاصل أنه حصل ماذا؟ مماسة من المرأة بالرجل، وكما قال علماء رحمه الله تعالى: إذا كان مس الرجل المرأة ينقض، فالعكس كذلك؛ فالعكس كذلك ماذا؟ أي أن المرأة إذا مست الرجل كذلك ينتقض وضوءهما، كما أن الرجل إذا مس المرأة ينتقض وضوءه، كذلك العكس إذا حصل المس من المرأة للرجل انتقض وضوء الجميع. فالحاصل هو أن الأقرب والصواب من قولي العلماء أو من أقوي العلماء في هذه المسألة: أن مس المرأة ليس من نواقض الوضوء. وقد جاء في ذلك حديث لو صح لكان كما يقال هو الفيصل في الباب، جاء في سنن أبي داود وغيره عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان يقبل نساءه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ». وهذا الحديث لو صح لكان حكمًا في هذا الباب وفيصلا فيه، ولكن هذا الحديث لا يصح؛ بعد أن رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى رجح فيه الإرسال؛ لأنه من طريق إبراهيم النخعي عن عائشة رضي الله عنها، وهو لم يسمع منها، فالحديث ضعيف، لكن معناه صحيح. لكن معناه صحيح لما تقدم ذكره. وأضف إلى هذه الأدلة السابقة نستصحب قاعدة: ما هي هذه القاعدة؟ جماعة ذكرناها في أول النواقض وذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، ما هي؟ أن ما ثبت بيقين فإنه لا يزال إلا بماذا؟ إلا بيقين. وليس عندنا يقين هاهنا ينقض الوضوء إذا نبقى على ماذا؟ نبقى على الأصل، ما هو الأصل؟ بقاء الطهارة؛ الأصل بقاء الطهارة لعدم الدليل الدال على انتقاضها بمسي الرجل للمرأة، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: «والردة عن الإسلام». والردة عن الإسلام أيضًا الردة عن الإسلام، والردة تكون بأمور كثيرة، قد تكون بقول، وقد تكون بفعل، أي بعمل، وقد تكون كذلك باعتقاد؛ قد تكون باعتقاد. فعقيدة أهل السنة والجماعة أن نقض الإيمان، وهو كذلك نقض الإسلام، إما أن يكون قوليا وإما أن يكون فعليا وإما أن يكون اعتقاديا. فالحاصل أن الإنسان لو حصلت منه ردة والعياذ بالله، ارتد عن الإسلام، صار كافرًا بعد أن كان مسلمًا، فهل ينتقض وضوءه؟ إن تصور والعياذ بالله في إنسان توضأ وصل أو توضأ وأراد الصلاة فحصل منه ناقض من نواقض حصل له ناقض من نواقض الإسلام، مثلا والعياذ بالله سب الله أو سب رسوله أو سب دين الإسلام، هذه ردة أم لا؟ هذه ردة، ويكون مرتدًا بمجرد ما ذلك القول الذي قصده وتعمده. طيب الإنسان لو أن إنسان حصل منه هذا فوجد إنسانا يذكره بالله جل وعلا فتاب وأناب، واستغفر، هل يطالب هذا الإنسان بأن يتوضأ وضوءًا آخر لأجل أن يصلي تلك الصلاة أم أنه يكتفى بالوضوء الأول؟ واضح جماعة، المسألة مفروضة في هذه الحالة: إنسان توضأ ثم ارتد، هل ينتقض وضوءه بذلك الردة إذا رجع الإسلام مرة ثانية أم لا؟ لأنه لو بقع الردة فهو ماذا؟ فهو على كفره. لكن الصورة في إنسان وقعت منه الردة وهو متوضأ، يعني قبل الردة توضأ، ثم وقعت منه الردة، ثم تاب إلى الله ورجع إلى الإسلام، هل ينتقض وضوءه أم لا؟ واضح هذه المسألة جماعة. طيب في المسألة خلاف كذلك مشهور بالعلماء، منهم من ذهب إلى أن الوضوء ينتقض أخذا بقول الله جل وعلا: «لئن أشركت لَيُحْبِطَنَّ عَمَلَكَ» وكذلك الآيات الدالة على هذا المعنى «وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، قالوا: والوضوء من جملة ماذا؟ من جملة العمل، فإذا يكون حابطًا كغيره من الأعمال. وذهب آخرون إلى أن الإحباط في الآيات المذكورة مقيد بما إذا مات على ذلك؛ للآيات الأخرى التي فيها قول الله جل وعلا: «فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ»، «فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ»، قالوا: فما أطلق في الآيات الأولى يقيد بالآيات ماذا؟ الأخرى، فيحمل المطلق على المقيد. وإذا حمل المطلق على المقيد، علم أن الردة من حيثها ليست بناقضة من نواقض الإسلام إذا لم يمت إنسان وهو على تلك الحالة؛ لقول الله جل وعلا: «فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ»، «فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ»، فالقيد ماذا؟ الحال وهو كافر، أي حاله كذلك؛ لأن قول الله جل وعلا: «فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ» أي وهو على هذه الحالة وعلى هذه الصفة. فعلم من ذلك أن الردة بذاتها ليست بناقض من نواقض الوضوء إلا أن يموت الإنسان على ذلك، فهو قد مات على ماذا؟ على الكفر والعياذ بالله جل وعلا، ولا ذنب أعلى من الكفر. فعلم من ذلك أن الردة كما سمعتم ليست بناقض من نواقض الوضوء إذا لم يمت الإنسان عليها. فعلى الصورة المذكورة لو أن إنسان توضأ فأراد أن يذهب إلى المسجد فحصل منه ردة ثم تاب إلى الله جل وعلا في الحال، هل ينتقض وضوءه بتلك الردة أم لا؟ الصحيح من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى أن وضوءه لا ينتقض بذلك؛ لعدم الدليل على ذلك. والآية المذكورة أو ما استدل به أصحاب القول الأول مطلق، فيحمل على ما ذكر في أدلة أصحاب القول الثاني، فيحمل المطلق على المقيد كما هي القاعدة عند الأصوليين. قال رحمه الله تعالى: «وأكل لحم الجزور» كذلك من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور. والمراد بالجزور الإبل؛ المراد بالجزور الإبل، الجمال. فقوله رحمه الله تعالى: «وأكل لحم الجزور» هي ناقض من نواقض الوضوء، قال: لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قيل له: أن توضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، توضأ منها»، «قيل: فنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ». وفي المسألة كما ذكر إمام أحمد رحمه الله تعالى حديثان، جاء من حديث جابر بن سمورة عند مسلم، وجاء كذلك في سنن أبي داود وغيره من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، أي هذا المعنى: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أن توضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم»، فالحاصل من هذا أن هذه المسألة قد جاء فيها النص قد جاء فيها النص من أن أكل لحوم الإبل ناقض من نواقض الوضوء بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسواء علمت العلة من التحريم أو لم تعلم العلة من التحريم، فالعبرة بماذا؟ بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن من نواقض الوضوء أكل لحوم الإبل. وأكل لحوم الإبل سواء كانت مطبوخة أو كانت نيئة، الكل يجب منه الوضوء؛ يعني سواء أكل الإنسان وهي مطبوخة أو أكلها وهي غير مطبوخة، إذا أكل لحم الإبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ. وسواء كان أكل منها كثيرًا أو أكل منها قليلا، وسواء أكل اللحم أو أكل ما هو داخل الجوف من الكبد والطحال وما شابه ذلك مما هو في حكم أكل لحم الإبل، فإنه يأخذ حكمه. بقي: هل شرب لبن الإبل هل شرب لبن الإبل كذلك ناقض من نواقض الوضوء؟ الصحيح من أقوي العلماء رحمهم الله تعالى، وهو قول جماهير الفقهاء: أنه لا ينقض الوضوء لعدم الدليل. قال رحمه الله تعالى: «ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على ما تيقن منهما»، أي أن الإنسان يرجع إلى الأصل. أنت على طهارة شككت في الحدث: هل أحدثت أم لا؟ اعمل بماذا؟ باليقين، ما هو اليقين؟ أنك كنت على طهارة. العكس: إنسان كان على حدث ثم شك هل تطهر أم لا؟ يعمل بماذا؟ باليقين، ما هو اليقين؟ أنه على حدث. لماذا؟ للقاعدة: «أن ما ثبت بيقين فإنه لا يزال إلا بماذا؟ إلا بيقين»، أو بعبارة أخرى: «الشك لا يزيل اليقين»، أو بعبارة ثالثة: «اليقين لا يزال بشك»، اليقين لا يزال بالشك. فهذه جملة هذه المسائل في هذا الباب، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. نعم، والمرق كذلك ليس بناقض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكل لحم الإبل»، هذا السؤال طيب، إلا أن يكون فيها لحم في المرق، فالعبرة بأكل اللحم؛ فالعبرة بأكل اللحم.